إذاً، يقولون إنهم مستقطَبون. فالناس إمّا كارهون لـ"جورج بوش" كراهية عميقة، أو أنهم يكرهون من يكرهه. لا بأس، فربما أن هذا وصف ينطبق على الأغلبية هنا، لكنه لا ينطبق عليّ أنا. اعتبروني شخصاً متقلباً إن شئتم، لكنني ها هنا أقفز ما بين هذا المرشح وذاك.
فلنبدأ بالسياسة الخارجية. إن "بوش" محق بشأن الدروس الكبيرة التي يقدمّها يوم 11 سبتمبر، وهي أن الإرهاب تهديد قاتل وأن أسبابه الأساسية تكمن في الفقر وإخفاق الدول وأنه لا يمكنكم أن تجلسوا منتظرين العدو حتى يعلن الحرب ولذا فإنكم تحتاجون إلى خيار الاستباقية. لقد سحق "بوش" حركة طالبان، على رغم أن قطاعات واسعة من مؤسسة السياسة الخارجية للحزب الديمقراطي عارضت أية استراتيجية تقتضي استخدام الجنود. وأعلن "بوش" عن أكبر توسّع في المساعدات الخارجية ترقى إليه الذاكرة القريبة وقد صمّم طريقة ذكية لتنفيذها. وقام "بوش" بخلع صدّام حسين، هذا في حين أن مؤسسة الحزب الديمقراطي، التي تعتقد أيضاً أن العراق لديه أسلحة للتدمير الشامل وتداولت الكلام عن تغيير النظام، ما كانت لتفعل على الإطلاق شيئاً محفوفاً بالمخاطر إلى هذا الحد.
و"جون كيري" من جهة أخرى، أكثر خوفاً بكثير. فهو يتجنب إعطاء جواب قاطع للسؤال الدائر حول ما إذا كان سيدخل العراق، لكن سجله يوحي بأن قوة شهيته إلى مخاطرة في السياسة الخارجية تتراوح بين ضئيلة ومعدومة. لقد صوّت ضد نصب صورايخ نووية متوسطة المدى في أوروبا في الثمانينيات، وضدّ حركة "كونترا" في نيكاراغوا وضد حرب الخليج. ولأن تجربة حرب فيتنام لفحته بنارها، فإنه يقف مع الفئة الكارهة للمخاطرة. لكن الولايات المتحدة ليس لديها خيار الانسحاب من الحرب على الإرهاب بالطريقة التي انسحبت بها من "سايغون". ويبدو أن ميول ونوازع "كيري" خاطئة بالنسبة إلى هذه الأوقات التي نعيش فيها.
والآن سأتحول إلى الجهة الأخرى. إن مبادئ السياسة الخارجية الواضحة التي يتبعها "بوش" تقترن بانعدام الكفاءة في ميدان هذه السياسة. فبعد إلحاق هزيمة منكرة بحركة طالبان، أصرّ بنتاغون "جورج بوش"- وضد كل التجارب وأحكام الفطرة السليمة- على أن تلك البلاد من الممكن إعادة إعمارها بقوة لحفظ السلام قوامها 50 ألف جندي ملتزمة بالبقاء في العاصمة. وفي نقطة معينة، دافع مسؤول من وزارة الخارجية عن توسيع تلك القوة بمقدار خمسة أضعاف، ووافق على ذلك كل خبير خارجي في قضايا بناء الأمم. غير أنه تم تجاهل هذه الأصوات. وكنتيجة لذلك، تنحدر أفغانستان الآن إلى أيدي زعماء الحرب والاتجار بالمخدرات.
ثم أتت فوضى العراق، وبالغ الرئيس "بوش" والمسؤولون في إدارته في تأويل الأدلة على وجود أسلحة التدمير الشامل، ليتعاملوا في ذلك مع الافتراضات كحقائق راسخة. وأخفق هؤلاء في وضع خطط معنية بالعمليات في ما بعد الحرب، وتظاهروا بأنهم فوجئوا عندما تسبّب فراغ السلطة في العراق بانفجار النظام داخلياً، وهو الانفجار الذي أطلقت شرارته أعمال النهب والسلب وأعمال الأذى المتعمد. وقام هؤلاء أيضاً بإقصاء وتنفير الحلفاء بتوجيه التوبيخ والسخرية المهينة إليهم حول "أوروبا القديمة". وسمح هؤلاء أيضاً بحدوث الانتهاكات التي حدثت في سجن أبوغريب والتي أضرّت سمعة أميركا ونفوذها على مدى السنوات القادمة. وبدخول العراق، أظهر الرئيس "بوش" استعداداً لركوب المخاطر ومواجهة التهديدات بمبدأ الاستباقية؛ وأظهر "بوش" أيضاً أن الولايات المتحدة من الممكن لها أن تعرض وتستخدم القوة على نحو فاعل ونشط وسريع. لكن الرئيس "بوش"، ومن خلال دخول العراق، أظهر عجزاً عن قياس حجم المخاطرة والتعامل مع النكسات الممكنة بطريقة استباقية؛ وبذلك ألحق الرئيس "بوش" ضرراً بقدرة أميركا على عرض واستخدام القوة على نحو فاعل ونشط وسريع.
