بيروت: أعلن رئيس الحكومة اللبنانية السابق الدكتور سليم الحص انه يعارض التمديد أو التجديد لرئيس الجمهورية في المبدأ، لأنه يعارض تعديل الدستور من أجل حالة خاصة. وأشار الى أنه يقبل بأن يكون التعديل، لو حصل، دائماً ويغير من طبيعة الولاية الرئاسية في لبنان. ورفض اعلان دعمه لأي من المرشحين الى الانتخابات الرئاسية لأن ذلك سابق لأوانه ولأن بعض الأسماء الكبيرة لم تترشح بعد، مؤكداً احترامه الشديد للرئيس لحود وايمانه بنزاهته ولاطائفيته وبمواقفه الوطنية والقومية.
"الخليج" التقت الرئيس الحص وأجرت معه حواراً حول الاستحقاق الرئاسي ومشروع قانون الاتنخابات النيابية الذي اعدته ندوة العمل الوطني التي يرأسها، بالاضافة الى الهم الاقتصادي والاجتماعي في لبنان.
وهنا تفاصيل الحوار: قبل شهرين من موعد الاستحقاق الرئاسي كيف تبدو الصورة وما هو موقفك مما يجري التداول به لجهة تعديل الدستور لإتاحة اعادة انتخاب الرئيس لحود أو تمديد ولايته؟
تحدثت كثيراً في هذا الموضوع عبر وسائل الاعلام ولا حاجة لي لأكرر ما سبق وقلته. خلاصة القول ان موقفي معارض لمبدأ التمديد أو التجديد لرئيس الجمهورية، لأنهما لا يكونان الا بتعديل الدستور اللبناني الذي تحظر نصوصه هذين الأمرين، وتحدد فترة الولاية الرئاسية بست سنوات غير قابلة للتجديد أو التمديد. والدستور هو مجموعة أحكام عامة ترعى بنية الدولة وانتظام عملها ولا يجوز تعديل احكام عامة في خدمة حالة خاصة.
يمكن بالطبع تعديل الدستور بدليل وجود نص في صلبه يرعى كيفية التعديل، ولكن التعديل في نظري لا يمكن ان يكون الا من قبيل الاصلاح الدستوري، أي احلال احكام عامة جديدة محل احكام عامة قائمة ويبقى الدستور مجموعة أحكام عامة تحترم في كل الظروف والمجالات.
اعتراضي على التمديد والتجديد نابع من موقفي المبدئي الذي اتخذته عام 1995 عندما طرح مشروع تعديل الدستور تمديداً للرئيس الياس الهراوي آنذاك لمدة ثلاث سنوات، وكنت عضواً في مجلس النواب في تلك الفترة، وقد اعترضت يومها للأسباب عينها الآنفة الذكر وقرنت موقفي بالتصويت ضد المشروع.
3 مزايا
اذاً هو موقف مبدئي ولا يتعلق بشخص الرئيس لحود؟
بالتأكيد. أنا أحترم الرئيس لحود الذي خبرته خلال سنتين في بداية عهده عندما كنت رئيساً للحكومة. ودوماً أكرر ان من بين مزايا هذا الرجل على الأقل ثلاث: الأولى، انه لاطائفي، وأقول أكثر من ذلك، ان كان في لبنان شخص لا طائفي فهو اميل لحود، وهو غريب كلياً عن الطائفية، المزية الثانية انه لم يرتكب خطأ واحداً على المستوى الوطني والقومي. فهو رجل ملتزم وطنياً وقومياً. وبدا ذلك جلياً في موقفه بدعم المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال “الاسرائيلي”، كما يبدو ذلك دائماً في مواقفه من قضايا الأمة في فلسطين والعراق. ان موقف الرئيس لحود في قمة تونس الأخيرة كان متميزاً في وضوحه عن سائر المواقف.
أما المزية الثالثة فهي انه رجل نزيه، وأردف ان هذه الميزة لا تنطبق على كل المحيطين به. أنا أحترم الرجل، ولا أعترض على شخصه.
مع ذلك أقول انه اذا طرح موضوع اعادة انتخاب الرئيس لحود من خلال تعديل الدستور ليس لحالة خاصة وواحدة، بل من أجل تبني صيغة جديدة للولاية الرئاسية مثل تقصيرها الى 4 أو 5 سنوات مع امكانية ترشح الرئيس لولاية ثانية أسوة بفرنسا والولايات المتحدة الأميركية. فلا يكون التعديل حينها لمرة واحدة ولمصلحة شخص بعينه. لأن ذلك يعني اتاحة الفرصة للرئيس للتنافس مع مرشحين آخرين، وتجري عملية الانتخاب بصورة ديموقراطية. أنا لست ضد اعادة انتخاب الرئيس لحود اذا كان على أساس هذه القاعدة الدستورية.
