قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

برلين من إقبال القزويني: اختارت محطة الآرتي الفرنسية الداعمة للإنتاجات السينمائية في العالم سيناريو فيلم «المغني« للمخرج العراقي قاسم حول ليكون من نشاطها السينمائي الذي تدعمه عام 2004 من بين مائة وعشرين فيلما قدمت للجنة دعم الأفلام، إضافة إلى شركات أخرى داعمة.
هما لقاء معه حول الفيلم وتجربته السينمائية في المنفى العراقي:
* أنت الآن في مرحلة التحضير للتصوير.. هل انتهيت من اختيار ممثلي الفيلم؟
ـ نعم تم اختيارهم، وهم ممثلون عراقيون عاشوا في المنافي أبان فترة حكم الدكتاتور وعرب لبنانيون ومصريون وممثلان من أسبانيا. أما الممثلات فهن من لبنان، وربما واحدة عراقية.
* هل ستمثل دورا فيه؟
ـ دور قصير جدا ربما، ولكني متردد.
* لماذا؟
ـ حتى أتفرغ كاملا لمراقبة الفيلم وتنفيذه.
ـ تقول: أتفرغ لمراقبة الفيلم وتنفيذه، ولم تقل أتفرغ لإخراج الفيلم ؟
ـ هذا صحيح. وأنا لا أحب كلمة مخرج وعندما سأعيد مونتاج بعض افلامي السابقة عندما تتوفر عندي الإمكانية لذلك فإني سأحذف كلمة اخراج قاسم حول، لأن كلمة المخرج المعربة لا تعجبني لا كمعنى للعملية الإبداعية في السينما ولا كجرس موسيقي. لا أعرف كلمة بديلة ولكن فكرة أن يقال فيلم لقاسم حول أو فيلم قاسم حول، يعطي مضمون الرؤية الإبداعية للحدث أو للقصة أكثر من كلمة مخرج. هذا على الشاشة. أما في الصحافة فيمكن استعمال تعبير «السينمائي» بدل كلمة «المخرج». مخرج لا معنى لها في السينما ولا في المسرح.. لفظة غير موفقة وغير موسيقية.
* ما هي فكرة الفيلم؟
ـ الفيلم فكرته الدكتاتور. ليس دكتاتورا معينا. فالفيلم ليس تصفية حسابات شخصية بيني وبين الدكتاتور الذي أنهى أجمل سني حياتي، فهذا الكائن سيموت عاجلا أم آجلا، أما موتا طبيعيا وتنتهي حياته وأما أن يموت بالجلطة الدماغية قبل محاكمته وهو شخصية تراجيديا بالمعنى الدرامي للكلمة في الدراما الأغريقية (البطل التراجيدي يصعد الأحداث حتى تودي به إلى حتفه). أنا أخذت شخصية الدكتاتور بشكل ظريف يدعو إلى السخرية.. هو نوع من الكوميديا المرة. أنا، وإن كنت ضحية حقيقية من ضحايا الدكتاتور، لكني أشعر أني مدين له في الحياة كثيرا. لقد أثراني بمواصفات لشخصية كوميدية وفرت علي الكثير من الجهد في التفكير.. أنا أشكره وأتمنى من رجال الحكم في العراق أو من قادة قوات الاحتلال أو من زوجته أو ابنته عندما يقابلنه أن يوصلوا له في مقر إقامته في بغداد أو في قطر لا أدري، أن يوصلوا له جزيل امتناني وهذه أمانة في أعناقهم.
* وما علاقة الدكتاتور بالمغني؟
ـ الدكتاتور مولع بالغناء وبالرواية وبالسينما.. لاحظي كم هو ظريف ومدهش.. اعطني قائدا يحب الثقافة بهذا القدر من الحب.. أنا مثلا، طلب لقائي بحضور وزير الثقافة في يوم حزيراني وكان يوم جمعة في الساعة الحادية عشرة صباحا عام 1977 لكي يقدم لي هدية هي سيارة مرسيدس وفيلا حسب ما أسرني به وزير الثقافة. وفي الساعة السابعة صباحا حلقت بي الطائرة في سماء بغداد باتجاه طرابلس روما الى بيروت وتخلصت من المأزق.
* أراك لا تذكره بالاسم طوال حديثك، تذكر فقط كلمة الدكتاتور.. لماذا؟
ـ ذلك صحيح وفي الفيلم لا أذكره بالاسم أيضا. فهو بالنسبة لي نكرة على المستوى الإنساني، وليست عندي مشكلة شخصية مباشرة معه.
* لماذا غادرت العراق؟
ـ لأن الدكتاتور يحب السينما.
* وذلك شيء جميل!
