في منتصف ثمانينات القرن التاسع عشر ولدت الصفحة العتيدة التي اشتهرت, بل وانفردت بها الجريدة العريقة.. صفحة الوفيات, وشأنها شأن أي وليد كانت غائمة الملامح, إذ احتلت مساحة محدودة في جريدة لم يتجاوز عدد صفحاتها الأربع, ومع أنها لبت احتياجات المصريين الذين كانوا حتي ذلك الوقت يعلنون عن' المصاب الجلل' إما بالمنادين الذين يجولون في دروب القري وشوارع المدينة عند المسلمين, وإما بدقات أجراس الكنائس عند الأقباط, وكان علي أي الأحوال إعلانا محدودا, علي عكس الحال في نشر الخبر في جريدة سيارة كبيرة مثل الأهرام, غير أنها تطلبت وقتا حتي تصبح تقليدا شائعا بين أبناء أرض الكنانة.
خلال هذا الوقت تداخل القديم والجديد, شأنه في ذلك شأن سائر أمور الحياة, فقد ظل المنادون ينبئون الناس بوقوع سنة الحياة, خاصة في الريف, وبقيت دقات أجراس الكنائس الحزينة ترسل رناتها عند الأقباط حتي بدا مع الوقت وكأنها أحد طقوس الدينية, مع أنه- علي حد علمنا- ليس في أصول المسيحية ما يقتضي هذا, في ذات الوقت أخذت أخبار الوفيات تتسلل إلي صفحات الأهرام, ولكن علي استحياء في بداية الأمر, حتي أننا لا حظنا أنها تظهر بشكل غير منتظم في كثير الأحيان, وتحتل مساحة محدودة في أي الأحوال, غير أن الزمن تكفل بتغيير ذلك, الأمر الذي يدعونا للتوقف عند الصفحة العتيدة في منتصف ثلاثينات القرن التالي( العشرين), وتسجيل عدد من الملاحظات..
1) أن حجم الجريدة قد تضاعف خلال تلك الفترة إلي أربعة أمثاله عند صدورها(16 صفحة) الأمر الذي ترتب عليه أبواب جديدة ونتج عنه في نفس الوقت زيادة حجم أبواب قديمة وكانت صفحة الوفيات في مقدمتها.
2) تمكن عادة قراءة الصحف بين شرائح اجتماعية جديدة لم تكن موجودة قبل خمسين سنة, وبالتالي أصبحت وسيلة للإعلام أفضل كثيرا مما كان عليه الحال من قبل, ولم تعد الحاجة ماسة للمنادين الذين يصيحون بالنداء المعروف:' ياحاضر قول للغايب', فقد أصبحت الغالبية من الحاضرين, ومن لم يقرأ الجريدة منهم تصله الأخبار ممن قرأها!
3) تحسن وسائل المواصلات خلال تلك السنوات الخمسين فوصلت السكك الحديدية التي حملت الصحف إلي أعماق الريف المصري, وانتشرت وسائل المواصلات الداخلية في المدن, مثل الترام والأمنبوس( الحافلات), الأمر الذي مكن سائر الأقارب والمعارف والأصدقاء من الحضور في الوقت المناسب لمشاركة أهل الفقيد, هذا فضلا عن انتشار التلغراف والبريد مما أتاح للعاجزين عن القدوم المشاركة, ولو بالمراسلة!
4) غير أن ذلك لا ينفي من استمرار الإعلام بالحدث الجلل من خلال الوسائل القديمة ودون استعانة بالصحيفة العتيدة, سواء بين أولئك الذين تمكنت منهم تلك العادات, أو بين غير القادرين علي الوفاء بتكلفة الإعلان في جريدة كبيرة مثل الأهرام, حتي ذكر مناقب الفقيد الذي أصبح أحد قسمات إعلانات الوفيات كان يتم عند هؤلاء بالوسائل القديمة.. الندابات وأهازيجهم الحزينة!
علي ضوء كل تلك الملاحظات نبدأ في تقليب أوراق جريدتنا خلال منتصف ثلاثينات القرن العشرين ونرصد ما دخل علي الصفحة العتيدة من متغيرات..
