لم يُصب مقتدى الصدر كما أصاب حين وصف أتباعه بـ«الجهلاء». فعل هذا قبل خمسة أيام على اندلاع الاشتباكات الاخيرة التي صارت حرباً في النجف. فكأنهم، في ظنه على الأقل، تعافوا من جهلهم بانخراطهم فيها. لقد اكتمل اقتداؤهم بمقتدى في «استراتيجيته» الخطيرة الراهنة التي تزخر بوفير العلم العادم للجهل تعريفاً. وأول هذا العلم، على ما ينقل الصحافيون والمراسلون، تنفير سكان النـجف وكربلاء من مسلحيه وعنفهم والعنف المضاد الذين يستمطرونه عليهم، وعلى المدنيين الآمنين استطراداً. وهذا الجحيم لم ينصبّ إلا بعد مسلسل من الفتاوى التي لا يلزم واحدتها، كي تخرج الى النور، أكثر من دقيقة. فمتى خرجت حلّت الظلمة حيث تحلّ. وضحايا علم مقتدى وفتاواه أكثرية الناس الغالبة من مؤمنين عقّال وغير مؤمنين، ومن شيعة وغير شيعة أو غير مسلمين.

وهذا، بطبيعة الحال، على خلفية ممتازة من العلاقات مع الوجوه والعائلات الدينية المؤثرة هناك، كآل الخوئي مثلاً، او المرجع السيستاني الذي ظهر من يصف مرضه وسفره الى الخارج بأنهما «رفع غطاء» عن مقتدى.
لكن العلم إياه بدأ يستهدف حدود الدول، على ما أنبأنا سلام المالكي، ممثل مقتدى في البصرة، اذ لوّح بانفصال المحافظات الجنوبية الثلاث، البصرة والعمارة والناصرية، وانشاء «إقليم الجنوب» تالياً. واذا ما كُتب التحقق لسيناريو كهذا، وقع الكيان الوليد في عهدة إيرانية مؤكدة.
الا ان وثوق التحالف مع ايران، على ما يذهب بعض من راقبوا حركة مقتدى، قرينة أخرى على علمه ورجاحته «الاستراتيجيين». فإيران، اليوم، في أحسن أحوالها الاقليمية والدولية، لا يقصد طالبُ الفلاح السياسي الا خطب ودّها وتمتين التحالف معها!

ولا يكتفي مقتدى، فيدفعه علمه إياه الى مصادمة الاقتصاد الدولي والشريان النفطي حصراً. فمنذ تهديداته وتهديدات «جيش المهدي»، جيشه، بمهاجمة البنية التحتية للنفط، ما استدعى وقف ضخّه من الجنوب العراقي، ارتفعت الأسعار على نحو غير مسبوق، علماً أنها مرتفعة اصلاً. ولأن علم مقتدى من النوع المبنيّ على نظرة كونية وصرامة معرفية، فقد حسبها بدقة: فالعالم، على ما حسب، لا بد ان يتسامح مع ما يفعله، غير عابىء بالقلق الذي يتسبب به استفتاء 15 آب (اغسطس) الجاري في فنزويلا، خامس مصدّر للنفط في العالم. وقد سبق للنزاعات الداخلية الفنزويلية أن تأدّت الى تعطيل تدفق النفط طوال شهرين أواخر 2002. وإذا ما ساد التردد حيال مقتدى، حسمه الحدث الروسي لصالحه. ذاك أن «يوكوس»، عملاق التصدير النفطي هناك يواجه الافلاس، تبعاً لمعركة فلاديمير بوتين مع الأوليغارشيا المالية في بلده. وانهيار «يوكوس» قد يُترجم، بدوره، مزيداً من تأزّم الإمداد النفطي.
وعلى العموم، يمكن القول إن السيد مقتدى يلعب بنيران كثيرة في وقت واحد، زادُه في ذلك علم لا يؤهّله، في أغلب الظن، اكتشاف النار.