إذا كان الحظ قد حالف سجناء أبو غريب الأميركي في العراق، فإنه تخلى عن الأسرى الفلسطينيين في السجون والمعتقلات الإسرائيلية. فالمظالم التي تقع على السجناء الفلسطينيين أشد وأنكى، وان لم تجد من يسجلها بعدسات الكاميرا ويدفع بها إلى الصفحات الأولى للصحف العالمية.

في حالة العراقيين كان السجانون في أغلبهم هواة، جنوداً لبعض الوقت، لذلك فإنهم سجلوا عربدتهم بالصورة لتكون تذكاراً لأيام خارجة عن سياق حياتهم الطبيعية، أما في حالة الفلسطينيين، فالسجانون عتاة محترفون يستندون إلى تراث عمره 56 عاماً وهم بعد انتهاء فترة خدمتهم في السجن لن يخرجوا إلى فضاء الحياة الواسع، وإنما يظلون في الغالب قتلة أو تجار ألم، على حد وصف منظمة العفو الدولية.

ومع أن الإضراب الذي يخوضه الأسرى الفلسطينيون يمثل فرصة نادرة لفضح الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان، فإن أحداً لم يتقدم رافعاً صوته أو كاسراً حاجز الصمت، بل ظلت الصحف العربية والعالمية غير آبهة بما يجري في أغلب الأحوال، أو مكتفية بالحدود الدنيا للتغطية الاخبارية، هذا إذا جادت وكالات الأنباء الغربية بخبر مقتضب أو صورة غير معبرة في أغلب الأحوال عن واقع ما يجري.

تقرير «تجار الألم» الذي أصدرته منظمة العفو لم يأت من فراغ، فالممارسات الإسرائيلية المنافية للإنسانية لم تتوقف يوماً، هذا فضلاً عن أن الدولة العبرية أكثر الدول انتاجاً واستخداماً واتجاراً بوسائل التعذيب التي تبدأ بالقيود والسلاسل وكراسي التكبيل وأجهزة الصعق الكهربائي ولا تنتهي.

وإذا كان جنود أميركيون قد اغتصبوا عراقيات في أبو غريب، فإن سجون إسرائيل لم تخل من ذلك، وإن كانت طبيعة الشخصية العربية تفرض التكتم على ممارسات كهذه، لكن ما يتسرب من داخل المعتقلات النازية في إسرائيل ينبيء عن ممارسات لا أخلاقية من خلال تعرية السجينات وتهديدهن بالشرف وإجبارهن على خلع ملابسهن والتحرش الجنسي بهن، وكذلك ضربهن بالهراوات وإلقائهن على الأرض وجرهن من شعرهن وركلهن بالأقدام والتهديد بإحضار أهلهن حتى يشهدوا عذابهن.

كما أحصت منظمات حقوقية فلسطينية ودولية 76 شكلاً من أشكال التعذيب تمارس ضد السجناء والسجينات، بينها الصفع والضرب في المعدة والخصيتين والتحرش الجنسي والاغتصاب والصعق الكهربائي والحشر داخل ثلاجة والحرق بالسجائر والشَبْح لساعات طوال والحرمان من النوم.

كل هذا يمارسه السجان الإسرائيلي بتلذذ شديد وسادية لا نظير لهما إلى حد أن أحد الأسرى يقول: «لم أتخيل في حياتي ان هناك أناساً من هذا القبيل يبتسمون وهم يراقبون عذاباتنا ويضحكون عندما نتقيأ من الألم».

أما ما يحدث خلال زيارات الأهل أو خلال المحاكمات فهو أبشع من أن يحتمل، وقد رأى العالم بأسره نموذجاً له أثناء محاكمة مروان البرغوثي، ففي يوم 2 مايو الماضي قام الجنود الإسرائيليون بإلقاء الأسرى خارج قاعة محكمة عوفر بصورة وحشية وضربهم ضرباً مبرحاً، وذلك لمجرد أن وحداً منهم حاول إلقاء التحية على والدته من خلف القضبان.

وخلال الزيارات التي تتم بعد مصاعب جمة يمنع المعتقل من ملامسة أطفاله، إذ صممت غرفة الزيارة بطريقة نازية، فالغرفة مقسمة إلى خلايا صغيرة، ويوجد جدار زجاجي يفصل بين السجين وزواره، ويتحدث معهم عبر هاتف رديء الصوت. في الماضي كان يسمح للسجين بملامسة أطفاله وتقبيلهم في آخر الزيارة، لكن ذلك دخل قائمة الممنوعات منذ أكثر من عام.