اذا اقتضت الظروف ان يستمر الرئيس لحود في موقع المسؤولية كرئيس الجمهورية لا بد له من طرح رؤياه للمستقبل، لا أقول برنامجاً لأن البرمجة هي من اختصاص الحكومات، أي السلطة التنفيذية التي أنيطت بعد اتفاق الطائف بمجلس الوزراء. المطلوب من لحود مثله مثل المرشحين الآخرين رؤية تطمئن اللبنانيين الى احتمالات التغيير التي ينشدها ويحتاجها البلد. المواطن يعاني الأمرّين والظروف صعبة في كل المجالات وهو يتوق الى التغيير. وأعتقد أن الرئيس لحود، اذا ترشح، للاستمرار في رئاسة الجمهورية فإن المطلوب منه مضاعف. اذ عليه أن يشرح للناس ماذا حال دون تنفيذ ما وعد به في خطاب القسم خلال ست سنوات، ثم ان يشرح للناس رؤيته للمستقبل وكيف سيتمكن من تحقيق ما لم يستطع ان يحققه خلال السنوات الماضية.
ما هي الظروف التي قد تفرض تعديل الدستور وإعادة انتخاب الرئيس لحود؟
الظروف ليست في يد أحد، انما تتبدل بسرعة ولا أحد يستطيع ان يتكهن بتغييرها، والأمر متروك الى عشية الانتخاب حيث قد ينشأ ما يغلب خيار على آخر.
مهما يكن شكل التعديل الدستوري الذي سيطرح سيستفيد منه الرئيس لحود، ان لم نقل انه سيكون لصالح شخصه. ألا يبدو طرح صيغة اعادة الانتخاب الدائمة بدلاً من التمديد لمرة واحدة، محاولة للالتفاف على خصوم التمديد؟
ديمقراطياً ان التعديل لإعادة الانتخاب يعني معركة انتخابية يتنافس فيها مرشحون مع الرئيس الحالي، وعلى الجميع ان يقدموا رؤاهم للتغيير والاحتكام الى الانتخابات.
وهل ستكون الانتخابات داخل مجلس النواب أم خارجه حسب المعطى الاقليمي والدولي والتدخلات والضغوطات وقد سبق لكم أن كتبتم انه حتى في الانتخابات البلدية الأخيرة جرت تدخلات خارجية؟
لا تطلب مني أن أعرب عن ثقتي بالمجلس النيابي القائم. هذا غير مطلوب مني. دائماً أكرر ان في لبنان الكثير من الحرية والقليل من الديمقراطية. لا شك ان المجلس النيابي يتعرض للضغوط وللصفقات والطبخات والتطبيقات. وهذا الواقع يبرز الفارق بيننا وبين فرنسا أو الولايات المتحدة. وهذا رد على الذين يطالبون بإعادة انتخاب الرئيس (عموماً) لولاية ثانية.
في البلدين المذكورين النظام رئاسي، والرئيس ينتخب من الشعب ولا أحد يستطيع القول انه يمكن الضغط على الشعب الفرنسي أو الأمريكي والتأثير بهما من فوق من خلال طبخات معينة، وفرض شخص معين عليهما. ولكن في حالتنا يوجد 128 نائباً منضوين في كتل كبيرة، رؤساؤها معروفون ويمكن بالتالي الضغط بسهولة على المجموع من خلال الضغط على رؤساء الكتل.
في الحديث عن التغيير قمت مؤخراً بجولة على الرؤساء وعرضت عليهم مشروع قانون انتخابي جديد لمجلس النواب. هل استبقت الانتخابات الرئاسية لتقدم هذا المشروع للرئيس المقبل أياً تكن هويته؟
قدمنا المشروع ليكون ضمن رؤية الرئيس المستقبلية. وكنت أتمنى لو أن ولاية هذا المجلس النيابي انتهت قبل الانتخابات الرئاسية (وهي مددت بصورة استثنائية تجاوزاً للاستحقاق الرئاسي) فلو جرت الانتخابات النيابية قبل الرئاسية لكانت بمثابة انتخاب شعبي غير مباشر للرئيس، ولكان موضوع شخص الرئيس من الموضوعات التي يستفتى عليها الشعب عندما ينتخب نوابه الذين سينتخبون الرئيس المقبل.
ما ابرز عناوين مشروع قانون الانتخاب؟
المشروع قسمان: الاول يتناول قاعدة التمثيل النسبي. لبنان يعتمد منذ الاستقلال النظام الاكثري وقد انتج حتى الآن ما يسمى المحادل (الكتل الكبيرة). ويخوض زعيم ما في منطقة ما المعركة الانتخابية على رأس لائحة، فإذا فاز بخمسة وخمسين او ستين بالمئة من اصوات المنطقة يفوز بكل مقاعد هذه المنطقة. ويبقى خمس وأربعون الى أربعين بالمئة من الناس غير ممثلين.
نحاول من خلال المشروع تصويب الامر وجعل الجميع ممثلين من خلال التمثيل النسبي فيحصل من ينال 60 بالمئة من الاصوات على 60 بالمئة من المقاعد، ومن ينال 40 بالمئة يحصل على النسبة نفسها من المقاعد. فتزول الكتل الكبيرة او المحادل التي يتزعمها بعض الزعماء.
