الملائكة تحارب إلى جانبه. ليس فقط لأنه يعتصم بالصحن الحيدري في حضرة حجّة الوجود. الملائكة تحارب الى جانبه، ليس فقط لأنه يكاد يذكّرنا بما للمبروك من مقامات ليس يدركها كما في رواية lt;lt;عرس الزينgt;gt; للطيّب صالح، بل لأنه يقف على طاقة جيّاشة في الأفئدة والصدور، طاقة يمكنها التحول الى عنصر خلاص لو أحسن استخدامها، عنينا بها تلك الطاقة المهدوية، المسيحانية، التي بإمكانها أن تدخل لاعبين إضافيين على الساحة السياسية، هم الملائكة.
الا أن مقتدى الصدر اذ يظهر كمبروك بعيد كل البعد عن الحذاقة السياسية وقليل الحظ في الخطابة حتى، فمن البديهي أنه لا يحسن استثمار هذه الطاقة التي يقف عليها، فالعلاقة بين مقتدى الصدر وبين الحال المهدوية هي علاقة هدر سياسي بالدرجة الأولى. الملائكة تحارب إلى جانبه، لكنه لا يساعدها كما يجب، طالما لم يرتفع بالمهدوية الى حيث شروط تجدّدها في عصرنا، والى حيث اكتسابها مهارات تنظيمية وسياسية تجمع بين تصعيد انتظارها للحظة الخلاص دون استرسال في التفجّع ولا في التقية على طول الخط، وبين تأجيجها موعد اقتراب هذا الخلاص، دون ابتساره.
يقف السيد مقتدى الصدر على طاقة قادرة على إبداع ما سمّاه ميشال فوكو بالسياسة الروحانية. بخلاف البراكسيس الماركسي حيث تتحوّل الأفكار الى قوى مادية حين تقتنع بها الجماهير، فإن السياسة الروحانية تشرك الملائكة عينياً في معركة خلاص البشر، وعلى وقع التجلّي المهدوي أو المسيحاني. بيد أن السيد الصدر يكتفي من كل هذا بمشهدية المبروك، تاركاً الحذاقة السياسية الى السيد السيستاني، وهنا تقع الواقعة.
لسنا أمام تشيّع ثوري يمثله السيد الصدر في مقابل تشيّع تخاذلي يمثله السيد السيستاني. في نفس الوقت فإن التعارض بين الحوزة المتزنة والحوزة الناطقة ليس مجرد تعارض بين بداية الحكمة ونهايتها. وأياً تكن الأسباب وراء انتقال السيستاني الى لندن في مثل هذه الظروف، سيبقى ذلك علامة محرجة في تاريخ المرجعية، بل يمكن المصادرة بالقول إن التاريخ الديني عموماً، وتاريخ الشيعة الإمامية خصوصاً لن يغفر للسيستاني اعتصامه بالمستشفى اللندني وبالصمت سبيلاً للشفاء، مثلما لم يغفر تاريخ الشيعة فعلة الذين هادنوا نظام الشاهنشاهية في ايران، الذي كان بالمناسبة، أكثر وطنية وأصالة بما لا يُقاس من نظام lt;lt;الصديمgt;gt; أياد علاوي.
لا يمكن الذهاب بعيداً في التحامل على السيستاني، فهو يقدّر بحكمته أن انتهاج سياسة متزنة تحصل مكاسب أكثر للشيعة في العراق، وتحصل إمكانية بناء كيان عراقي على قواعد سليمة وأكثر استقلالية شيئاً فشيئاً. إلا أن العقلانية شيء، والتغنّي بالعقلانية من خلال الصمت شيء آخر تماماً، خصوصاً عندما يكون التعقّل على حساب كرامة العتبات المقدسة.
منذ الحملة الصليبية على الطالبان وصولاً بمثيلتها على العراق، برزت العقلانية الشيعية، وكانت محقة في خطها الغالب، أي في عدم الركون الى الاستبداد المارق أو البدوي من خلال لعبة المفاضلة بينه وبين الاستعمار، إلا أن هذه العقلانية بدت غير متعقلة حين بالغت في معالجتها الوضعية للأمور المتصلة بالبعد الرمزي والقدسي للأمور، خصوصاً أنها معالجة وضعية من موقع آيات الله. في المقابل، برز الكمون المهدوي مع الظاهرة الصدرية. برز فقط ككمون يكتفي اسم جيش المهدي بالاشارة اليه.
في انتظار ولادة حركة مهدوية تخرج الشرق من ثنائية الظلامية الهوجاء والعقلانية الخبيثة، تحارب الملائكة الى جانب مقتدى الصدر، وهو غير عالم بما يجري، ليس يدرك ساعة يحين فيها سحق حركته، أو ساعة يتأجل فيها هذا الاستحقاق، غير مدرك لما يميز المطالب المباشرة عن الأهداف الأكثر مبدئية، فقد استحوذ أهل الخبث على كل عقلانية ولم يبقوا له شيئاً منها، في حين أنهم لم يصادروا كل المأثور التخاذلي، لأن مقتدى الصدر هو أيضاً يبحث عن lt;lt;حقن الدماءgt;gt; في كل مرة، وينتقل من مطالب بحجم الشرق الى مطالب بحجم البلدة والميليشيا. لا يملك جيش المهدي الجرأة على الكفاح كي يفكر لحظة بالجرأة على النصر. لا يريد لأميره مصيراً طالبانياً، ولا يريد له أيضاً مسلك بيت الحكيم. وعليه يبقى الشيعة البسطاء الذين وفدوا الى النجف بالأمس أكثر وعياً من جميع الأطراف الأخرى. قبل سنة كان شعار lt;lt;النجف نعم، الإمام علي لاgt;gt; شعار تخاذل، أما الآن فهو يبدو خشبة الخلاص للشعب العراقي.