السيد بورتر جَـْس (هكذا ينطق اسمه الاخير على وزن غَثْ) المرشح الجمهوري لادارة المخابرات المركزية الاميركية (سي.آي. إيه) قد يصبح الجاسوس الاكبر لدى ادارة بوش وما بعدها اذا ما تخطى اختبار لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ التي قد تعتمده رئيسا للوكالة او ترفضه.
المؤشرات الاولية تقول ان مسألة إقرار مجلس الشيوخ بالسيد جَـس ستمر دونما مشاكل، وانه سيكون خليفة جورج تينيت كرئيس لأكبر وكالة للجواسيس في العالم، الحقيقة هي ان الامر اعقد من ذلك بكثير، ذلك لان شخصية جَـس وتاريخه ربما لا ينسجمان مع السياق الحالي للاحداث بعد 11 سبتمبر، وبعد تقرير اللجنة المستقلة حول هذه الاحداث، وكذلك في ظرف الانتخابات الرئاسية.
اولى مشاكل السيد جَـس هى مشكلة تسيس المعلومات، وهو امر غير مرغوب فيه في أي رجل يقف على قمة مؤسسة المعلومات والاستخبارات الاولى في اكبر دولة في العالم، السيد جَـْس بالفعل بدأ حياته في ميدان الاستخبارات العسكرية ولمدة عامين منذ 1960 حتى عام 1962، ثم ايضا عمل داخل وكالة المخابرات المركزية حتى عام 1970 في ميدان العمليات، ولكن هذا لا يمنع من ان كثيرا من الديمقراطيين سيرمونه بأنه رجل سياسي في المقام الاول وليس رجل استخبارات محترفاً. فبالفعل قضى بورتر جس معظم حياته الراشدة في السياسة، حيث بدأ حياته السياسية من كونجرس ولاية فلوريدا المحلي عام 1974 حتى انتخب لمجلس النواب الاميركي عن فلوريدا عام 1988 حتى الآن.
نعم ترأس جَـْس لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ مما دعم خبرته اكثر، واضاف الى رصيد خدمته في المخابرات العسكرية الاميركية او كجاسوس لـ«سي. آي. إيه» لمدة 11 عاماً، نعم ايضا، ان لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الاميركي هي لجنة خاصة ونخبوية تتألف من اثني عشر عضواً (12) وقادرة على كشف الموهوبين من غيرهم، الا ان الديمقراطيين سيحكمون على السيد جَـْس على انه رجل سياسي، وان عالم المعلومات والاستخبارات لا يتوافق مع عالم السياسة. التلوين السياسي للمعلومات هو موضوع حساس للغاية، وملف فتح في عهد الرئيس ريجان، وكلنا شاهدنا تلك المواجهة بين مجلس الشيوخ ومدير المخابرات المركزية الاسبق روبرت جيتس، فيما يخص تلوين المعلومات لخدمة اغراض سياسية سواء كان ذلك في حالة وليم كيس المدير الاسبق لـ«سي. آي. ايه» في حالة فضيحة ايران ـ كونترا التي سُيست فيها المعلومات.
ومن هنا تأتي حساسية تعيين رجل سياسي على رأس اكبر جهاز استخبارات في العالم.. وقد اطلق السيناتور الديمقراطي جي. روكفلر السيناتور عن ولاية فرجينيا، اول طلقة ضد مرشح الرئيس لرئاسة المخابرات الاميركية، عندما قال «انه من الخطأ ان يشغل هذا المنصب الحساس رجل سياسي من اي من الحزبين». وكلام روكفلر تأتي اهميته من انه هو الآن نائب رئيس لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ الذي سيصدق على ترشيح جَـْس، والديمقراطيون حساسون تجاه السيد جَـْس، خصوصاً انه الرجل الذي انتقد سجل مرشحهم للرئاسة جون كيري فيما يخص الاستخبارات على رؤوس الاشهاد من داخل مجلس الشيوخ.
ترى ما هي الصفقة التي قد تؤدي الى ذلك؟! الصفقة التي قد يطرحها الديمقراطيون تخص التزام الرئيس بتعيين مسؤول عام وبمرتبة وزير يعيد تشكيل المخابرات الاميركية جملة وتفصيلاً، بمعنى ان يلتزم الرئيس بوش بتطبيق كل التوصيات الخاصة باعادة تشكيل المخابرات الاميركية الواردة في تقرير لجنة 11 سبتمبر المستقلة. هذا بالضبط ما صرحت به جماعة جون كيرى المسؤولة عن حملته الانتخابية بعد ساعات من اعلان اسم السيد جَـْس، «المهم هو اصلاح المخابرات كما اوصت لجنة 11 سبتمبر، واتمنى ان يكون للسيد جَـْس هذه الرؤية، ويؤيد خلق وزير واحد للمخابرات»، هكذا كان رد فعل كيري نفسه.
بالطبع لن يؤيد السيد جَـْس تعيين وزير يدير كل اجهزة المخابرات التي تتكون الآن من اربعة عشر جهازا مخابراتيا، أي ثلاثة عشر جهازا آخر غير الـ«سي. آي. ايه». معنى تأييد السيد جَـْس لوجود منصب وزير مهيمن على كل اجهزة المخابرات او خلق وزارة بهذا الشكل على غرار وزارة الامن الداخلي التي يترأسها توم ريج، يعني ذلك ان يتقلص منصب جَـْس نفسه، ليصبح الرجل الثاني او الثالث بعد الوزير المطروح.. وفي ذلك تقليص لدور مدير الـ«سي. آي. ايه»، وهذا امر قد يرفضه جَـْس، وربما يقبله شخص آخر.
ظني ان الرئيس بوش حاول من خلال هذا الترشيح ان يضع الديمقراطيين في مأزق، فدخول الديمقراطيين على الخط وبهذه السخونة في امر حساس كأمر رئاسة وكالة المخابرات المركزية الاميركية يخسرهم كثيراً من الاصوات، لان موقفهم سيفسر على انه ادخال للسياسة في شأن بالغ الحساسية كالأمن القومي، او في جزئية مهمة جداً من الأمن القومي تخص تعيين مدير اهم جهاز في هذه المكانة وهو جهاز الـ«سي. آي. ايه».
ترشيح جَـْس هو اولى حركات قطع الشطرنج الكبرى في واحدة من أعقد الالعاب الاميركية، وهي لعبة انتخاب الرئيس.