النقطة الثانية التي يتناولها المشروع تأمين شروط تكافؤ الفرص بين المرشحين للانتخابات النيابية وبصورة خاصة على الصعيدين المالي والاعلامي. بحيث يجري تحديد سقف للانفاق الانتخابي، لان الانتخابات تتطلب انفاقاً كبيراً وعدم تحديد السقف يجعل المتمولين الكبار وحدهم مؤهلين للفوز. كما ان تحديد السقف يقلص كثيراً من تأثير المال السياسي على الانتخابات خصوصاً بعدما تبين كيف ان الصوت الانتخابي صار في الانتخابات الاخيرة سلعة تباع وتشترى.
الموضوع الثاني هو تنظيم الاعلام والاعلان الانتخابيين كما يجري في الولايات المتحدة، فإذا استخدم مرشح ما وقتاً محدداً على التلفزيون يجب على هذه المحطة ان تمنح المرشح المنافس الوقت عينه. تأميناً لتكافؤ الفرص... للاسف في لبنان عندما تمت عملية تقاسم محطات التلفزيون ووسائل الاعلام بين المسؤولين، اصبح مالك المحطة يصل بصوته وصورته الى كل بيت، ومن لا يملك احدى هذه الوسائل لا احد من الناخبين يسمع به.
وهل تجاوب الرؤساء الثلاثة مع المشروع وخصوصاً الرئيس لحود؟
نعم كان متجاوباً جداً. والرئيس بري كان متجاوباً اكثر. وقال في ما قال لنا: انا اتبنى هذا المشروع ولو انه يكلفني خسارة خمسة الى ستة مقاعد نيابية. اما الرئيس الحريري فإنه ناقش المشروع بإيجابية ولكنه لم يكن متجاوباً.
من هو مرشحك للانتخابات الرئاسية؟ خصوصاً انه سبق وأبديت اعجابك بالنائب بطرس حرب، وهو مرشح الآن للرئاسة؟
انا لم اتبن ترشيح احد حتى الآن. النائب حرب عضو في “الجبهة الوطنية للانقاذ” التي انتمي اليها. وهو صديق ومقرب وقد تميز عن سواه بطرح رؤيته الكاملة للمستقبل، وهذا مطلوب من كل المرشحين. ولكن من السابق لاوانه في هذه اللحظة ان اتبنى ترشيح احد.
ولكن الوقت قصير قبل الانتخابات؟
لم يترشح الجميع بعد وهناك اسماء كبيرة لم تترشح.
*الوضع الاقتصادي
هل يستطيع البلد ان يصمد اقتصادياً بانتظار جلاء غبار المعركتين الانتخابيتين المقبلتين الرئاسية بعد شهرين ثم النيابية في الربيع المقبل؟
الوضع الاقتصادي مترد جداً. هناك ركود اقتصادي مطبق وبطالة مستفحلة ودفق هجرة شباب كبيرة الى الخارج، الاسعار الى تصاعد، خصوصاً المحروقات، في حين ان الحد الادنى للاجور لم يتبدل منذ عشر سنوات، اذا مستوى معيشة الناس في هبوط حاد.
وعلى الصعيد المالي اصبح عبء المديونية ثقيلاً جداً على الاقتصاد الوطني اذ تجاوز 35 مليار دولار وهو في تصاعد ما دام عجز الموازنة مستمراً.
كل هذا يقدم صورة قاتمة للوضع الاقتصادي الذي لولا أمران لكان اصعب، وهذان الامران اولهما الهجرة التي على الرغم من سلبيتها في استنزاف طاقات المجتمع فإن تحويلات المهاجرين الى اسرهم تشكل مورداً هاماً للاقتصاد. والثاني هو تحول كثير من المودعين العرب الى لبنان لايداع اموالهم بسبب التضييقات على العرب في اوروبا والولايات المتحدة. لذا فان القطاع المصرفي في لبنان مزدهر وفي تطور مطرد. كما ان مصرف لبنان المركزي استطاع تعزيز احتياطه من العملات الاجنبية المتوفرة بكثرة في السوق المحلي. ولولا ذلك لكان الوضع الاقتصادي اسوأ. الحالة صعبة ولكن البلد صامد.
هل يستطيع الرئيس المقبل ان ينهض بالاقتصاد الوطني؟ وهل الظروف الداخلية والخارجية المساعدة متوفرة؟
بالتأكيد يستطيع، لقد سبق وطرحنا رؤية للتصحيح المالي في لبنان عندما توليت رئاسة الحكومة. ولكن مجلس النواب لم يقرها وقتذاك.
لقد درجت على تكرار مقولة ان الاصلاح كل لا يتجزأ. الاصلاح المالي يتطلب اصلاحاً اقتصادياً ويتطلب بدوره اصلاحاً سياسياً. حتى القضاء لا يمكن اصلاحه الا بإرادة سياسية. لذا اعتقد ان الاصلاح السياسي هو المدخل الضروري لاعادة النهوض باقتصاد البلاد.















التعليقات