هناك إسرائيليون صدموا بكلام تساحي هنيغبي، المسمى وزير الأمن الداخلي، إذ قال إنه سيترك السجناء الفلسطينيين يضربون عن الطعام حتى الموت. الصدمة غير مبررة، وهي لا تعني سوى أن الإسرائيليين يجهلون أن هذا الوزير مجرم شاذ له سوابق معروفة وموثقة منذ كان ناشطاً في صفوف «ليكود» وبعدما اختاره بنيامين نتانياهو عضواً في حكومته. هذا «وزير» نموذجي من النوع الذي لم يسمع في حياته شيئاً عن حقوق الإنسان، ولا شك أن أكثر الدول المارقة انحطاطاً تحسد إسرائيل وتعتبرها محظوظة باقتناء أمثاله.
ومن يعرف شاؤول موفاز هل يصدمه ما يفعله هنيغبي أو يقوله. الأول يرتع عربدة في السجن الكبير، والثاني يطبق نزواته في السجن الصغير. ومن يسمع مدير مصلحة السجون يعقوب غانوت شارحاً أوضاع نزلائه يظن أنهم هم السجانون، وأنه يعاني من استبدادهم به وبمعاونيه. فهو يذهب إلى حد القول إن هناك حالاً ارهابية داخل السجون، مستنسخاً خطاب الحكومة عن «الإرهاب» الفلسطيني الذي يصرّ على تعكير صفو الاحتلال الإسرائيلي وهدوئه. يصعب القول إن موقف حكومة شارون من اضراب الأسرى الفلسطينيين موقف دولة، انه موقف عصابات. ويصعب القول إن هذا الموقف يعكس انهيار الأخلاقيات المفترضة في أي «ديموقراطية»، وإنما يبرهن على انعدام تلك الأخلاقيات أصلاً.
ماذا يعني، في هذا السياق، أن يستعد السجانون لمواجهة الاضراب بأقذر الأساليب. «إذا لم يأكل السجناء الفلسطينيون، فإنهم في مصلحة السجون سيفعلون كل شيء كي يأكلوا قلوبهم»، هكذا كتبت إحدى الصحف العبرية، مشيرة إلى أن السجانين سيأكلون سندويشات الفلافل أمام أنظار السجناء، وسيقيمون مآدب الشواء لتعذيبهم. ونقل عن «ضابط كبير» أن مثل هذه الحرب النفسية تعلمها الإسرائيليون من دول أخرى تصدت بهذه الطريقة لاضراب السجناء عن الطعام. للمرة الأولى يجد الإسرائيليون ما يتعلمونه من الآخرين في هذا المجال. تبقى معرفة من هم الآخرون.
سجون إسرائيل غوانتانامو مبكرة أعطت الكثير من تجربتها لغوانتانامو الأميركية. التشابه كبير على رغم أن الأميركيين رواد في هذا النشاط الظلامي، إذ كان لديهم شعب استخدموه للتدرب على كل أنواع الجرائم والمظالم لاكتساب القسوة والدم البارد. التشابه كبير، لكن غوانتانامو الأميركية تحاول شيئاً فشيئاً أن تعود إلى كنف القانون. أما شارون وموفاز وهنيغبي فلا يرون قانوناً آخر غير أن يكون الفلسطيني قتيلاً أو سجيناً، لأنه متهم بأنه فلسطيني وجريمته انه موجود.
السجناء المضربون عن الطعام لا يطالبون بالمستحيل، وإنما بتحسين أوضاعهم لتصبح أكثر آدمية إذا تعذّر على هنيغبي أن يجعلها أكثر إنسانية. حجته أن الفلسطينيين لا يعاملون «خارج» السجن بأفضل مما يعاملون داخله، إذاً فما على الأسرى سوى أن يذعنوا للواقع. وآخر ما تهتم به إسرائيل هو سمعتها في الخارج، أو أن يقال إنها تنتهك حقوق الإنسان. على العكس، كلما تلقت الإدانات كلما اطمأنت إلى أنها تفعل الصواب. وحتى عندما تتلقى بعض اللوم من «الأخ الأكبر» الأميركي، فإنها أول من يدرك أن لا صدقية لمثل هذا اللوم طالما ان واشنطن تبارك علناً وسراً كل سياساتها.
في مواجهة هذا الدم البارد الدولي والعربي، ووسط الصراعات الفلسطينية البائسة، بدأ الأسرى اضراباً طالما استعدوا له ثم أجّلوه. الإسرائيليون يواجهون هذا التحرك السلمي بكل ما لديهم من مخزون حقد اجرامي. المطلوب حملة عربية - فلسطينية لمواكبة هذا الاضراب، والمطلوب ليس تحسين أوضاع السجن فحسب، بل الافراج عن هؤلاء الأسرى لأنهم في أسوأ الأحوال وجهت اليهم اتهامات مختلقة أو لم يتهموا بشيء، أو في «أحسن» الأحوال قد يحاكمون باسم قانون عنصري يدينهم مسبقاً باسم شريعة الغاب.
عبدالوهاب بدرخان(الحياة اللندنية)














التعليقات