يبدو من وجه نظر المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه أننا أصبحنا في عصر الصورة (عصر المجال التلفازي) معرضين لفقدان البصر، للعمى، فقد أصبنا بالعمى من جراء كثرة الصور التي تعرض علينا، بحيث لم نعد ندري من أين تأتي ولا ماذا تعني ولا لماذا تستخدم، حيث أصبح الفن مجرد تصنيف وليس متعة للنظر، فالتلفاز يجري ابتلاعه دون أن يهضم، والسينما بالرغم من تقديرها يجري تهميشها.. وهكذا أصبحنا معرضين وبالرغم من نباهتنا لفقدان البصر ولعدم التمييز الشامل.
إن ما يقلق دوبريه ويدفعه إلى إصدار بيان ثقافي وفكري عن عصر الصورة، هو هذا السيل المتدفق بلا انقطاع للصورة التلفازية، والذي جعل الصورة مجردة من أية مرجعية، ولا صلة لها بأي حقيقة رمزية أو دينية فتكسب استقلاليتها وتنفلت من مبدأ الواقعية، وهذا هو من وجهة نظر دوبريه الحاضر الأزلي للبصري المهووس بالسرعة، بالأكثر والأسرع حيث الريادة لتابع مجهول ومتوحش وعلى حد تعبير لويس ممفورد في نقده الجاد لمظاهر الهوس التي تميز عصر السرعة.
إن عصر الصورة الإلكترونية يسرّع وكما يرى دوبريه انحطاط رجال الفكر لصالح ورثة الدكان (المقاولون ورجال الأعمال والإداريون الكبار) وأباطرة المؤسسة الاعلامية، ففي ظل الديموقراطية الإعلامية يصبح "كسالى القلم هم الأوائل على الشاشة الصغيرة،". وفي عصر ورثة الدكان يسود الخواء الثقافي الذي يظل باستمرار ملازماً لاقتصاديات السوق التي يجري الترويج لها على صعيد عالمي. والخواء الثقافي يظهر على أنه نتيجة ففي عصر الصورة الإلكترونية يتماهى الانسان مع ما يشاهد ونظراً لغياب القيمة فيما يشاهد (عندما يُرى كل شيء، لا يعود لأي شيء قيمة) لذلك ليس غريباً أن يصاب الإنسان بالعمى وبفقدان البصيرة في عالم فقد بصيرته وبصره.
الشاهد على فقدان البصر والبصيرة من وجهة نظر دوبريه أن وحوش وديناصورات الحديقة الجوراسيه يراد لها أن تغزو العالم فكل مشهد عنف ينحت الآن المستهلكين في العالم ويزرع الخواء الثقافي في كل مكان. من هنا احتجاج دوبريه السياسي حيث تتمخض أوروبا عن هاجس سياسي يطمح إلى الوقوف في وجه السياسة الأميركية، وثقافي يكمن من وجهة نظره في ان مظاهر الغربنة والأمركة كما تجسدها امبراطورية الكوكاكولا ومطاعم ماكدونالد وأفلام البورنو والعنف والشاربات الجميلات للكوكاكولا ورجال الكاوبوي... إلخ تسبق مظاهر الحداثة الفعلية وبكثير، بحيث تأتي هذه الأخيرة مهددة أمام هذا الزحف المنظم لمظاهر الغربنة والأمركة، وما يهدد بالاختناق أن هذه المظاهر غزت العالم وفي مقدمة العالم أوروبا نفسها والتي باتت منكفئة على نفسها ولا حول لها ولا قوة.
من وجهة نظر الفيلسوف الفرنسي بول فيريليو أن زمن الصورة هو زمن التلفيق وشاهده على ذلك هو الحرب الاعلامية التي ندخلها للتو مع حرب الخليج الثالثة التي انتهت باحتلال بغداد فقد تم تلفيق الحرب من ألفها إلى يائها، ونزع الطابع الواقعي عن الحدث الحربي لصالح تقنيات الإعلام وتبين للجميع هذا الوجه التلفيقي للحرب الاعلامية، فقد اتضح أن ملاجئ صدام حسين المحصنة ليست سوى حفرة واحدة حيث قبض عليه. كما لم تكن في الحقيقة، سراديب بن لادن الجيمس بوندية في أفغانستان سوى كهوف في الجبال والنتيجة التي يخلص إليها فيريليو والتي يلتقي فيها مع دوبريه أن لا أحد يعلم شيئاً في عصر الصورة "عصر الحرب الاعلامية" اذ فجأة نجد أنفسنا ازاء تسارع للأحداث يأخذ شكلاً هلعياً يدمر فينا ملكة التوجه ورؤيتنا للعالم وهذا هو سر عصر الحرب الاعلامية التي تدور رحاها هذه الأيام وهذا ما دفع فيريليو إلى القول في كتابه "ماكينة الأبصار" إلى أن المنتصر في الحرب القادمة هو من سيستغل الطيف الألكترو مغناطيسي بشكل أفضل وبالتالي تصنيع عدم الرؤية التي تقود عاجلاً إلى العمى وغياب حاسة الرؤية والتوجه.
ما يجمع دوبريه وفيريليو هو تأكيدهما على أن السرعة الفورية والمطلقة في زمن الحرب الإعلامية التي تسمح للمرء أن يرى كل شيء دون أن يدرك شيئاً وأن يستهلك آلاف الصور دون أن يعي شيئاً هي من سمات الطغيان المطلق والذي يتزامن عادة مع طغيان الإمبراطوريات وبخاصة في زمن الامبراطورية الأميركية حيث يسود الطغيان وتنعدم الرؤية والرؤيا ويكثر الإذلال "اذلال شعوب بأكملها وسحقها بالقاذفات العملاقة" عندها يصبح غياب الديموقراطية بمثابة نتيجة لعصر الحاضر البصري المهووس باكتشاف أكثر الأسلحة فتكاَ بالإنسان والذي يراد له أن يكون مجرد معدة تستهلك الصور والخدع الإعلامية والكلامولوجيا الذي يتفوه به قادة الامبراطورية وحكامها كما تستهلك الهمبرغر وآخر صيحات الأزياء في العالم الذي فقد بوصلته؟؟