إذا صحت الأنباء الواردة من صنعاء، يبدو ان قوات الدولة اليمنية قد أنهت تمرد “الحوثي” أو أوشكت، بعد أن خاضت لسنوات معركة إغلاق المدارس الدينية المناهضة لمنطق الدولة الحديثة وملاحقة الخلايا المتمردة في الجبال الوعرة، بينما تشير انباء الرياض الى أن الدولة السعودية على وشك ان تكسب حربها ضد المتمردين الانتحاريين، في غمرة التطوير التربوي، والإقدام على الحوار الوطني، وتغيير الخطاب الإعلامي السائد، والشروع في إصلاحات عدة.

وهو مشهد تكرر في القاهرة وصعيد مصر قبل سنوات بالنتيجة ذاتها، وربما كانت الجزائر تتجه الى وضع مماثل. وقد نجحت سياسة الأردن الداخلية في احتواء معظم الأحداث المماثلة لما تشهده صنعاء والرياض، وان كانت بذوره ما زالت كامنة وقابلة للتفاعل مع تطورات المناطق الفلسطينية المحتلة. وفي كل من سوريا وتونس يبدو أن الدولة المصنفة “علمانية” هي الحاجز القوي المانع لتداعيات المد الأصولي في كل منهما، بينما سارعت الدولة المغربية في ظل ملكيتها الدستورية المهيأة للتوافق الى احتواء انفجارات “الدار البيضاء” التي تزامنت تقريبا مع انفجارات الرياض، وإذا كانت لم تتحول الى “حالة عامة”، فلأن أجهزة الدولة المطعمة بروح الدستور والديمقراطية قد نجحت حتى الآن في تقليص توتراتها المتفجرة، بينما الدولة المستجدة في ليبيا تتراوح بين الإقناع والقمع للحيلولة دون هذا الاستفحال.

وفي دول الخليج الأصغر حجماً على امتداد الشريط الساحلي من الكويت الى سلطنة عمان، يبدو ان “الدولة” القائمة هي التي ترصد أو تقاوم مثل هذه التمردات العنيفة. وكلما تقوت بالإصلاح الديمقراطي، كما في البحرين، زادت مناعتها، كما يتضح من النقلة الكبيرة بقيادة ملكها حمد بن عيسى.

وفي كل الأحوال، فالمسألة لا يمكن تبسيطها او اختزالها في ثنائية الأسود والأبيض بين دولة تحتوي وتقاوم، وعناصر انتحارية تتمرد وتفجّر، وإن كان الأمر في التحليل النهائي لا يعدو حقيقة هذه المواجهة. فالمجتمعات العربية الإسلامية تمر بمرحلة تحول جذري من المجتمع التقليدي الى المجتمع الحديث بكل مخاضات التحول التاريخي وآلامه التي لا بد ان تشمل الانتقال من العقل الخرافي الى العقل العلمي على صعيد المعرفة والتربية والخطاب العام، ومن مجتمع القبيلة والطائفة الى المجتمع المدني وانصهاراته كما تتجلى في الغرب و”الشرق الآخر” وصولاً الى تفكيك البنية التسلطية لحكم العشيرة او الجماعة المذهبية والتدرج الحتمي بمنطق العصر نحو الديمقراطية.

هذا اختصار، أرجو ألا يكون مخلاً لأعراض المخاض الكبير، والأخطر ان هذا المخاض لا يتم في ظروف نموذجية طبقاً لكتاب المقرر التاريخي بالنسبة لهذه الحالات، كما تأجل تاريخيا بسبب اضطرار مجتمعات المنطقة الى خوض المعارك الخارجية المفروضة عليها، ثم ان الكيان العربي الاسلامي، وان جمعته وحدة الحضارة والوجدان العام، فإن تعددياته المتفاعلة، والشاعرة بالغبن مازالت تحول دون ولادة المجتمع المدني ودولته الحديثة، بينما الوعي السائد ما زال بعيدا عن منطق هذا التحول.

