الدول التي تدير سياساتها بالحسابات الاستراتيجية‏,‏ تضع في اعتبارها قانون الاحتمالات‏,‏ وحتي لو كان الاحتمال بعيدا‏,‏ فهي تجهز له كأنه واقع مؤكد‏. ونحن في منطقتنا العربية نتعامل مع استراتيجيات قوي خارجية‏,‏ تدق أبواب المنطقة‏,‏ دقات متتالية‏,‏ بسياسات تتنوع مسمياتها بين الحرب الوقائية‏,‏ والعدو المحتمل‏,‏ ومشروع الشرق الأوسط الكبير‏,‏ وخطط عمل قمة الثماني‏,‏ وترتيبات حلف الأطلنطي لمد مظلته لتغطي الشرق الأوسط‏.‏

من اللافت للنظر‏,‏ مايجري من تحركات لإضفاء ثوب قانوني علي نظريات وسياسات‏,‏ كانت تمارس في الفترة الأخيرة خارج نطاق القانون الدولي وأحكامه‏.‏وبالأخص نظرية أو مبدأ التدخل في شئون الدول الأخري‏,‏ واقتحام منطق سيادة الدولة علي أراضيها وشئونها الداخلية‏.‏ وضمن ما ينشر عن مداولات ومناقشات تجري في مراكز بحوث امريكية‏,‏ خاصة بين خبراء في القانون الدولي الذين شغلوا في السنوات القليلة الماضية بأوضاع حقوق الانسان في العالم‏,‏ والذين كان لهم دور في صياغة اتفاقية دولية‏,‏ لتقنين التدخل الاجنبي لحماية حقوق الانسان‏,‏ استنادا الي حجتهم بعجز الأمم المتحدة عن وقف عمليات الإبادة في رواندا‏,‏ فإن مناقشاتهم تسعي لخلق قاعدة جديدة تقرر‏:‏ الفصل بين نظام الحكم القمعي وبين الدولة‏..‏ وبالتالي لايكون التدخل انتهاكا لسيادة الدولة‏,‏ بل هو تدخل لحماية شعب هذه الدولة من قمع النظام‏.‏ وان يتم التدخل ولو بدون قرار من الأمم المتحدة‏.‏

وتشير المعلومات الي أن اصحاب هذا الاتجاه يسعون لاستخلاص أسانيدهم‏,‏ من معاهدات دولية تختص بالابادة والتعذيب‏,‏ ومنها معاهدات تبيح التدخل‏,‏ والقاء القبض علي المسئولين عن التعذيب والإبادة‏,‏ وتقديمهم للمحاكمة‏.‏ وهذا توجه يبتعد عن المبدأ القانوني المستقر عن حصانة سيادة الدولة علي أراضيها‏,‏

والكثيرون من المختصين الأمريكيين تحدثوا عن تحرك السياسة الأمريكية بقوة ضغطها في هذا الاتجاه منهم وآخرهم علي سبيل المثال‏:‏ ـــ

‏{‏ الدراسة المنشورة لمارك شولمان وجون ادوين مورس الخبيرين بالمعهد الأمريكي لدراسات الشرق والغرب‏,‏ عن التحول في نظرة الولايات المتحدة لأمنها المستقبلي علي ضوء التهديدات المتغيرة لها‏,‏ علي أساس خلق حدود واقعية لحماية أمنها‏,‏ بمبادرات توجد معايير قانونية جديدة‏,‏ تفرض لتوضع موضع التنفيذ‏.‏
وهو ماتم تفسيره بأنه حدود تتمدد وتتسع‏,‏ لتصل إلي ماهو متصور انه منبع تهديدات أمنية‏,‏ حتي ولو استوعبت في إطاره مساحات من حدود سيادة الآخرين‏.‏ ان هذا التفسير يأتي علي ضوء مبدأ بوش الضربة العسكرية الوقائية‏,‏ وما اعاد ترديده في حملته الانتخابية الحالية‏,‏ من القول‏:‏ ان حادث الحادي عشر من سبتمبر‏2001,‏ قد علمني درسا لن أنساه‏,‏ هو ان أمريكا لايمكن ان تنتظر التهديدات‏,‏ الي أن تتجسد أمامها‏,‏ بل تذهب لاستباق هذه التهديدات في مكان تكونها‏.‏ وأيضا علي ضوء ما سبق ان قاله دونالد رامسفيلد وزير الدفاع‏:‏ ان حربنا علي الارهاب قد تحتاج إلي ان نقوم بعمليات بوحدات خاصة داخل دول‏,‏ حتي ولو بدون علم حكومات هذه الدول‏.‏

‏{‏ ماذكره مسئول أمريكي كبير ــ رفض ذكر اسمه‏,‏ ونقلته عنه التايمز البريطانية من تأكيد لاتجاه التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخري‏.‏ وقوله اذا انتخب بوش لفترة رئاسة ثانية‏,‏ فسيكون اكثر تدخلا في الشئون الداخلية لايران‏,‏ وسيكون بوش اكثر تصميما علي ألا تكف حكومته عن حربها علي الارهاب‏.‏ وقال المسئول ان أمريكا لن تستخدم القوة العسكرية كما فعلت في العراق‏,‏ لكنها ستصعد من جهود مرتبة لهز النظام في ايران‏,‏ وستعمل بقوة لإثارة تمرد داخلي ضد النظام الحاكم‏.‏
ان هذا الاتجاه يتحرك بدافع من قيام السياسة الأمريكية‏,‏ بربط أمن العالم بأمنها‏,‏ أو بمعني ايجاد صياغة للأمن العالمي‏,‏ من زاوية نظرتها الخاصة‏.‏ استنادا الي التشخيص الذي أجرته لأصل نشأة الارهاب والعنف‏,‏ في الشرق الأوسط من وجهة نظرها‏,‏ باعتباره ولادة من إحباط تزاوج مع نقص الديمقراطية بما يسبب هذا النقص من وأد لحيوية البشر‏.‏
إن مسألة نقص الديموقراطية علي وجه التحديد‏,‏ هي المنطقة الهشة في الجدار العربي‏.‏
واذا ماكان البعض يري ان الزحف الخارجي يبقي في اعداد الاحتمالات البعيدة‏,‏ فيجب ألا ننسي ان السياسات التي تتحرك نحونا ومن حولنا خلال السنوات الثلاث الأخيرة‏,‏ بدأت مجرد احتمالات ونظريات‏,‏ وليس أدل علي ذلك من أن حرب العراق عام‏2003,‏ كانت خطتها قد وضعت علي الورق في وزارة الدفاع الأمريكي قبلها بعشر سنوات وبالتحديد عام‏1992,‏ كفكرة او اقتراح أو دعوة‏.‏
والاحتمال في حسابات الدول الكبري ليس مسألة اطلاق بالون في الفضاء‏,‏ لتشهده العين عن بعد‏.‏ لكنه في حساباتهم جزء من استراتيجية‏,‏ تتحرك في حدود الممكن‏,‏ فإذن ما كان ممكنا لهذا الاحتمال ان يتحرك دون عثرات وعراقيل‏,‏ فإنه يتحول إلي واقع والي فعل‏