في مقالي في الاسبوع الماضي، بدأت في وصف الوضع في نيويورك خلال التحذير الارهابي الاخير، وذكرت اننا في اطار القلق، جددنا معلوماتنا بخصوص اتصالات الطوارئ في العمل. غير اننا بعد ان سمعنا ان التحذير اعتمد على معلومات ترجع لعدة سنوات ماضية، تحول القلق الى حالة من الشك. ثم تبخر مقالي في الهواء، بسبب مشكلة في الكومبيوتر، فلم يصل باقي مقالي الى «الشرق الأوسط». وقررنا جميعا تحميل بيل غيتس المسؤولية، رجاء ارسلوا شكواكم اليه. ولذلك فسأواصل هذا الاسبوع ما كنت اكتبه عن المخاوف في اميركا والمستويات الهستيرية التي وصلت اليها.
فبعد عدة ايام من رفع درجة التحذير في نيويورك، اعيد افتتاح تمثال الحرية لأول مرة منذ هجمات 11 سبتمبر وشعر الناس بالتشوش: اذا كانت نيويورك معرضة لمثل هذا الخطر، فلماذا يعاد افتتاح المزار السياحي وهو هدف محتمل؟
وفي الوقت الذي يحتمل فيه انخفاض درجة قلق بعض الاميركيين منذ اعلان التحذير الارهابي قبل اسبوعين، فإن قلق وخوف العرب والمسلمين في هذه البلاد مستمر. ومثل الجميع في اميركا، نخشي من عملية ارهابية اخرى ايضا. واذا ما وقع هجوم اخر، لا قدر الله ، فسنموت مثل اي شخص آخر.
واضف الى ذلك الخوف قلقنا الصادق عما يمكن ان يحدث للمسلمين والعرب في هذا البلد. فقد تم اعتقال آلاف من المسلمين والعرب بعد هجمات 11 سبتمبر. والعديد جرى ترحيلهم بتهم بسيطة للغاية تتعلق بالهجرة، والتي يجرى تجاهلها في الظروف العادية. مئات تعرضوا لتحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي. وبسبب القانون الوطني، فقد تم اخذ بصمات الرجال العرب والمسلمين وتصويرهم في اطار برنامج يطلق عليه السجل الخاص. وقد تم ايقاف هذا البرنامج، غير ان مكتب التحقيقات الفيدرالي أعلن قبل ثلاثة اسابيع انه سيبدأ سلسلة جديدة من التحقيقات مع العرب والمسلمين.
ما الذي يمكن ان يحدث اذا ما وقعت عملية ارهابية اخرى؟
قالت لي امرأة مسلمة مصرية عندما كنا نناقش التحذيرات الارهابية الجديدة: «سأحزم حقائبي وأرحل. كيف يمكن ان اعثر على عمل آخر في هذا البلد مرة اخرى؟ كيف سيعاملنا الناس؟».
ويمثل فصل الصيف الحالي السنة الرابعة لوجودي في اميركا. وقد توصلت الى قناعة ان اميركا هي واحدة من اكثر دول العالم، التي زرتها، اثارة للخوف. وباعتبارها القوى العظمى الوحيدة في العالم، يمكن للمرء أن يتخيل ان اميركا ستكون اشجعها. ولكن وبقضاء عدة ايام فقط هنا، سرعان ما تكشف لي الدور الذي يلعبه الخوف.
ففي كل ليلة تزدحم نشرات الاخبار بقصص منطلقة من الخوف، قتل وسرقات واعاصير وعواصف. ومدينة نيويورك هي اكثر المدن الكبرى في اميركا أمنا. ويندهش الكثير من الناس لسماع ذلك بسبب صورة المدينة في اذهان الناس كمدينة خطرة. وواحد من اسباب احتفاظ المدينة بهذه الصورة نشرات الاخبار التلفزيونية، فهي مليئة بالقتل والسرقات، وهي تهدف الى اخافة المشاهدين لدفعهم لمشاهدة النشرات في اليوم التالي. والتلفزيون الاميركي يركز على معدلات المشاهدة. وتستخدم هذه المعدلات في جذب الاعلانات. ولذا يسهل فهم ما حدث في هذا البلد منذ هجمات 11 سبتمبر.
انا صحافية واكره دائما تحميل حامل الرسالة المسؤولية، ولكن عندما توجد وسائل اعلام راغبة دائما في استخدام الخوف لجذب المشاهدين، فليس من الصعب معرفة مدى عدم رغبة وسائل الاعلام في التشكيك في حكومة تعامل المسلمين والعرب معاملة سيئة.
