لو كان الشعب العراقي جاهزاً لممارسة الديموقراطية لكان تمكّن من إسقاط النظام السابق، ولما كان الاحتلال الأجنبي شرطاً لا غنى عنه للتحرّر، ولما كان حصل في العراق ما حصل فيه منذ سنة ونصف. ولو كان الشعب العراقي جاهزاً لممارسة الديموقراطية لكان الوجود الأميركي نافلاً.
يمكن رفع هاتين الحجتين في وجه الذين يتعامون عن الأهداف الأميركية من الحرب، ويضطرون، بعد فضيحتي أسلحة الدمار الشامل والعلاقة مع lt;lt;القاعدةgt;gt;، إلى إسباغ تبريرات لاحقة على الغزو.
ليس هناك ما يعيب في أن مستوى التطوّر الذي وصله شعب ما لا يتيح له حرق المراحل من أجل اعتماد نموذج لم تتوفر له شروطه. وليس في ما تقدم أي تبرير للعسف الذي مارسه النظام السابق.
إن أي متابعة يومية للحدث العراقي تؤكّد أن ما هو ممكن فعلاً لا علاقة له بالأهازيج الأميركية عن المستقبل ولا بصداها عند lt;lt;الليبراليينgt;gt;. وللبلد موعد مفترض، بعد يومين، مع مؤتمر وطني سيحمل إثباتاً جديداً لهذه الملاحظة.
المؤتمر المشار إليه مؤسسة زائدة، لا ضرورة لها، ولا حاجة ملحة إليها. والمجلس الذي سينبثق عنه بlt;lt;الانتخابgt;gt;، ولا يكون تشريعياً أو استشارياً، هو من نوع لزوم ما لا يلزم. إلا أن الفكرة، وأبوتها متنازع عليها بين بول بريمر والأخضر الإبراهيمي، تملك فذلكتها الخاصة.
لقد كان التصوّر أن نقلاً ناجحاً للسيادة سيوصل إلى قدر من الاستقرار، وسيولد شعوراً لدى العراقيين بأنهم يحكمون أنفسهم، وسيوحي بأن الصلاحيات الفعلية هي بيد حكومة محلية، وسيعزل أي lt;lt;مقاومةgt;gt; عنيفة مقدماً إياها بصفتها، حصراً، أعمالاً تخريبية. وكان يفترض أن تستولد هذه الصدمة الإيجابية هيئة جديدة وموقتة (حتى الشهر الأول من العام القادم) تعوّد العراقيين على التحاور، وتعرّف أهل المنافي على أهل البلد، وتعزز المصالحة الوطنية. أي، بكلام آخر، كان القصد إجراء تمرين واقعي على ما سيكون عليه العراق الموعود خاصة في ظل إشراك قوى إضافية لم تجد مكاناً لها في الحكومة.
غير أن الفرق بين حسابات الحقل وحسابات البيدر كان شاسعاً.
تمثّل الفشل الأول في طبيعة الحكومة الجديدة. ومَن لم يشاهد أداء وزرائها الثلاثة يوم تصعيد الهجوم على النجف يكُن فوّت على نفسه فرصة أن يقف وجهاً لوجه أمام كابوس.
أما الفشل الثاني فهو في إيجاد lt;lt;وظائفgt;gt; لأعضاء مجلس الحكم السابق في المجموعة التي ستختار lt;lt;الجمعية العامةgt;gt;. وفي حين استمر القديم فإن الفشل الثالث كان العجز عن إشراك قوى جديدة أو، بالأحرى، رفض هذه القوى الاشتراك طالما أن حبل الصرة لم يُقطع مع الاحتلال. والفشل الرابع هو أن النصاب السياسي الناقص أصلاً ازداد نقصاناً. ثمة قوى أصولية سنية كانت في مجلس الحكم فضّلت البقاء خارج المؤتمر. وليس معروفاً ما إذا كان الوضع الراهن لأحمد الجلبي علامة سيئة أو جيدة. ولكن يبقى أن إصدار مذكرة توقيف بحقه ثم عدم تطبيقها ليس أفضل خدمة تؤدى إلى lt;lt;دولة القانونgt;gt; التي باسمها تدور معارك طاحنة. ثم جاء الإرجاء الأول لانعقاد المؤتمر ليصبح فشلاً خامساً، وتوّج فشل سادس ما سبقه عند انفجار الصراع مع التيار الصدري الذي رفض مناورة دعوته إلى الاشتراك. لقد أدى
الصراع إلى تحوّل في المزاج الشعبي وكشف حسن النوايا الكاذب: عرضنا عليه ورفض. إن lt;lt;عرضنا عليه ورفضgt;gt; مقولة معناها أن القمع الدموي هو المصير الوحيد المتبقي لمن يرفض، ولو سلماً، المشاركة في مؤسسات منبثقة عن الاحتلال.
إن تراكم فشل فوق فشل سيحوّل المؤتمر إلى مناسبة لتظهير الانقسام، وإلى إطار يجريه أهل بيت الاحتلال مع بعضهم، وإلى مناسبة لإعدام الفرق بين المصالحة الوطنية والمهزلة.
يتأكد، يوماً بعد يوم، أن كل خطة ما بعد تحويل السلطة هي، في الواقع، خطة تحويل الشعب العراقي ومستقبله وقضاياه إلى ديكور انتخابي في حملة جورج بوش الرئاسية.
ويمكن، مع حفظ الفارق، اعتبار المؤتمر العراقي الراهن مؤتمراً يتوسط مؤتمري الحزبين الديموقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة. ويعني ذلك، عملياً، أن بعض وظيفته الرد على الأول والتمهيد للثاني.