تشهد الأحزاب السياسية في إسرائيل قاطبةً صراعاً دامياً، حول الحقائب الوزارية، ومن هو الأجدر من رؤسائها أو نوابها في حمل هذه الحقيبة أو تلك. لدى ثلاثة من زعماء إسرائيل السياسيين توجد العديد من المشاكل الداخلية، فالثلاثة لديهم مشاكل متشابهة، ولا يحظى أي منهم بدعم كامل للخطوات التي يقدم عليها داخل حزبه، الأمر الذي يدفعهم لارتكاب حماقات في بعض الأحيان، ويثير الكثير من التساؤلات، كيف سيحلون مشاكلهم؟ هل يلجأون إلى التهديد أو الترغيب؟
شارون يذكر دوماً أعضاء الكنيست من حزبه، أنهم بفضله تم انتخابهم، وأصبحوا نواباً في الحكومة،وكذا يحذرهم من أن عددا كبيراً، منهم لن يعود إلى الكنيست، إذا ما اضطروه للذهاب باتجاه إجراء انتخابات مبكرة.
يوسف تومي لبيد ، يردد شينوي هي أنا، مما يعني أن جلوسه مع النواب الأصوليين في الحكومة، سيجعل من مصيره مثل مصير حركة داش. أما شمعون بيرس، فلن يتنازل أبداً، عن غايته كمخلص قومي وصانع للسلام، وهو يجد نفسه في هذه الأيام ألعوبة بيد شارون.
مع حلول الشهر القادم، تكون قد مضت على انتفاضة الأقصى أربع سنوات، أفرزت أفقاً من اليأس المطبق في الشارع الإسرائيلي، ورغم بارقة الأمل الصغيرة، التي أطلت على الجمهور الإسرائيلي، عبرخطة فك الارتباط، إلا أن الشعور السائد لدى الجمهور الإسرائيلي، أن الشغل الشاغل للسياسيين هو مكانتهم الشخصية، والعمل على البقاء في مناصبهم وكرامتهم وعملية المتاجرة الهادفة لتحسين مراكز قوتهم مقابل دعمهم لخطة فك الارتباط.
يسعى شارون في غياب توفر الأغلبية في حزبه الليكود لتنفيذ خطته لفك الارتباط، لضم حزب العمل إلى حكومته، حتى يتمكن من توفير دعم كاف له، يساعده في التنفيذ فقط.
تشير كل المؤشرات، إلى أن حزب العمل سينضم لحكومة الأمر الواقع، من دون حقائب من اجل الهدف الأوحد والوحيد، نفس السمو والتعالي، الذي انضم به، حزب الليكود في عام1967، إلى حكومة ليفي اشكول، من دون حقائب أو أية حسابات، فقط من اجل الصمود المشترك ، أيام حرب يونيو.
مجرد نظرة واقعية لما يدور على الساحة السياسية في إسرائيل، يبدو بصورة جلية أن شمعون بيرس ورفاقه، متلهفون إلى درجة كبيرة، للانضمام إلى الحكومة، الأمر الذي من شبه المؤكد، أنه ليس فقط من اجل تنفيذ خطة فك الارتباط، إذ أن شمعون بيرس يشترط دخوله، بإزاحة سيلفان شالوم عن وزارة الخارجية، وعندما رفض شالوم بشدة إخلاء المنصب الزاهر، انتقدوه لماذا، هل ولدت وزيرا للخارجية؟، وكأن حقيبة الخارجية، سجلت على اسم شمعون بيرس، الذي ليس بحاجة لوزارة الخارجية، على اعتبار أنه سيكون نائبا لرئيس الوزراء، كما أنه من المؤكد لن يفعل أصلا إلا ما يريده شارون، الأناني الكبير وليس غيره.
من الجائز حتى الآن، ما لم تحدث مفاجآت، أن يرفع شالوم يديه، ويوافق على التنازل عن حقيبة الخارجية، لكن الاعتقاد السائد أن ذلك لن يتم، إلا بعد أن يتأكد شالوم، من أن شارون لن يبقى رئيس حكومة.
يناور شارون ويخطط أن يبقى مع حزبي العمل وشينوي وحدهما، فهو اقترح على حزب يهدوت هتوراة الانضمام إلى الحكومة، وشينوي متخبطة بين التراجع عن وعدها الانتخابي بعدم المشاركة في حكومة مع الأصوليين، أو الإصرار على موقفها، الأمر الذي يتطلب منها توضيحاً لموقفها.
من المعروف أن حكومة وحدة وطنية، تشكلت في إسرائيل عشية حرب يونيو على وجه السرعة، من دون حسابات صغيرة ومن دون حقائب، لكن الوضع اليوم يختلف، فاسرائيل تشتعل، ولربما سينجح شارون في تشكيل هيكلية سياسية ما تحافظ على بقائه، لكن الائتلاف المسمى حكومة الوحدة العلمانية، يبدو أنه لا يملك أغلبية حقيقية في الكنيست الحالية، فالمعارضة القوية جداً داخل الليكود لذلك، تجعل شارون غير قادر وغير راغب تماما.
قد يستمر شارون في التسويف وإهدار الوقت في الحكم حتى لحظة الحسم، وعندها يتوجه إلى الانتخابات، وهو لديه ما يبرر موقفه حينها، أردت ولكنهم لم يسمحوا لي، وذلك على أمل إحراز الفوز بولاية جديدة، يستطيع فيها أن يواصل عدم القيام بأي شيء، باستثناء الصراعات والمقالب الخداعية، فمن المعروف عنه بأنه لا يكترث، وهو يتناسى بأن من يرغب فعلا في الانسحاب من المناطق، ملزم بإبداء الاهتمام.
شارون بذل قصارى جهده، الذي يقدر عليه من خلال تصريحاته، بشأن المستعمرات، التي بادر هو إليها، وهو بالتأكيد ليس الشخص القادر أيضا على تنفيذ ذلك فعليا، إذ أن الأغلبية الحاسمة من الجمهور الإسرائيلي، التي تتطلع إلى دولة طبيعية، غير أصولية، ترى أن ذلك يتم فقط عبر الانسحاب من المناطق، والواضح أن هذه الأغلبية تتصاعد و ليست في طريقها إلى الزوال.
معروف أن اثنتين من المعارك الانتخابية الأربعة الأخيرة في إسرائيل، قد شهدتا انتصاراً لليسار والوسط، وذلك عندما وحدتا جهودهما معا، لمكافحة التطرف الديني، الأمر الذي يعزز رؤية أن هذه الأغلبية تتطلب قيادة نزيهة أخلاقية، وذات رؤية حقيقية، عندها يكون الانتصار ممكنا وقريبا أكثر، خلافاً لما يعتقده الكثيرون، فالأغلبية قائمة، لكنها بحاجة لخطوة سياسية حقيقية وغير خداعة.
بقي أن أشر إلى أن من يريد بالفعل أن يبدأ الانسحاب من المناطق، فهو ليس بحاجة لإنقاذ شارون، بل عليه أن يُسقطه، فمن يرفع راية العودة للعالم الطبيعي غير الفاسد وغير المتعصب، لابد أنه سيحرز النصر.