***
ظلت' وفيات الأعيان' تحتل مكانة متميزة, إذ لم تكن مجرد إعلام برحيل هذا العلم أو ذاك وإنما كانت خبرا يهم القراء, حتي لو كان مدفوع الأجر, الأمر الذي تتعدد عليه الأمثلة..
تحت عنوان' جنازة عثمان مرتضي باشا' نشرت أسرته في اليوم التالي مذكرة أنه كان يشغل منصبا رفيعا في عصر الخديوية.. رئيس الديوان الخديوي, وعرجت من ذلك إلي وصف جنازته التي بدأت من داره في المنيرة' يتقدمها حملة القماقم والمولوية فنعش الفقيد يحمله أتباعه ومريدوه, وتوقفت عند المشيعين, وكانوا جميعا من علية القوم..
سكرتير الأمير محمد علي, ثم الباشوات; محمد شفيق, مراد محسن, مصطفي فتحي, حمد الباسل وسيداروس باشا, تبعهم البكوات; حامد العلايلي, فخري عبد النور, الدكتور إسماعيل صدقي, سلامة ميخائيل وعبد الستار الباسل بك.
ويضيف إعلان الوفاة أن جثة الفقيد نقلت بعد ذلك في سيارة' تبعها رتل من السيارات تحمل طائفة من كبار المشيعين إلي مدفن الفقيد الذي شيده في مسجده الخاص بمدافن الإمام الشافعي, وهناك رثاه الأستاذ التفتازاني بكلمة كان لها وقع عظيم تضمنت تاريخ حياة الفقيد وما له من أثر في جميع المشاريع العامة وبكي فيه مصدرا من مصادر التاريخ المصري احتوي صدره علي طائفة من الأسرار التي لم يكشف عنها الزمن, وذكر ما له من أثر بارز في خدمة الرابطة الشرقية, وبكي عبد الله عفيفي المحرر العربي بديوان جلالة الملك فقدانه علما من أعلام المسلمين المشتغلين بشئون الساعة الإسلامية والشرقية والمشتعلين غيرة علي الإسلام والشرق ثم ووري الفقيد التراب بين زفرات الأسي والحزن العميق'!!
ولأن الرجل كان من كبار الأعيان فلم يكتف بنوه بالجنازة الفخمة بل أقاموا سرادقا كبيرا بداره بالمنيرة' أمه كل ذي حيثية ومقام من كافة العناصر والأحزاب والهيئات تغمد الله الفقيد بواسع رحمته ورضوانه'!!
وكثيرا ما كان يؤثر دور الراحل السياسي علي طبيعة الجنازة, الأمر الذي قدمت له الأهرام وصفا في جنازة محمد محب باشا, والذي تولي الوزارة أكثر من مرة قبل عام1924, وكان معلوما أنه من القريبين من رجال العهد الصدقي, إذ يشير النعي إلي أن أغلب من سار في جنازته, التي بدأت من منزله بالزمالك, كانوا من هؤلاء, حتي بعد انقضاء عهدهم, أو من خصوم الوفد الذي بدا وقتئذ في طريقه لاعتلاء كراسي الوزارة مرة أخري; محمد حلمي عيسي باشا, صادق يحيي باشا, توفيق رفعت باشا, حمدي سيف النصر بك وكامل صدقي بك, ولم ينس أصحاب الإعلان أن يدعوا للفقيد بالرحمة الواسعة وأن يلهمهم الصبر والسلوان, بغض النظر ما إذا كان المصريون الذين كرهوا هذا العهد يشاركونهم في تلك الأمنيات أم لا!!
وكثيرا ما كان يكشف نعي بعض الشخصيات عن طبيعة الأسر التي ينتمون إليها, خاصة عندما تكون من الأسر ذات النفوذ, مثل علي ذلك فيما حدث عند انتقال محمد توفيق العرابي بوزارة المالية إلي رحاب الله, فقد كان له شقيقان يحمل أحدهما لقب البكوية ويعمل مستشارا بمحكمة استئناف مصر, والآخر طبيب.. ثم سائر أقاربه; مفتش صحة مصر, مفتش مالية, مدير أملاك, مدير عام بوزارة التجارة, مدير القسم المالي بمحافظة مصر, وكيل محكمة قنا, هذا فضلا عن عدد من ضباط الجيش; أميرالاي ويوزباشي!