دعوني اروي لكم قصة رجل الاعمال الياباني الذي تسبب في هبوط طائرة هبوطا اضطراريا وحققت معه اجهزة الامن. رجل الاعمال سيئ الحظ هذا كان يتعلم الانجليزية خلال رحلة في اميركا. وكان يكتب علي كراسة صغيرة كلمات وعبارات لم يفهمها عندما كان يقرأ الصحيفة. وواحدة من هذه العبارات كانت «انتحاري»، وشاهده المسافر الذي يجلس الى جواره يكتب هذه العبارة، وابلغ مضيفة الطائرة وهبطت الطائرة بسرعة وتم التحقيق مع المسافر الياباني.
لقد شجعت الحكومة الاميركية إذن عقلية الخوف هذه ايضا.
لقد وصفت من قبل جورج بوش بأنه اصولي مسيحي. وبالرغم من انه وصف الاسلام دائما بأنه دين السلام، فإنه يستخدم مثل هذه اللغة الدينية عندما يتحدث عن القضايا الامنية، كلمات مثل «الشر» و«الشريرون»، بحيث منح النقاش حول القضايا الامنية صبغة دينية.
كما تابعت الحكومة الاميركية ايضا سلسلة من القضايا ضد رجال مسلمين في السنوات الثلاث الماضية، تبين ان كل واحدة منها معتمدة على تخمينات وليس على ادلة.
لقد كتبت دائما عن اهمية التعلم من خبرات الاقليات في اميركا، فالاصدقاء من الاميركيين السود يتجاهلون تحذيرات وزارة امن الوطن. والاميركيون من اصول افريقية اعتادوا على اعتبارهم خطيرين والنظر اليهم نظرة الشك. ففي كل ليلة، تنتشر في نشرات الاخبار الجرائم التي ترتكبها مجموعة من السود الذين تنعكس تصرفاتهم علي ملايين من الاميركيين السود الابرياء. ويفهم اصدقائي من الاميركيين الافارقة جيدا مدى مركزية الخوف بالنسبة لاميركا.
كما يمكننا تعلم الكثير من اليهود الاميركيين الذين قاتلوا من اجل حياة خالية من التفرقة الدينية في بلد اغلبيته من المسيحيين. لقد كان اليهود الاميركيون ناشطين للغاية مع الاميركيين السود في حركة الحريات المدنية في الخمسينات والستينات، بالاضافة الى الاقليات الاخرى. وقد فهموا اهمية استخدام النظام السياسي والقانوني الاميركي لضمان حقوقهم.
ويشرح تقرير لجامعة ميتشيغان صدر في 29 يوليو قلق العرب الاميركيين. وتحدث الباحثون مع 1016 عربيا اميركيا في ديترويت، وهي مدينة تعيش فيها واحدة من اكبر الجاليات العربية في اميركا، فوجدوا ان 15 في المائة من الاميركيين العرب في ديترويت قالوا إنهم تعرضوا للتحرش والتخويف منذ هجمات 11 سبتمبر، ويأمل عدد كبير منهم ان يفهمهم الاميركيون بطريقة افضل.
ان اكثر انواع الاساءات هي التعليقات المهينة مثل «عد من حيث اتيت»، او«هل انت عضو في القاعدة؟»، كما اشار البعض الى تفرقة في الوظائف، بينما اشار البعض الى اعتداءات جسدية. ويشعر 42 في المائة ممن شاركوا في الاستطلاع ان دينهم لا يحظى باحترام المجتمع، بينما ذكر 60 في المائة تقريبا انهم يشعرون بالقلق بخصوص مستقبل اسرهم بعد هجمات 11 سبتمبر اكثر من شعورهم قبل الهجمات ، فيما اشار البعض الى مضايقات في مراكز التسوق، بينما ذكر البعض ان معاملة المشرفين في اماكن العمل اصبحت باردة. وكانت هناك شكوى من شخص يعمل في محل ذك ان زبونا يحيه عادة بمزحة «كيف حال اسامة؟».
الى ذلك تقول الباحثة سالي هول ان حوادث العنف كانت قليلة، فقد اشار 3 في المائة فقط الى أخبار سلبية «خطيرة». وقال شخص ان احد اقاربه تعرض للضرب، وذكر اخر ان جاره وجه بندقيته نحو اسرته. وأضافت سالي ان تلك الانباء ليست بالسيئة، فقد ذكر 33 في المائة من المشاركين في الاستطلاع ان غير العرب عرضوا تقديم يد المساعدة لهم او ابدوا تعليقا ايجابيا منذ هجمات 11 سبتمبر. ومعظم غير العرب المشار اليهم في الاستطلاع من اليهود والسود وهم اعضاء جاليات واجهت التفرقة في اميركا لسنوات، ومن هنا يمكن ان نتعلم منهم.
- آخر تحديث :















التعليقات