الإشارة ضرورية، منذ السطر الأول لهذا المقال، بأن المقصود ليس الفضائيات العربية كافة، بل تلك المحطات الأكثر شهرة، ولو على حساب المصالح الوطنية وعلى حساب حركة التنوير العربية التي تدفع بها هذه الفضائيات نحو الوراء، بقوة شديدة، وذلك من أجل مكاسب آنية، ستذروها رياح التغيير في نهاية المطاف,
دفعني لكتابة هذا الموضوع، أمران رئيسيان: الأول هو بث رسائل الخاطفين لمجموعات من المدنيين الأبرياء وبشكل يظهر جانباً غير حضاري في هؤلاء الخاطفين, ما الحكمة من بثّ هذه الأشرطة التي تظهرنا أمام العالم بأسره، في عصر القرية الكونية، قساة متوحشين، نقطع الرؤوس بالسيوف دون شفقة، ولأناسٍ لا علاقة لهم بما يجري من أحداث, من البدهي أنه يوجد لدى كل أمة، مجموعات من المتطرفين لا تمثل رأي وموقف الأغلبية, رأيناهم أخيراً في اليابان، أكثر بلدان العالم تقدماً وحداثة وتكنولوجياً، ورأيناهم في عواصم أخرى، ولكنّ إبراز هؤلاء عبر الفضائيات، في زمن يتعرض فيه الإسلام لحملات من التشكيك في الغرب، يغذي تلك النظرة السوداوية حول إسلامنا المتسامح، في كل العصور، ويسيء لنا ولتاريخنا ولإنفتاحنا على العالم ولكل الأصالة في عصورنا الذهبية,
إن بثّ هذه الأشرطة، يشجع شباباً متحمسين على القيام بمثل هذا العمل القاسي، وبذلك تكون هذه الفضائيات، التي تتسابق على مثل هذه الأشرطة، قد أدّت نتيجة معاكسة، وشجعّت التطرف والإرهاب، دون أن تدري ودون أن تقصد بالتأكيد, العبرة بالنتائج، وطريق جهنم مفروشة بأصحاب النوايا الحسنة,
يقولون لك: إنّ تدفق المعلومات، حق من حقوق الإنسان, وهو أمر لا مراء فيه، ولا يخضع للجدال، لكن هذه الأشرطة، لا تضم معلومات مفيدة للمشاهدين, هل يصح لأي فضائية على سبيل المثال وليس الحصر، أن تنقل على شاشتها الصغيرة، أو الكبيرة، أعمالاً غير أخلاقية جرى تصويرها في مكان ما تحت ذريعة أن تدفق المعلومات حق من حقوق الإنسان؟ يقولون لك: إنّ فضائيات عالمية كبرى، تنقل عنا مثل هذه الأشرطة أو لقطات منها, وهذا صحيح أيضاً، البعض منها تفعل ذلك لتشويه الصورة العامة في بلادنا, لاحظوا أن الفضائيات المتطرفة في الغرب، هي الأكثر تخصصاً في نقل هذه الأشرطة عن فضائياتنا, والبعض الآخر ينقل لقطة صغيرة مصحوبة بتعليق واسع ضد مثل هذه العملية: عملية خطف مدنيين, فضائياتنا لا تفعل ذلك، بل تبث الأشرطة، كما وردت في «النص»، من أجل المصداقية؟.
إنني أدعو كل النشطاء في بلادنا: النشطاء الديموقراطيين ونشطاء حقوق الإنسان، أن يقوموا بحملة واسعة عبر الوسائل الحضارية المشروعة، لحثّ هذه الفضائيات على وقف بث مثل هذه الأشرطة أو التعليق الموسع مع البث بما يوضح المخاطر، إن كان لا بد من بثّ الأشرطة,
وأزعم أنّ حملة «الخطف» قد يتراجع منسوبها حين لا تجد منبراً تمتطيه، لتخاطب الجمهور، بالكلام الركيك، والمرعب، أو حين تشعر أن البث مصحوباً بتعليق يفقدها هدفها المعلن, ولهذا أدعو، أن يقوموا بالتعليق الموسع على كل شريط، إذا لم يجدوا بُداً من بثه، وبما يوضح مخاطر مثل هذه الأعمال، على أخلاقنا وعلى تسامح ديننا الإسلامي وعلى دعم وتنمية التطرف والإرهاب، وأدعو، ثالثاً، مستغلاً مناسبة هذا الحديث، الصديق عبد الرحمن الراشد، مدير عام قناة «العربية»، صاحب الأفكار القيمة ورجل التنوير الأصيل في عموده في «الشرق الأوسط»، أن يضع أفكاره موضع التطبيق في هذا المجال، وكل مجال، وأود أن أهمسِ في أذنه لأقول إن تسّرب شيء من العقلانية والتوازن في تغطيات «العربية» أخيراً، رفع شعبيتها في أوساط الجمهور العربي، وليس العكس، لا صحة للإدعاء القائل: ان التطرف والإثارة والتهييج هو المطلوب لدى المواطن العربي، فلنقدم له الطبق الذي يشتهيه, لا صحة مطلقاً لمثل هذا الادعاء وتجربة «العربية» في الأسابيع الأخيرة شاهد على ذلك، ولديّ شخصياً تجارب عديدة توضح ذلك عبر محاضراتي وندواتي في الوطن العربي,