ولم يقتصر الأمر علي الأسر الكبيرة في القاهرة أو الإسكندرية بل امتد إلي ذات الأسر في الأقاليم, الأمر الذي يكشف عنه نعي صاحب العزة حسن بك الجمل عضو النواب السابق ببني سويف, فقد حفلت قائمة الأقارب بالشخصيات ذات الحيثية; عمدة الميمون, عضو مجلس المديرية, عمدة كوم أبو راضي, عمدة بني سليمان' وقد لبي نداء ربه عن70 عاما قضاها في البر والتقوي فنسأل الله للفقيد الرحمة ولآله الصبر والسلوان', وكان عمرا طويلا بمقاييس متوسط الأعمار في ذلك الزمان!
وكثيرا ما كان الفقيد يكتسب أهمية ليس لمكانة أسرته الاقتصادية وإنما لمكانة أحد أفرادها الاجتماعية كما حدث عند وفاة والدة السيدة نبوية موسي صاحبة مدارس بنات الأشراف بالإسكندرية, والتي جاءت أسماء أقاربها من الرجال بعد اسم السيدة الشهيرة, وإن كنا نلاحظ أن أغلبهم من المنخرطين بسلك التعليم; محمود عبد الرازق المدرس بالمدارس الأميرية, مصطفي عبد الرازق المدرس بدار العلوم, محمد سعيد ناظر مدرسة رأس التين الابتدائية الأميرية وأحمد أفندي عبد الماجد المدرس الأول بالمدرسة العباسية الثانوية الأميرية.
ويصبح المصاب أفدح عندما يكون الراحل من أبناء تلك الأسر شابا كما ينم عن ذلك نعي الدكتور توفيق سليمان الذي استهله كاتبه بالقول:' مصاب جلل- اختطفت يد المنون أمس غصن شباب المأسوف عليه', وهو نجل يوسف سليمان باشا وزير المالية سابقا, ثم مجموعة من الشخصيات ذات المكانة; فهيم بك سليمان القاضي بمحكمة مصر الأهلية, كامل إبراهيم بك وزير الزراعة, إسكندر بك شنودة من أعيان طنطا وعزيز بك سليمان باشمهندس قسم المنصورة بالسكة الحديد' وسيحتفل بتشييع الجنازة اليوم الساعة العاشرة صباحا من سراي معالي والده بالعباسية أمام مدرسة البوليس'.
ومن كبار الأقباط لم تقل أسرة' البطارسة' عن عائلة سليمان, الأمر الذي بدا في نعي' الخواجة ديمتري بطرس' كبير أسرة البطارسة بالبلينا صهر الدكتور فؤاد زقلمة وعم الدكتور فكري ومنير بطرس وابن عم الخواجات زكي وقزمان وعم وخال الأفندية يوسف وزكري جورجي مشرقي من أعيان جرجا' وقد شيعت الجنازة باحتفال مهيب من منزل الفقيد إلي مدافن العائلة حيث أودع جثمان الراحل الكريم في مقره الأخير فنطلب للفقيد العظيم الرحمة'!!
ونتوقف هنا قليلا عند وفيات' الخواجات', واللقب وإن شاع استخدامه بعد ذلك توصيفا للأجانب من الأوربيين غير أنه في أصله لفظ فارسي ومعناه السيد ورب البيت والتاجر الغني, إلا أنه في مصر ومع مرور الوقت أصبح يطلق علي التجار الأغنياء من الأقباط, ونعلم أنه مستخدم حتي اليوم في بعض جهات الصعيد أو في بعض المناطق التي يكثر فيها التجار الصعايدة من الأقباط مثل وكالة البلح!
تتأكد هذه الحقيقة باستعراض بعض وفيات هؤلاء..
' الخواجا شفيق غالي الجواهرجي وأنجاله الدكتور رفعت شفيق وناظم وأخيه الدكتور ماهر وباقي أفراد العائلة ينعون بقلب حزين وفاة المرحوم شوكت شفيق الطالب بالسنة النهائية بكلية الطب غير متجاوز الثالثة والعشرين وستقام ليالي المأتم الثلاث بالمنزل بشارع كليوباترة بمصر الجديدة'.
