كان يجب عقد هذا «المؤتمر الوطني» لأنه استحقاق عراقي ودولي في آن، ولأنه خطوة واجبة على طريق الانتخابات، ولأن شيئاً يجب ألا يعطل هذه المسيرة. لم يفترض أحد أن روزنامة بناء النظام الجديد في العراق ستطبق بلا عراقيل ولا مشاكل. ولم يعتقد أحد أن الأجواء الأمنية ستكون مثالية في هدوئها. هذا المؤتمر ليس نهاية مطاف ولا هو غاية في حد ذاته، كما أنه لا يخص فئة محددة، بل هو إطار تمثيلي موقت هدفه تحريك عجلات دولة لا تنفك تحاول أن تولد.

بالطبع كانت هناك صعوبات في اختيار أعضاء هذا المؤتمر، فلا أحد يعترف حالياً بأحد في العراق، ولا طرف أو هيئة أو زعامة أو حزب تتمتع بمواصفات الشرعية والمرجعية. ولأن الداخل لم يبد حتى الآن أي قدرة على انتاج الشرعية أو منحها، فإن الخارج تولى المهمة. أولاً عندما أضفت الأمم المتحدة نوعاً من «الشرعية الدولية» لقوات الاحتلال بصفتها الجهة الوحيدة صاحبة السلطة وبالتالي يمكن أن تحاسب وفقاً للقوانين الدولية. وثانياً عندما شاركت الأمم المتحدة ولو شكلياً في تأليف حكومة عراقية موقتة منحت أيضاً نوعاً من «الشرعية الدولية» لإدارة البلد في انتظار انتخابات تنبثق منها حكومة ذات سيادة وشرعية.

في ظل هذه الشرعية الغامضة والملتبسة، لا بد أن تبقى «سلطة الاحتلال» صاحبة اليد العليا والصوت الأعلى في صنع القرار. أما الحكومة فلا تصلح إلا كواجهة وغطاء. لكن الكذبة لا يمكن أن تصبح واقعاً ولا يمكن أن تنطلي على الجميع كل الوقت. معارك النجف كشفت حقيقة ما سمي «نقل السلطة». وزاده انكشافاً ما حصل في مفاوضات وقف النار في النجف، إذ لم يشرح أحد كيف أمكن التوصل إلى اتفاق ولا كيف أمكن احباط هذا الاتفاق، ولا لماذا توقفت الاشتباكات، ولا لماذا استؤنفت. وفي غياب أي تفسير سياسي أو أمني، وفي ضوء تجارب مماثلة في أماكن أخرى، يمكن القول ان «الاتفاق» الذي قيل انه انجز لم يعجب «قوات الاحتلال» فطلبت من «مستشار الأمن القومي» أن ينسحب ويوقف كل تفاوض.

أحد أهم الشروط أن يجرد «جيش المهدي» من السلاح، وأن ينسحب عناصره من المدينة، وأحد أهم مؤشرات فاعلية «الاتفاق» أن يقبل «تيار الصدر» على المشاركة في «المؤتمر الوطني». وبديهي أن نزع سلاح الصدريين غير وارد من دون مقابل، وبديهي أيضاً أن المشاركة في «المؤتمر» لا تعني شيئاً للصدريين. كان مطلوباً أن يصار إلى التفاوض مع مقتدى قبل الآن، فهو لا يقاتل من أجل أن يدعى إلى «المؤتمر»، ولا هو حمل السلاح من أجل أن يدعى إلى مغادرة النجف. كان على عراقيي الحكومة، لا أميركييها، أن يبلوروا تقويماً واقعياً لـ«تيار الصدر»، وأن يتعاملوا معه بالطريقة المناسبة. صحيح أن هذا التيار لم يكن واضحاً في أهدافه، أو طرح مطالب غير عملية، مكتفياً باثبات أنه موجود وأن على الآخرين أن يعترفوا به. لكن الصحيح أيضاً أن «البيت الشيعي» وامتداداته في السلطة الجديدة لم يفلح هو الآخر، لا في ضم الصدر إلى العملية السياسية الجارية، ولا في الحؤول دون مواجهة بينه وبين الأميركيين. في أي حال، تبدو هذه المواجهة الآن مركزة على كسر «تيار الصدر»، مستهدفة البعد الإيراني في خلفيته، إلا أنها حتى لو حققت اغراضها المباشرة لن تحول دون تفريخ صراعات شيعية - شيعية لا بد أن تنعكس سلباً على السلطة الناشئة وعلى الحكومة القائمة.

لا يكفي أن يكون انسحاب الاحتلال المطلب الرئيسي لمقتدى كي يجعل منه مشروع زعيم وطني لجميع العراقيين. لكن تأثير زعامته آخذ في التمدد فيما لا تستطيع الحكومة ادعاء أي فاعلية خارج «المنطقة الخضراء»، إذ أن امتدادها الحقيقي يتمثل بالقوات الأميركية. وهذه لا تزال عند العراقيين قوات احتلال، فلا تغير وجهها ولا تغيرت وظيفتها. ولذلك يُخشى أن يفتقد المؤتمر الذي عقد أمس صفته «الوطنية» اللازمة، طالما ان هناك فئات وتيارات لم تشارك فيه، وطالما أن «سفارة الاحتلال» هي المرجعية التي ستحدد الأعضاء المئة لـ«المجلس الوطني الانتقالي» الذي، كما يقال، ستكون مهمته مراقبة «الحكومة الموقتة» والمساهمة في التحضير للانتخابات.