في سلسلة من المحاضرات الاذاعية عام 1947، تحدث الفيلوس البريطاني برتراند راسل (1872 ـ 1970) من خلال الـ BBC، عن تطور العلاقة بين السلطة والفرد. بدأ محاضراته بان سأل: كيف نستطيع ان نوفق بين المقدار الضروري للتقدم من مبادرة الفرد. وذلك المقدار الضروري للبقاء من تماسك المجتمع؟
ان التعاون ووحدة المجموعة في كل الحيوانات الاجتماعية، بما في ذلك الانسان، يقول راسل، يعتمد على اساس من الغريزة. وهذا اكمل ما يكون في النحل والنمل، التي لا يغريها كما يبدو اي شيء قط بافعال غير اجتماعية ولا تنحرف ابدا عن الولاء للعش او الخلية.
ولكن لهذا الولاء الراسخ نقائض. فالنمل والنحل لا تنتج اعمالا فنية عظيمة، او تقوم بكشوف علمية، او تأتي بديانات تعلم ان النمل اخوة. فحياتها الاجتماعية في الحقيقة رتيبة محكمة مطردة. فلا بد لحياة الانسان، ان كان يرغب في الانفلات من هذه الرتابة، ان تعاني من بعض الاضطراب.
كان الانسان الاول نوعا ضعيفا وقليلا مهدد البقاء ويقدر «سير آرثر كيث» ان الانسان الاول كان يحتاج ميلين مربعين من الارض لتزويده بالطعام. وقياسا على القردة الشبيهة بالانسان ANTHROPOIDS وعلى الجماعات البدائية الباقية، فان الانسان الاول يجب ان يكون قد عاش في جماعات صغيرة ليست اكبر بكثير من الاسرة. جماعات تتراوح تخمينا بين خمسين ومئة نسمة. ويبدو انه قد كان بين كل جماعة مقدار غير قليل من التعاون، ولكنه كان هنالك عداء بين كل الجماعات التي من نفس النوع حيثما يحدث احتكاك بينهما. ان التماسك الاجتماعي الذي بدأ بولاء للجماعة يدعمه الخوف من الاعداء. نما بعمليات معقدة حتى وصل الى التكتلات العظيمة التي نعرفها اليوم بالامم..
ومن أجمل ما يقوله راسل عن العلاقة العدائية بين الامم اشارته الى ان الحروب كانت في الاصل «حروب ابادة»، ثم صارت بالتدريج حروب فتوح، والمغلوبون بدلا من اعدامهم تحولوا عبيدا وارغموا على العمل للفاتحين، وعندما حصل هذا صار هنالك نوعان من الناس في المجتمع، المواطنون الاصليون الذين كانوا وحدهم احرارا وكانوا هم مستودع الروح القبلية والاتباع الذين كانوا يطيعون بدافع الخوف وليس بدافع الولاء الغريزي.. كما في النمل والنحل!
ومنذ تلك الايام الغابرة وحتى الأزمنة الحديثة، كانت الحرب هي الاداة الرئيسية في توسيع المجتمعات، واحتل الخوف مكان التضامن القبلي كمصدر للتماسك الاجتماعي. وفي مرحلة تالية من تطور المدنية، بدأ نوع جديد من الولاء في الظهور: ولاء ليس مؤسسا على العلاقة الاقليمية او القرابة في الجنس، وانما على الوحدة في المذهب، حيث قبلت الجماعات الاورفية ORPHIC اليونانية في القرن السادس ق.م، العبيد على قدم المساواة.
ويقول برتراند راسل ان قوة المذهب الحربية. ويقصد بالمذهب هنا الدين كذلك، قد ظهرت لأول مرة بالاسلام في فتوحات القرنين السابع والثامن الميلادي. وقوة المذهب اعطت الدافع في الحروب الصليبية وفي الحروب الدينية الاوروبية. وفي القرن السادس عشر كثيرا ما رجح الولاء الروحي على الولاء الوطني. فكثيرا ما وقف الكاثوليك الانجليز في جانب اسبانيا، والهيجونوت او البروتستانت الفرنسيون في جانب بريطاينا. اما في وقتنا الحاضر، يضيف راسل، المتوفى عام 1974، فتستأثر بولاء قسم كبير من الجنس البشري عقيدتان، احداهما، وهي الماركسية، لها ميزة الاشتعال على «كتاب مقدس» والاخرى، وهي الاقل تحديدا.، وهي مع ذلك ذات نفوذ واسع، ويمكن ان ندعوها «طريقة الحياة الامريكية».
وكثيرا ما عانى المهاجرون في امريكا من الحنين الى اوروبا الوطن، لكن اعقابهم، في معظمهم، «يعتبرون طريقة الحياة الامريكية تفضل طريقة العالم القديم، ويعتقدون جازمين، انه سيكون لخير الجنس البشري ان تصير طريقة الحياة الامريكية هذه عالمية».