وثمة ملاحظة هنا مفادها أن الأقباط خاصة من أبناء الصعيد كانوا متجددي الأحزان, فهم لم يكتفوا بتشييع الجنازة بل كانوا ينتهزون فرصا أخري لاجترار أحزانهم.. الثالث والسابع والخامس عشر والأربعين, وأخيرا الاحتفال بذكري مرور السنة, ناهيكم عما كان يسمي' بالطلعة' حين يخرجون في الأعياد لزيارة قبور الأعزاء الذين رحلوا, وهي في مجموعها عادات موروثة من العصور الفرعونية, وقد انتقلت بمرور الوقت إلي سائر المصريين لتصبح مناسباتهم السعيدة فرصا للنكد الأزلي!
إعلان آخر:' لبي نداء ربه الخواجا مرجان إبراهيم من أعيان ملوي والد حضرات الخواجات يعقوب الجواهرجي بمصر وعزيز التاجر بملوي وقريب ونسيب الخواجات عبد السيد وسوس سربانه ورمزي فرج من أعيان ملوي', واختلفت هذه الأسرة عن سابقتها أنها تشكلت في مجموعها من' الخواجات', ولم يشذ أحد منها بالانخراط في سلك الأفندية!
قريب منها نعي الخواجا يعقوب تاوضروس من أعيان المنيا' والد الخواجا هنري يعقوب التاجر بالمنيا, وعم الخواجات غبريال وروفائيل ويوسف وحبيب حنا, والخواجا مرقس عبد المسيح وقريب الخواجات باسيلي وعزيز وأديب حنا ونسيب الخواجات مرقص ويوسف شحاته' والذي توفي عن ستين عاما, واحتفل بتشييع جنازته احتفالا كبيرا'!
نعي أخير عن فاجعة عائلة' الحمار' بأبي تيج, ولا ندري مصدر هذا اللقب الغريب خاصة وأن بقية الأسماء عادية من تلك التي تشيع بين الأقباط في الصعيد, بوفاة الخواجا ويصا أرمانيوس, وقد اختلفت عن الحالة السابقة في أن أغلب أبنائها من الذين تلقوا قسطا من التعليم وأصبحوا من الأفندية; موظف بمحكمة البداري, طالب بمدرسة التجارة, مهندس بري طهطا, باشمهندس الري بالمنيا, وإن كان ذلك لا يمنعنا من تسجيل حقيقة مفادها أن كثيرا من تلك الأسر كانت تغفل بعض الأقارب من غير ذوي الحيثية حتي لو كانوا قريبين, وتسجل غيرهم من كبار الموظفين, خاصة لو كانوا من حملة الألقاب, حتي لو كانت صلة القرابة بعيدة.
بالمقابل فقد كان هناك نعي علماء الدين المسلمين, ونلاحظ هنا أيضا غلبة الاشتغال بالوظائف الدينية علي ذلك النوع من الأسر, ونسوق فيما يلي أكثر من مثل..
نعي صاحب السماحة السيد عبد الوهاب أبو النجا نقيب الأشراف بمديرية الغربية' صهر أصحاب الفضيلة الشيخ محمد مرسي طبل المدرس بالمعهد الأحمدي, والشيخ إبراهيم مجاهد أبو النجا قاضي محكمة قنا الشرعية, ومصطفي أفندي مجاهد أبو النجا الموظف بمحكمة المنصورة الأهلية.. وقد شيعت الجنازة باحتفال رهيب وسيقتصر المأتم علي ليلة واحدة'.
نعي حرم فضيلة المرحوم الشيخ محمد سعيد الظواهري من علماء الأزهر' وشقيقة حضرات أصحاب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الأحمدي الظواهري شيخ الجامع الأزهر والشيخ محمد الشافعي الظواهري شيخ معهد الإسكندرية, والشيخ محمد الحسني الظواهري المفتش بالمعاهد الدينية.. وسيقتصر علي إحياء ليلة واحدة تغمدها الله بالرحمة وأسكنها فسيح جناته'!
وإذا كان ثمة ملاحظة علي هؤلاء فقد بدت في حرصهم علي التحلل من العادات الفرعونية بإحياء ذكري الراحل في أكثر من مناسبة, ونري أنهم قد نظروا إليها كإرث مرفوض من عصور الوثنية!