ولأن المنطقة العربية الإسلامية تقع في مفترق اطماع العالم، وليس مفترق طرقه فحسب، فإن الضغوط و”المؤامرات” الدولية لا ترحم. ونشك انها مخلصة في منطوقها المعلن بشأن تطوير العالم العربي الاسلامي وتحديثه وإصلاحه و”دمقرطته” قائلين لهم: “قل هاتوا برهانكم”.

فمنذ احتكاك العالم الاسلامي بالقوى الغربية، وهذه القوى تتوجس من أي حركة “تحديث” حقيقي في المجتمعات الاسلامية منذ عهد محمد علي في مصر. وعليها أن تثبت اليوم انها صادقة في دعوتها لتحديث العالم الإسلامي. ولكن المؤكد ان المصالح “الاسرائيلية” و”اللوبي” المناصر لها في الغرب لن يتقبل الإقدام على هذا التحديث الحقيقي. كما سيعمل على تدمير كل إمكانية تفاعل إيجابي بين المسلمين وقوى الحضارة الغربية في أوروبا والولايات المتحدة، ولن يكون مرتاحاً لأي علاقة سياسية بناءة بين أي دولة عربية إسلامية وبين هذه القوى الدولية المتقدمة في الغرب او في الشرق الصاعد اليوم، كما في الصين واليابان.

عام 1920 للميلاد (1250 هجرية) تمت ترجمة كتاب عنوانه “الغارة على العالم الاسلامي” الذي ألفه أ.ل.شاتليه. والمترجمان هما: مساعد اليافي، ومحب الدين الخطيب، وكان له اثره الخطر في تحويل الخطاب العربي النهضوي من البحث في اسباب التقدم الى الاحتشاد ضد “الغارة” على العالم الاسلامي التي ما زالت مستمرة عليه - حتى اللحظة - وتضطره لمقاومة تعدياتها التي من أخطرها صرفه عن مقاومة الجمود الحضاري، ونحن نخطئ ان حصرناها كلياً في جانبها العقائدي او الايديولوجي او نظرنا اليها من وجهة الحروب الصليبية حرفيا مستدلين بتصريحات بعض القادة والساسة الجهلة في المعسكر الغربي.

إنها حرب المصالح والاستراتيجيات والقوى المتصارعة بل هي معركة الحضارة أمامنا، وما الجانب الايديولوجي سوى عنصر من عناصرها المتداخلة والمعقدة ولن نتجاوز هذا التداخل والتعقيد إلا إذا فهمنا الظاهرة الغربية على حقيقتها، موضوعيا، متحررين من إرث الحروب التي تجاوزها التاريخ والعصر، ومتحررين في الوقت ذاته من غشاوة الانفعال الذاتي المدمر المانع لاكتسابنا القوة اللازمة.

***
أياً كان الأمر، فبعد تجاوز “الغبش” الذي يخلقه هذا التعقيد فالمسألة تتلخص، في هذه المرحلة التاريخية، في ان الدولة القائمة اليوم في المجتمعات العربية، بكل نواقصها، (ولم تستكمل اسم الدولة الحديثة بعد) هي التي تقاوم العناصر الأصولية التي تعمل في الواقع على تعميم حالة “طالبان” على المجتمعات العربية والإسلامية الاخرى.

علينا الإقرار بتواضع وموضوعية ان القوى “التقدمية” من ليبرالية ووسطية اسلامية وغيرها لا تستطيع الوقوف في المدى المنظور ضد القوى المتشددة والمتسلحة بالايديولوجيا الأصولية إلا بالاحتماء بالدولة القائمة وان عارضتها! فهذه القوى الليبرالية لا تملك اسنانا سياسية، بعد، والذين قاتلوا اتباع الحوثي في جبال اليمن، ويلاحقون امثالهم في السعودية هم قوى “نظامية”، وليس من مخرج، رضينا أم كرهنا، إلا بإعادة تأسيس الدولة العربية القائمة والنضال لتحويلها الى دولة حديثة وديمقراطية، أليس ذلك عنوان ما يجري اليوم في العراق بكل آلامه، بعد ان تركته الدولة الدكتاتورية نهباً للغزو الأجنبي؟