والآن انظروا في موضوع السياسة الاقتصادية. فعلى رغم إجراءات الحماية للزراعة ولقطاع الفولاذ، تبين في نهاية المطاف أن الرئيس "بوش" ماهر في ميدان التجارة والعولمة. ذلك أن فريقه أطلق جولة محادثات التجارة العالمية في الدوحة التي ستركّز على تحرير التجارة الذي يساعد البلدان الفقيرة. وتحرير التجارة أبقى على هذه البلدان في حالة تقدم إلى الأمام، هذا على رغم الضغوط الحمائية التي تتولّد عن اقتصاد ضعيف. وقاومت جولة المحادثات تلك تحويل الصين إلى كبش فداء تجاري مكتوب عليه تلقّي العقاب، هذا على رغم الضغوط من أجل فعل ذلك والآتية من كل من الشركات والعمال.
ومرة أخرى، ليس "كيري" مباشراً وصريحاً. فهو يرفض "اتفاق التجارة الحرة لأميركا الوسطى" لأنه يقول إن فيه حمايات غير كافية وملائمة للعمالة، على رغم أن هناك حمايات حقيقية كافية للعمال في ذلك الاتفاق وعلى رغم أن الحماية الأفضل للعمال هي النمو الاقتصادي الذي تساهم فيه التجارة الحرة. و"كيري" لا يدفع نفسه إلى إصدار تصريح يرحب بالتقدم الحاصل في محادثات الدوحة، على رغم أن التجارة الحرة العالمية من الممكن أن تنتشل 500 مليون إنسان من الفقر، وهذا بحسب "ويليام كلاين" من "المركز المعني بالتنمية العالمية"، وكذلك على رغم أنه من الممكن للتجارة العالمية الحرة أن تغني الولايات المتحدة بما يصل إلى 200 مليار دولار سنوياً وهذا بحسب "جيف هانكل" الأستاذ في جامعة هارفرد والمسؤول السابق في إدارة "كلينتون".
ومن جهة أخرى، لديكم السياسة الاقتصادية الداخلية. والتخفيضات الضريبية التي نفّذها "بوش" إنما هي تراجعية، على رغم أن التكنولوجيا والعولمة تزيدان سلفاً في انعدام المساواة. والتخفيضات الضريبية التي نفّذها "بوش" ضخمة جداً، على رغم أننا نواجه فترة تتميز بالانخفاض المفاجئ في معدل الولادات وباتجاهات مرعبة طويلة الأمد في تضخم الرعاية الصحية. وقد ترأس "بوش" الزيادة الانفجارية في حجم المشروعات الحكومية؛ ولم يستخدم على الإطلاق حتى الآن حق الفيتو الذي بيده ليمنع الهدر الهائل؛ وجهوده بخصوص المبالغ المخصصة تتألف من تجاهل للتوصيات التي رفعتها لجنته هو والمعنية بالضمان الاجتماعي، إضافة إلى استحداث اقتطاعات جديدة لمبالغ مالية بخصوص العقاقير المصروفة للمتقاعدين بوصفات طبية.
إذاً، أيّ من الاثنين يجب أن أفضّل؟ هل أختار مرشحاً غرائزه في السياسة الخارجية خاطئة؟ أم مرشحاً تتسبب طريقة تنفيذه بتشويه سياسته الجيدة؟ أم أختار مرشحاً يفتقر إلى الشجاعة في مجال التجارة، أم مرشحاً يعاني من فقدان شهية يدفعه إلى حرمان الحكومة من الأموال؟ هناك طرق لتحقيق توازن بين هذه العوامل، وسوف أفعل ذلك في المرة القادمة. لكن إذا كان الناس يرون في هذا خياراً سهلاً، فإنهم إذاً يرون شيئاً فات انتباهي.















التعليقات