ولم تختف أسماء الموظفين وأصحاب المهن الحرة من الصفحة محل الدراسة, ومرة أخري نلاحظ غلبة الأفندية من هؤلاء وأولئك في العائلات التي كانت تنشر نعي عزيز فقدته, فأقارب حنين أفندي بشارة مثلا; موظف بجمرك بورسعيد, مدير قسم المباحث الاقتصادية بجمرك الإسكندرية, مهندس بتفتيش الري, مهندس بمشروعات شرق الدلتا, وأقارب قرينة غالي أبادير, وكان هو نفسه وكيل بريد أبشواي' وزوجة أخ الأفندية كامل وناصف وقريبة الأفندية منير وإدوار غبريال وموريس ساويرس', وتنسحب نفس الملاحظة علي المرحومة كريمة عبد اللطيف أفندي فايد' وشقيقة عبد المقصود أفندي فايد وعمة علي أفندي حسن ملاحظ بوليس شبين الكوم وابنة عم الأفندية عبد العظيم فايد عضو مجلس مديرية المنيا وتوفيق فايد وآخرين من حملة نفس اللقب.
***
يبقي بعض الملاحظات التي يمكن أن نخرج بها من استقراء الصفحة العتيدة, والتي تحمل كثيرا من المفارقات..
ملاحظة أولي: يمكن القول باطمئنان أنه حتي ذلك الوقت كان زواج الأقارب الأكثر انتشارا, الأمر الذي تكشف عنه شبكة العلاقات الأسرية التي تضمنتها قوائم الأفراد التي كان يتضمنها النعي, وكان الزواج من أبناء العمومة ظاهرة عامة, لما لاحظناه خاصة في وفيات السيدات من أنهن كن في الغالب يحملن أسماء أسرة الزوج, ويبدو أن ظروفا اجتماعية معينة أملت هذا النوع من الزيجات; سواء لتحقيق مصالح اقتصادية, أو لغياب الاختلاط بين الجنسين, فضلا عن غياب الحقيقة العلمية التي انتشرت بعد ذلك والقائلة بأن زواج الأقارب غالبا ما ينتج نسلا ضعيفا.
ملاحظة ثانية: في حالة أن يكون الراحل امرأة فقد اكتفي في الغالب بذكر أنها حرم فلان حتي لو كان مرحوما, أو والدة علان, ربما انطلاقا من قناعة أن اسم المرأة عورة لا ينبغي الكشف عنها!
ففي عدد واحد من الأهرام, والصادر يوم27 ديسمبر عام1935 نعيان متعاقبان لسيدتين مجهولتي الاسم وإن كانتا معلومتي الأسرة..
الأولي: حرم المرحوم علي الشيشيني بك والذي اكتفي في تعريفها بأنها والدة' الأستاذ الجليل حسن كامل الشيشيني المدير العام لوزارة التجارة والصناعة', وقد حرص واضعو النعي علي تأكيد هويتهم السياسية عندما أشار إلي المئات الذين أموا السرادق الذي أقيم أمام المنزل في المساء وأنه كان في طليعتهم' صاحب الدولة النحاس باشا والأستاذ مكرم والوزراء والكبراء'.
الثانية: المأسوف علي شبابها قرينة يسي بولس بالتسجيل الصادر ببوستة مصر, وقد حرص واضعو هذا النعي علي الإشارة علي أن الراحلة ابنة شقيقة بولس حنا باشا, والواضح أن يسي أفندي كان شأن كثير من أقباط الطبقة الوسطي الصغيرة من قاطني شبرا وبالذات في شارع المحمودي بشيكولاني من حيث بدأت الجنازة, ويبدو أنه بناء علي نصيحة الباشا خال الفقيدة تقرر اقتصار المأتم علي ليلة واحدة!
ومن صفحة وفيات يوم23 نوفمبر نختار نموذجا آخر.. المرحومة حرم المرحوم السيد أفندي فخري باشمهندس الدائرة السنية, والتي توفيت عن70 عاما' قضتها في البر والتقوي وشيعت جنازتها باحتفال مهيب مشي فيه عمد وأعيان البلاد ودفنت مبكيا عليها من الجميع وسيقام المأتم ف بندر ببا', ويلفت النظر أن جميع الراحلين كانوا من البررة والأتقياء والمحسنين, الأمر المتصل بتقليد مصري قديم بذكر محاسن موتاهم!