ـ نعم وهنا تكمن المفارقة هو يحب الغناء أيضا.. ولكن أية أغان يحب.. ويحب السينما أيضا، ولكن أية أفلام يحب!؟
* هل لنا أن نعرف كيف استطعت المغادرة والإفلات من قبضة الدكتاتور وفي يوم موعدك معه؟
ـ القصة لا أحب الحديث عنها ولا حتى إعادة إنتاجها حتى في السينما. ما ذنب المشاهدين أو القراء. لست ممن يحب إعادة إنتاج المأساة لا في المسرح ولا في السينما حتى وإن كان فيها عبرة، لأن مشاهدة المأساة في السينما يخلق حالة من الحزن الدامي أكثر من العبرة التي تقدمها. ولذا أنا ميال للنظر إليها من خلال الجوانب الظريفة فيها. فمثلا كان الدكتاتور في العراق يحب الأغاني. يحب نوعا خاصا من الأغنيات، تلك التي يتغزلون فيها بشخصه أو التي تمجد حروبه، فأصدر أمرا يعفي فيه المغنين من الخدمة في الجيش. وكان طلاب الجامعات وطلاب المدارس الثانوية والعمال والفلاحون يخافون الحرب ولا يريدون الذهاب إلى جبهة القتال فاشتروا كلمات الأغاني وتعاقدوا مع الملحنين، وازدهر عمل ستوديوهات الصوت والغناء وازدهرت مهنة الطرب وكثر المطربون جدا، وصار المواطنون يسجلون كاسيتات الغناء ويذهبون إلى وزارة الدفاع طوابير، وفي أيديهم كاسيتات الأغاني عن الحرب والدكتاتور للحصول على ورقة الإعفاء من الخدمة العسكرية لكي لا يذهبوا إلى جبهة الحرب.. في فترة قصيرة تحول كل الشعب العراقي إلى مطربين. لاحظي ظرافة الدكتاتور. كل الدكتاتوريين ظرفاء بشكل أو بآخر، ولكن ثمن الظرافة باهظ وعلى الجمهور الذي يريد أن يضحك عليه أن يضحك حتى الموت. أنا مثلا لا أحب التلفزيون ولكن هناك بعض القادة العرب عندما أعرف أنهم يتحدثون في ندوة أو يخطبون في مناسبة أترك كتابة أجمل سيناريو عندي وأجلس مقابل التلفزيون وأشعر بمتعة لا مثيل لها.. أظل أضحك وأضحك وأضحك حتى أسقط على قفاي من شدة الضحك.
* هل تحب أن تكتب أفلامك أم أنك تميل الى الأعمال المكتوبة؟
ـ أحب كثيرا كتاباتي في السينما ولذلك منذ الآن سوف أكتب أعمالي بنفسي قصة وسيناريو وحوار وأعتبر ذلك مكملا للعملية الإبداعية وعملية الخلق في السينما، لأنني كاتب قصة ورواية ومسرحية.
* أعطنا فكرة عن الممثلين وعن الممثلات. هل هم من نجوم السينما مثلا.. لماذا لم تصرح بأسمائهم؟
ـ عندما يوقعون العقد مع مدير الإنتاج يصبح التصريح بالأسماء أمرا طبيعيا. الممثل الرئيس في الفيلم سيكون عراقيا وهو موهبة ممتازة وقد شاهدته في أكثر من عمل وأعجبتني مواصفاته الفنية، إضافة إلى مواصفاته البدنية ومرونة جسمه في الحركة. الممثل الرئيسي الثاني عربي لعب دورا في فيلم عالمي وكان مبدعا، وهو ممثل مسرح ممتاز إضافة إلى ممثلين عراقيين آخرين لعب أحدهما دورا في أحد أفلامي. الممثلتان الرئيسيتان من لبنان. الأولى ممثلة مسرح ولعبت دورا رئيسيا في فيلم سينمائي وتقديري لها كمخرج أنها تتجاوز الصف الأول من الممثلات العربيات وطموحها سيوصلها إلى مكانة مرموقة. هذه ستلعب الدور الأهم في الفيلم. وهناك ممثلة أخرى ستلعب دورا مهما في الفيلم وهي راقصة بالية ومثلت بعض الأدوار القصيرة في السينما، وتقديري أنهاستمثل الدور بجدارة. أنا هنا أود أن أقول إنني لا أحب العمل مع نجوم السينما ولا أميل إلى الممثل الجاهز. وإن علاقتي بالممثل هي الأهم في الفيلم السينمائي تماما مثل علاقتي بالصورة وبالصوت بشكل أساس. فالصوت يسحرني في السينما. وفي نفس الوقت في عملية إختياري للممثل، وأنا ممثل بالأساس، يهمني جدا أن يتمتع الممثل بصفتين الأولى ثقافته والثانية سلوكه، والمسألتان مترابطتان من وجهة نظري فالسلوك هو ثقافة وأنا أحب التصرف الأنيق لأنه يمتعني أثناء العمل ولا يخلق عندي نكدا يشغلني عن العملية الإبداعية. أما الممثل المجنون والنجم المغرور فإنه خارج عالمي مهما بلغت موهبته. أنا اريد ممثلين لا احبسهم في الكادر ولا اعلّبهم في علبة الفيلم، أريد ممثلين يصبحون أصدقائي أثناء التصوير وبعد التصوير.. نصبح أصدقاء بكل معنى كلمة الصداقة الجميلة.
* هل ستعود إلى العراق؟
ـ لا أعتقد.
* لماذا؟
ـ أدري لماذا.. ولا أريد أن أدري.
* هل أنت حزين لما يجري في العراق اليوم؟
ـ لقد طفح الحزن في الكيل ولم يعد ثمة مكان في الروح يكفي لمزيد من الأحزان «وصرت إذا أصابتني سهام.. تكسرت النصال على النصال»!