على مدى العام الماضي، كانت هناك مأساة إنسانية تتكشف طياتها في إقليم دارفور في غرب السودان، وهو منطقة تعادل العراق من حيث المساحة. ولكي تواجه تمرداً مسلحاً من جهة المجموعات السياسية، قامت الحكومة السودانية بإطلاق العنان للميليشيا المحلية المعروفة باسم الجنجويد لكي تهاجم المدنيين في مقاطعات شمال وجنوب وشرق دارفور. وفي هذه الهجمات، حُرقت البيوت وقـُتل الرجال واغتـُصبت النساء وتعرضت المحاصيل والماشية للنهب.
وتقول منظمة العفو الدولية والهيئات الأخرى المعنية بحقوق الإنسان إن ما لا يقل عن مليون إنسان قد تم تهجيرهم من مزارعهم وقراهم وإرغامهم على الانتقال إلى البلدات والقرى الكبيرة في دارفور، كما تقول إن 170 ألفاً آخرين لجأوا إلى الجهة الأخرى من الحدود مع تشاد. ويعيش هؤلاء اللاجئون المذعورون في ظروف تبعث على اليأس، من دون مأوى مناسب أو إمدادات كافية من الغذاء والماء. ولذلك يموت الآلاف منهم كل شهر. وفي مارس 2004، وصف "موكيش كابيللا" منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، الوضع في السودان بأنه "أكبر أزمة إنسانية في العالم".
وعبّرت الأمم المتحدة والكونغرس الأميركي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي عن القلق الشديد. وفي 30 يوليو الماضي، أقّر مجلس الأمن الدولي قراراً يمنح السودان مهلة تنتهي في 30 أغسطس الجاري لتجريد الجنجويد من أسلحتهم وإلاّ فإنه سيواجه إجراءات "أخرى"- وهو ما من المفترض أن يعني العقوبات. ويمْثل في ذهن الجميع خوف من تكرار عمليات الإبادة الجماعية التي حدثت في رواندا عام 1994، والتي تم السماح بحدوثها دون تدخل دولي فاعل.
وقد تم توقيع اتفاق هش لوقف إطلاق النار في يوم 8 أبريل 2004 في مدينة انجامينا العاصمة التشادية، غير أنه تعرض للانتهاك مراراً وتكراراً. وأرسل الاتحاد الأفريقي إلى دارفور مراقبين لوقف إطلاق النار، وقطع وعداً بتقديم قوة حماية لحراستهم. وفي الأسبوع الماضي، بدأت طلائع هذه القوات بالوصول. وقام الجيش الأوغندي، الذي لعب دوراً في وقف المذابح في أوغندا نفسها، بإرسال 150 جندياً، كما وعدت نيجيريا بإرسال عدد مماثل من جنودها. ومن الممكن لهؤلاء الجنود أن يشكلوا طليعة قوة قوامها 2000 جندي لحفظ السلام عرض الاتحاد الأفريقي إرسالها. غير أن هذه الأرقام ليست مؤكدة باعتبار أن تمويل القوة والإمكانيات اللوجستية ما يزال أمراً محاطاً بالشكوك.
وقد عرضت بريطانيا أيضاً إرسال قوة مماثلة، غير أن المنطقة شاسعة والمشكلات العسكرية تثبط الهمم. والحقيقة أنه من المستبعد جداً أن يتم إطلاق مجهود رئيسي لحفظ السلام مجهز على نحو ملائم. وقد أوضح السودان أن القوات الأجنبية لن تلقى الترحيب. فبعد غزو العراق، بات الرأي العام العربي يناهض بشدة أي تدخل عسكري غربي آخر ضد نظام عربي. ذلك أن هناك اشتباهاً بأن الغرب يسعى وراء نفط السودان. إذن، ما الذي يمكن فعله؟
لقد كانت حكومات السودان كلها، منذ الاستقلال في عام 1956، عاجزة عن السيطرة على كامل أراضي البلاد. وكان هذا صحيحاً في حالة الجنوب- الذي تعرض للتدمير بفعل تمرد دام 20 عاماً- غير أنه صحيح أيضاً في حالة جبال النوبة وفي غرب السودان. ولذلك فإن مطالبة الخرطوم بنزع سلاح الجنجويد في غضون شهر واحد هو مطلب غير واقعي. ففي دارفور، ظهرت جماعتا معارضة مسلحتان في الأشهر الـ18 الماضية. وتم إنشاء حركة جيش تحرير السودان في فبراير 2003. وبعد شهرين من ذلك، أي في أبريل، هاجم جيش تحرير السودان مطار الفاشر وقتل 70 جندياً من الجيش السوداني ودمّر عدداً من الطائرات. وفي الشهر نفسه، ظهرت جماعة أخرى تطلق على نفسها اسم حركة العدالة والمساواة.
وتدور شكوك حول حسن الترابي، الحليف السابق للرئيس عمر حسن البشير والرئيس السابق للبرلمان لكن الخاضع في الوقت الحالي للإقامة الجبرية، بأنه يدعم جيش تحرير السودان، في حين أن هناك اعتقاداً بأن أريتريا تقدم مساعدات إلى حركة العدالة والمساواة. ويبدو أن السبب الرئيسي للشكوى لدى هاتين الجماعتين هو أن منطقة غرب السودان قد تم استبعادها من الصفقات المبرمة بين الشمال والجنوب بخصوص تقاسم السلطة والثروة والتي تم الاتفاق عليها في الآونة الأخيرة بين حكومة الرئيس عمر حسن البشير وجون قرنق زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، وذلك بعد عامين من المفاوضات المتقطعة. ويقول متمردو دارفور إن "الخرطوم تتحدث فقط إلى الذين يمتلكون السلاح". ويطالب هؤلاء بتمثيل كامل لهم في السلطة وفي السياسات في عاصمة البلاد.
غير أن رد الخرطوم على المتمردين كان رداً عسكرياً بدلاً من أن يكون سياسياً. فعلى رغم كل شيء، قامت الخرطوم بتمويل وتسليح الجنجويد، وهي ميليشيا مؤلفة بوجه عام من أفراد المجتمعات البدوية. وانضم إلى الجنجويد "أفراد عصابات" من كل صنف ولون إضافة إلى محترفي أعمال السلب، وهم الذين اجتذبهم إلى المنطقة أمل باختطاف النساء وسلب غنائم على شكل مواشٍ.
وباعتبارها عاجزة عن السيطرة على الإقليم بقواتها، فإن الحكومة استعانت بجماعات كهذه خارجة على القانون لكي تشن حرباً بالوكالة عن الحكومة، ليس فقط ضد الخصوم السياسيين المسلحين بل ضد المدنيين في المقام الأول. واقتضت استراتيجيتها السيطرة على جموع السكان بنشر الخوف.
ولابد للاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية من التحرك بسرعة وعلى نحو حاسم: أولاً، لإقناع متمردي دارفور والحكومة السودانية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى تسوية في أقرب وقت ممكن؛ وثانياً، لإرسال قوة كبيرة لحفظ السلام إلى دارفور دعماً لوقف إطلاق النار؛ وثالثاً، لتقديم المساعدة بأية طريقة ممكنة لنزع أسلحة الجماعات المسلحة من كلا الجانبين ولتشجيع اللاجئين على العودة.
وينبغي على الغرب أن يبقى خارج النزاع، لكن ينبغي عليه أن يقدم التمويل السخي والدعم اللوجستي لكل هذه المساعي. لقد تم في هذه الأثناء إلحاق الضرر بسمعة السودان الدولية.














التعليقات