بيد أن إغفال أسماء الراحلات لم يشكل قاعدة مطلقة, ففي أكثر من مناسبة كشف أقارب المتوفاة عن هذا الاسم.. وكن في الغالب من سيدات الأسر الأرستقراطية أو من القبطيات اللاتي لم تر أسرهن أن هناك بأسا في نشر أسمائهن..
من الأوائل' الست فطوم هانم الجيار' بنت المرحوم إبراهيم بك الجيار' بعد ستين عاما قضتها في أعمال الخير والبر بالفقراء. وتشيع جنازتها من سرايها بخربتا مركز كوم حمادة بحيرة إلي مدافن العائلة'. منهن أيضا السيدة علوية هانم يكن كريمة المرحوم أحمد أمين باشا محافظ استنبول سابقا وحرم المرحوم محمد عز الدين بك يكن.
أما المتوفيات القبطيات اللاتي كشف أقاربهن عن أسمائهن في الصفحة العتيدة فهن عديدات.. الست جولييت مقار كريمة كامل بك مقار وحرم فؤاد بشارة المهندس بالبلديات' وقد شيعت جنازتها من منزل والدها بجوار محطة الحلمية إلي كنيسة الأقباط بمصر الجديدة والعزاء قاصر علي ليلة واحدة بمنزل والدها', المرحومة الست صوفية, وإن لم يذكر النعي اسم الوالد ولا الزوج وإنما اكتفي بأسماء الأبناء; فهمي رزق سليمان بالسكة الحديد ومحفوظ رزق بالزراعة والدكتور راغب رزق, وثمة ملاحظة هنا مفادها أن ترتيب أسماء هؤلاء كانت ترد تبعا لأعمارهم; الأكبر فالأصغر, وليس تبعا لمكانتهم الاجتماعية والوظيفية.
الثالثة: ما حفظته الصفحة في بعض الأحيان من أسماء المتوفين من غير المصريين.. جاء الشوام في طليعة هؤلاء, وكان أمرا طبيعيا سواء بسبب كثرتهم العددية أو بسبب غلبة العنصر الشامي في الأهرام حتي ذلك الوقت بدءا من رئيس التحرير أنطون بك الجميل إلي عدد من الفنيين في المطبعة.. عائلة يزبك التي فجعت بوفاة المرحومة جميلة يزبك أرملة المرحوم سليمان يزبك, المرحوم طوبيا حاج والد أفندي حاج الذي أديت الصلاة عليه بالكنيسة المارونية بشبرا, وآخرين كثر.
غير المعتاد أن تحفظ صفحتنا أسماء بعض الوفيات من غير المصريين, ومع أن بعض هؤلاء جاء من أقصي الشرق بينما وفد غيرهم من أقصي الغرب إلا أنهم استوطنوا مصر وأصبحت هناك حاجة لإعلام أبناء وطنهم الثاني بأخبار رحيلهم..
من هؤلاء السيد غلام حسين كازروني من أعيان الجالية الإيرانية في مصر الذي توفي بعد' حياة حافلة بالخيرات فشق نعيه علي أصدقائه وعارفيه, وهو خال حضرات عبد الحميد بك كازروني وعبد المجيد بك كازروني من كبار التجار في العاصمة.
منهم المسيو إيمانويل دنتمارو' الذي توفاه الله علي أثر مرض قصير ونقل رفاته إلي الإسكندرية واحتفل بتشييع الجنازة' وهو مقاول طريق الكورنيش', وعلي الرغم من أن المناسبة كانت تقتضي تجنب الإشارة إلي الاختلافات الناشبة بين الرجل والبلدية إلا أن الأخيرة أوفدت مديرها العام للتعازي وحضور الجنازة!
منهم أخيرا المستر رالف تشسبرو من كبار رجال الأعمال الأمريكيين الذي وافاه القدر المحتوم علي أثر مرض قصير وترك أرملة وولدين, وإن لم يذكر النعي الثروة التي خلفها والتي كانت يقينا تكفي الأرملة واليتيمين, بل وتزيد!














التعليقات