لا يحتاج المراقب والمتابع إلى ذكاء كثير لمعرفة الفروق بين التفاف العرب من حول السودان في محنته بدارفور، والبرود تجاه المصائب بفلسطين والعراق، والأزمة المتجدّدة في العلاقات المغربية/الجزائرية، وحتى تجاه المشكلة في جنوب السودان نفسه. في دارفور تنادوا لنصرة وجهة نظر الحكومة السودانية خوفاً من تدخل أميركي وآخر بريطاني يزعزع الحكومة السودانية الحالية، ويفتح على احتمالات فوضى وانقسامات. وتخشى مصر بالذات أن يؤدي التغيير في السودان إلى فوضى، أو مجيء نظام لا تكون علاقاته حسنة بالقاهرة، وبخاصة ان العلاقات تحسنت بعد توتر استمر قوياً حتى العام 2000. والمعروف ان دول منابع النيل، والأخرى التي يمر بها النيل، تريد جميعاً تعديل اتفاقية العام 1938 لجهة أنصبة تلك الدول في مياه النهر العظيم؛ وينقص ذلك كله من حصة مصر الأكبر في الماء، وهذا خطر كبير لأن مصر كما قال هيرودوت، هي هبة النيل. ولا يملك المصريون الآن حليفاً قوياً غير السودان، ولذلك يحرصون على استقراره واستمرار نظام الحكم الحالي فيه، والذي كانوا يريدون تغييره بالقوة إلى ما قبل خمس سنوات. أما السعوديون، فلا يريدون المزيد من الاضطراب على الجهة الأخرى من البحر الأحمر، وبخاصة ان النظام الارتيري (أكبر أعداء النظام السوداني) سبّاق إلى معاداة كل ما هو عربي، والإسرائيليون يسرحون ويمرحون عنده، ومن طريقه في البحر الأحمر كله.
ومع ان الحركتين المعارضتين المسلحتين في دارفور لامتا العرب على التدخل بهذه الطريقة "غير المتوازنة"؛ فالواقع ان الدعم العربي سياسي وإنمائي، مع بعض المراقبين الذين يحملون أسلحة خفيفة لحماية القوافل الإنسانية، وإخبار سلطاتهم بما يجري. وقد سبقتهم لذلك عشرات المنظمات الاغاثية الأوروبية والأميركية، مع مراقبين كثيرين، ومع أربعين ألف جندي وشرطي حشدتهم الحكومة السودانية أخيراً، بعد نداءات لها من أجل ذلك طوال أكثر من سنة ونصف.
التدخل العربي في دارفور ليس فريداً إذن، بل إنّ التدخل الدولي، وبخاصة بعد قرار مجلس الأمن، أوسع وأكبر. لكنه مع ذلك يبقى ظاهرة إيجابية لافتة خلال هذه الحقبة البالغة الضعف والهشاشة والتي يمر بها العرب. ويتبدى ذلك على أسوأ وجوهه في فلسطين والعراق. لكنه يظهر أيضاً في مشكلات أخرى تبدو أسهل وأقل كلفة بموازين العلاقات الدولية. فهم ما استطاعوا ان يفعلوا شيئاً بمشكلة جنوب السودان نفسه، بينما همّ الأفارقة في الاتحاد، وفي دول الجوار، أكثر بكثير. ثم تدخلت الولايات المتحدة (برضا الطرفين) فكان الحل بعد سنتين شاقتين من المفاوضات والتنازلات. وهم ما استطاعوا أن يفعلوا شيئاً في مشكلة الصومال الذي ما يزال بدون حكومة موحَّدة. بل انه في السنوات الأخيرة، ما عادت الأطراف الصومالية تجد مكاناً في الوطن العربي للاجتماع فيه، وصارت تجتمع بجيبوتي أو بإثيوبيا، وهما طرفان صاحبا مصلحة، ولا ينتظر ان تنجح وساطتهما.
ولماذا نبتعد إلى هذا الحدّ؟ أمامنا الأزمة القديمة والمتجدّدة بين المغرب والجزائر، والتي وصلت إلى الأمم المتحدة والقوى الكبرى قبل أكثر من عقدين. والأزمة في الأصل تنافس على الزعامة والموارد بين البلدين، وفي كل منعطف تعمد للجزائر لضرب المغرب على خاصرته الضعيفة في قضية الصحراء. والمغرب من ناحيته لا يجرؤ على الموافقة على إجراء الاستفتاء على تقرير المصير، والمؤجّل منذ أكثر من عقد. وقد أحرجت الحكومة المغربية الجزائر أخيراً بفتح الحدود في ما بينهما بعد إقفال طال سنوات بسبب الاضطرابات بالجزائر. ومع أن المصلحة الأكبر للجزائر في تحسّن العلاقات؛ فإنها لم تستجب لخطوة المغرب الاحراجية؛ بل ردّت بتكريم الزعماء الصحراويين اللاجئين عندها. وما استطاع أحد في اتحاد المغرب العربي فعل شيء جدي، وما بقي إلا ان تتدخل الجامعة العربية التي لم تفعل شيئاً، وربما ما فكّر أحد من مسؤوليها بذلك حتى الآن.
فهل يعود السبب في ذلك لتدخل الدول الكبرى والمصالح الدولية التي تخشى الدول العربية عندها التدخل؟، قد يكون ذلك صحيحاً في حالتي فلسطين والعراق، لكنه بالتأكيد غير كاف لتعليل انعدام التأثير في حالات السودان والصومال والجزائر والمغرب. الأمر يتصل أكثر بغياب الإرادة لغياب المشروع. فحتى إسرائيل وأميركا ما كانتا تستطيعان فعل هذا كله لو اننا نحن الضعفاء نعرف المشروع والإرادة.