من يرَ حمام الدم اليوم في العراق، ومشاريع الحروب، ينسَ مشاريع الاعمار والديموقراطية الزاهية الوانها في عيني الرئيس جورج بوش. من يسمع اي اميركي مزهو بغرور عظمة القوة الوحيدة في العالم، يطمع بأميركا اكثر أمناً، يزداد اقتناعاً بأن الأنانية وحدها بكل جشعها هي «الفلسفة» الأعم لمنظّري المحافظين الجدد في الولايات المتحدة.
مَن يتذكر قصة تمثال الحرية، يعرف ان اميركا الجديدة التي نهضت من حربها الاهلية، جعلت تلك الحرية معياراً في تعاملها مع الأمم... في أسوأ الاحوال لم تغيّبها علناً على الاقل، في معادلة المصالح. وليست تلك الحال الآن، مع طغيان مصالح العميان.
لم تعد هناك حاجة لضرب امثلة على «انجازات» اولئك المنظّرين، وهي كثيرة، كتعداد الحروب التي تشتعل في العالم... لتصبح اميركا «اكثر أمناً»، بل كتناسل الفظاعات التي تُرتكب، بذريعة تمهيد الطرق الى الحرية.
مَن يصدّق اليوم ان مئات القتلى يسقطون كل اسبوع في العراق، ثمناً لاعادة الاستقرار الى البلد؟ من يصدّق ان هناك أملاً، لمجرد ان اميركا تخدع به الآخرين؟...
ومن يصدق بوش حين يعد بأن يكون رئيس سلام في ولاية ثانية، بعدما كان رئيس حرب؟
انه بكل بساطة، أسير «فلسفة» المحافظين الذين لا يوحون إلا بالشؤم، ولن ينسحبوا ببساطة، ولو غادر بوش البيت الابيض. السودان بعد العراق، نموذج آخر لمشاريعهم، وتكفي صورة بغداد اليوم لاستيحاء ما سيكون عليه ذلك البلد، بعد الحرب الآتية برماح انقاذ دارفور. آتية، لأن محاولات العرب «تحييد» الاوروبي عن الاميركي، لن تجدي، كالعادة، ولأن اتهام واشنطن بلغة عنصرية «يطربها» بمقدار ما تستغله لاثبات ضعف حجج الخصم، المحشور في قفص الإدانة.
الرئيس البشير في القفص؟ ليس وحده، ولن يكون، لان مسلسل التنازلات اذا بدأ، لا يتوقف الا بنتيجة وحيدة، يعرفها الرئيس الفريق الذي ظنّ انه ينقذ «ثورة الانقاذ» بنظامه، اذا أبعد الترابي عن خيمة الحكم، ومعه ورقة صداقات قديمة مع اعداء اميركا. وهذا لا يبرئه، ولا يبرئ صداقاته.
ورغم كل الضجيج حول مأساة دارفور، تبدو واشنطن المطمئنة الى النتائج، منشغلة بمرحلة اخرى، فيما لم تعد تطرب احداً بمعزوفتها السقيمة على أوتار استقرار العالم وأمنه. وهل أحد يطرب كلما غنّى مهندسو الحروب او عزفوا على قيثارة الخراب؟
ولفويتز ومعه معلّمه الأب الروحي للاجتياحات الوقائية، الوزير رامسفيلد، تجاوزا بسهولة فضائح جنودهما في العراق، لأن الاميركيين منهمكون بما هو اهم، بالسباق الرئاسي الذي يعني مصيرهم ورفاهيتهم، وغرورهم ايضاً. وتلك فرصة، ليؤسس ولفويتز «شبكة الميليشيات الصديقة»...
الشبكة ستكون جاسوس البنتاغون لرصد الارهابيين، اي ان القوة العظمى التي تدّعي مطاردة ميليشيات في العراق والسودان، اكتشفت اخيراً نوعاً آخر منها، لهدف «نبيل»، ولا يهم ان شكّلت طوابير خامسة او سادسة في اي مكان في العالم.
أليس ذلك الوجه الآخر لتعميم حروب المرتزقة؟
اكتشف ولفويتز اخيراً وسيلة لتفادي حرق الاصابع الاميركية، وهي في كل الاحوال لا تخرج عن اطار مفهوم «نقل الحرب الى حديقة العدو».
لكن كثيرين ربما ما زالوا يذكرون قصة «طالبان»، وأن دولاً في المنطقة والعالم دفعت الثمن مثلما دفعت اميركا. واذا كان من فارق الآن، تحت غيوم الحرب الكونية على الارهاب، فهو باختصار ارغام الآخرين، جميع الآخرين باستثناء الاميركي، على دفع الثمن. ولفويتز اكتشفها: جيوش مرتزقة اسمها ميليشيا محلية، تقال نيابة عن واشنطن، وبعيداً عن ارادات الحكومات، بل رغماً عنها.
اما السؤال، اي استقرار في المرحلة الثالثة من تلك الحرب، فلا يبدو سوى عبث، مثل الرهان على فوارق بين بوش وخصمه كيري، لدى الذين ينسون ان اميركا دائماً هي اميركا واحدة، ويجهلون ان مشاريع ولفويتز ما زالت في بدايتها... كلما فشل احدها، استنبت ثلاثة.
عصر المرتزقة عاد، من البوابة الاميركية.














التعليقات