منذ احداث 11 ايلول ـ سبتمبر ـ 2001 والولايات المتحدة تستخدم «القاعدة» وتنظيماتها الحقيقية، والمزعومة بوصفها «فزاعة» تخيف بها المجتمع الاميركي والمجتمعات العالمية كافة. وهذه «الفزاعة» تمكنت من اعطاء اميركا الكثير من المبررات او المسوغات من اجل تحقيق الهيمنة على مناطق عديدة من العالم .. وما تزال توفر للاميركيين الغطاء المناسب لبسط سيطرتها على مقدرات الدول والشعوب والتدخل في شؤونها الداخلية.
ولم تعد اميركا في حاجة الى جهد كبير تبذله لكي تسوغ هجماتها او حروبها او اعتداءاتها خارج حدودها، كما انها باتت اكثر حرية في اجراءاتها الأمنية الداخلية وفي التغاضي عن كثير من متطلبات القانون الاميركي داخل الولايات المتحدة نفسها، وبخاصة في تعاملها مع المقيمين العرب والمسلمين فيها، سواء أكانوا من حملة الجنسية الاميركية ام ممن يتمتعون بحق الاقامة الطويلة، وجرى التغاضي عن كثير من حقوق الانسان ومستلزمات الديمقراطية والحريات الفردية والعامة تحت طائلة تهديدات القاعدة ومكافحة الارهاب الدولي، حتى بات النظام العالمي الجديد كأحد انظمة دول العالم الثالث المتخلف!!
ومن خلال المتابعات المستمرة للتطورات الاقليمية والدولية خلال السنوات الاخيرة يبدو للمراقب ان «القاعدة» اعطيت ـ قصدا ـ اكثر من حجمها وجرى تضخيم دورها وخطرها والمبالغة في تصوير قدراتها وامكانياتها ومخططاتها، في حين كانت واشنطن تصور مهمتها في افغانستان في بداية غزوها لذلك البلد المنكوب في منتهى السهولة واليسر والبساطة، وبعد ثلاث سنوات ما تزال القاعدة موجودة ولم يتم القضاء على «طالبان» التي قللت واشنطن في حينه من اهميتها عمدا، ثم عادت لترفع من قدرات هذين التنظيمين لاحقا، من اجل تسويغ سلوكياتها في المنطقة، وايجاد اسباب كافية لوجودها العسكري الضخم ونفقات الحرب التي تشنها على الارهاب.
غير ان اميركا لم تكتف بما قامت به في افغانستان من حرب عدوانية وتدمير شامل، وسيطرة عسكرية وسياسية، بل استمرت في عدوانيتها وراحت تمد نفوذها وتنشر حربها وعدوانها على العراق، بداعي امتلاكه اسلحة دمار شامل، ومن ثم بسبب الممارسات غير الديمقراطية للنظام الحاكم، وها هي وقد انكشفت «كذبة» تلك الأسلحة، احتاجت الى «كذبة» جديدة، عن علاقة النظام السابق ب «القاعدة» وعن وجود متطوعين من عناصر القاعدة «الارهابيين» في العراق، وهي بذلك تحاول اصطياد اكثر من عصفور بحجر واحد، فالارهابيون دخلوا الى العراق «تسللا» من حدود الدول المجاورة، ولهذا فهذه الدول تستحق العقوبات، لانها تساهم في «عمليات الارهاب» وما لم تقم حكومات الدول المعنية بمنع تسلل «الارهابيين» من اراضيها الى العراق، فانها تكون داعمة للارهاب، وتتدخل في شؤون العراق الداخلية، وكل ذلك هو محاولة ايجاد مسوغات كافية ـ او غير كافية ـ للتدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول المجاورة للعراق، تمهيدا للقفز اليها، وهذا ليس كلام منجمين ولا استشرافا للمستقبل، بل انه بات امرا واضحا للعيان، اما اميركا نفسها فقد حلت محل شعب العراق واصبحت ناطقة باسمه بعد «تحريره»!
يبقى ان نعود الى وضع العراق الداخلي الذي تحارب اميركا الارهاب فيه، فهي لا تميز بين حق المقاومة المشروع، والاعمال الارهابية المدانة والمستنكرة، وهذا خلط مقصود بل ان اجهزتها ومخابراتها تشجع اعمال الخطف والقتل والسيارات المفخخة التي توجه ضد المدنيين، من اجل بث الفوضى وانعدام الأمن لكي يظل كل ذلك سببا في استمرار وجود قواتها المحتلة والتي تسميها الان «حليفة» وتدعي انها موجودة بطلب من الحكومة العراقية المؤقتة، متجاهلة حقيقة كون هذه الحكومة قد شكلت باشرافها وانها لم تعطها اية صلاحيات للسيطرة على وضع تلك القوات الحليفة ولا ممارساتها، ومع هذا فتلك القوات ليست معنية بتوفير الأمن والحماية للعراقيين بالقدر الذي تعمل فيه على حماية نفسها وتدمير قوى المقاومة وتصفيتها.