الأمر الثاني الذي دفعني لكتابة هذا المقال، هو تجاهل هذه الفضائيات، إيّاها، لأي تطور في الأراضي الفلسطينية باتجاه «العقلانية» ووقف نزيف الدم, تريد هذه الفضائيات القتال حتى آخر طفل فلسطيني، وحتى آخر طفل عراقي وحتى آخر طفل عربي، شريطة أن يكون بعيداً عن أرضها ومواقعها، فذلك يوفر لها إمكانات التغطيات الساخنة، وإمكانات الإثارة والتهييج، دون أي نظر للمصالح الوطنية والقومية,
إنها تحترف التثوير، طالما أنها لا تدفع أي ثمن، وتحارب التنوير، بكل ما تملكه من طلقات إعلامية ثورجيّة, سأُعطي مثالين فقط، لتوضيح ما أريد قوله، رغم وجود عشرات الأمثلة، التي ربما تكون محل دراسة موسعة، حيث لا مكان لها في مقال متواضع الحجم,
في تقرير اللجنة الخاصة لدراسة الوضع السياسي والتنظيمي، التي شكلها المجلس التشريعي الفلسطيني بعد أحداث غزة، والذي أقرّ توصياتها، وردت توصية مكتوبة، تجاهلها الفضائيون جميعاً, فقد ورد، وأنقل بالنصّ الحرفي: «تؤيد اللجنة الخاصة مطالب المواطنين وجمعيات المجتمع المدني والأهلي، وممثلي فصائل وأحزاب سياسية، ومسؤولين حكوميين وأمنيين وتحذيراتهم، من النتائج السلبية التي تنعكس بسبب ممارسة بعض وسائل وأشكال المقاومة (إطلاق الهاونات والصواريخ) على الوطن والمواطنين، وعلى مدى الدمار والخراب الذي تسبّبت فيه، ردود الفعل الإسرائيلية المجرمة وعلى التأثيرات السلبية لهذه الأعمال على الرأي العام الدولي», نقلت النصّ بأمانة، بما فيه من أخطاء لغوية وصياغية, وأضيف لذلك القول: إن بعض المواطنين في بيت حانون، اشتبكوا مع من أرادوا إطلاق القذائف من قرب منازلهم، وسقط منذ أيام الشاب حسن الزعنين من إحدى العائلات بسبب ذلك، أتساءل : من الناحية المهنية الصِرْفة، التي يقولون إنها مرجعيتهم، ألا يستحق مثل هذا التطور تغطية موسعة، ألم تجد كاميراتهم أحداً في بيت حانون، يعلق على مثل هذه الأعمال مُديناً لها، ألا يوجد لهذا الشهيد عائلة، وماذا تقول عائلته, ألا تهتم الفضائيات بهذا الموقف المعلن للغالبية الكاسحة من الفصائل والقوى السياسية وكذلك المجلس التشريعي,
ألم تخرج بعد الاجتياح قبل الأخير، مظاهرات في بيت حانون لوقف إطلاق الصواريخ ولماذا لم تحدث لها أي تغطية، بالحجم الذي يتناسب مع هذا التطور الذي يجب التقاطه من أي وسيلة إعلامية محايدة، إن كانت كذلك.
وفي غزة أيضاً، انطلقت مظاهرة احتجاج على الفساد، ضمت الآلاف وذلك تطور استثنائي لم يحدث مثله منذ عشر سنوات هي عُمْر السُلطة, من الزاوية المهنية البحتة، وبغض النظر عن الموقف السياسي من مثل هذه التظاهرة ومن رتّبها ولماذا وبالاتفاق مع من؟، وبغض النظر عن كل التحليلات، المتفائلة والمتشائمة على حد سواء، فهذا تطور كبير يستحق التغطية خبراً رئيسياً في كل نشرات أخبار ذلك اليوم, أتَوْا به خبراً صغيراً في قاع النشرة الإخبارية، وصوروا مقدمة المظاهرة التي تضم مسلحين، للإيحاء بأنها ليست مظاهرة شعبية, ليس مهماً أن تكون مع المظاهرة أو ضدها، بل إن العمل المهني الإعلامي الصرف يتطلب تغطية استثنائية، لحدث استثنائي, وفي الجعبة آلاف القصص، من فلسطين والعراق، التي تؤكد ما ذهبت إليه من استنتاجات, يقولون في بعض هذه الفضائيات إنهم بدأوا مراجعة سلبياتهم وذلك ما نأمله على أي حال، وسنكتب عنه ونصفق له طويلاً، إذا رأيناه رؤية يقينية على شاشاتهم، يستوثق منها القلب والبصر,
وتفاءلوا بالخير تجدوه.