ولأن الأطفال لا يستطيعون عاطفياً تحمل رؤية آبائهم دون التمكن من ملامستهم أو تقبيلهم، فقد كان الإجراء أشد من كل وسائل التعذيب السابقة، فالأطفال ينفجرون بالبكاء ولا يستطيعون تفهم ما يجري. ويقول أحد سجناء نفحة الصحراوي: «هذا الأمر لم يكن سهلاً على ولديّ، كنت معتاداً على تقبيلهما من أجل تعويضهما بالقليل عن غيابي، كانا يسقطانني أرضاً ويدفعانني ويضحكان مثلما يفعلان في البيت، ولداي لا يفهمان حتى الآن لماذا يمنعانهما من الدخول»!

كان منع السجناء من تقبيل الأبناء واحداً من الدوافع الرئيسية للإضراب عن الطعام الذي بدأه نحو ألفي سجين يوم 15 أغسطس والذي من المفترض أن يتصاعد وأن ينضم إليه غالبية السجناء البالغ عددهم نحو سبعة آلاف معتقل بينهم 103 فتيات وسيدات ونحو 70 طفلاً يتوزعون على سجون ومعتقلات إسرائيل.

ورغم ان الإضراب يمثل قضية إنسانية في المقام الأول، إذ يهدف إلى تحسين أحوال السجناء، إلا أن سلطات الاحتلال تعتبره معركة سياسية عليها أن تسعى إلى كسبها، ولذلك تستخدم أساليب متنوعة تبدأ من شي اللحوم خارج الزنازين وإدخال أشخاص يتناولون سندويتشات الفلافل الشهية سعياً لكسر إرادة المضربين مروراً بمصادرة الملح والدخان والحليب وانتهاء باستخدام وحدات خاصة أقيمت خصيصاً لهذا الغرض مثل «مسادا» و«نحشون»..

هذه الوحدات تقتحم الزنازين والغرف في ساعات متأخرة من الليل، وتدخل في صدامات عنيفة مع السجناء، وقد تجبرهم على تناول الطعام السائل بالقوة وبواسطة أنابيب من الفم، وقد أدى إجراء كهذا إلى استشهاد سجينين أثناء إضراب سجن نفحة الصحراوي قبل أربعة وعشرين عاماً.

كل هذا يتم وسط شحن معنوي ودعوات إعلامية وحكومية بترك المضربين يموتون والتعلم من تجربة سابقة خاضتها حكومة بريطانيا في عهد مارغريت تاتشر ضد أسرى سياسيين ايرلنديين أضربوا عن الطعام في عهدها.

فتاتشر، السيدة الحديدية، لم تستجب وقتها لأي بواعث إنسانية، وقالت «إن القتلة يبقون قتلة» وتركت المضربين حتى مات خمسة عشر شخصاً منهم، مؤكدة أنها لن تتنازل عن موقفها وإن مات كل المضربين. ولم يجد الايرلنديون حلاً أمام برود تاتشر ولا إنسانيتها غير وقف الإضراب.

المعتقلون الفلسطينيون بحاجة إلى مساندة من داخل الأراضي المحتلة وخارجها، وقد عبروا عن هذا الاحتياج في بيانهم الأول، حيث طالبوا العرب من المحيط إلى الخليج وكل أصحاب الضمائر الحية في العالم بالتضامن معهم وإثارة قضيتهم في كل المحافل، واستجاب للنداء الفلسطينيون في الداخل والشتات فقرروا اعتبار اليوم (18 أغسطس) يوم صوم وتضامن وطني مع الأسرى الذين يخوضون معركة الأمعاء الخاوية بحاجة إلى مدد يشد أزرهم ويقوّي عزائمهم ويجعلهم يحسون أنهم أقوى من سجانيهم، أما اللامبالاة العمياء للعالم عديم الرحمة فاقد الشعور ـ حسب تعبير الشاعر الدنماركي هالغدان غاسموسن ـ فهي أقوى سلا�� يستخدم ضد الأسير ويجعله مهزوزاً ضعيف الإرادة.

بوسع الأسرى الذين يخوضون معركتهم أن يراهنوا على الداخل، وعلى الشتات الفلسطيني، ففيه مناضلون مرابطون، لكني أخشى عليهم من أن يراهنوا على عالم عربي مخدّر، وإن كان المرء يتمنى أن نستفيق من غفوتنا التي طالت.

هل يخالف العرب هذه المرة رؤية الشاعر الكبير محمود درويش عن دعم عربي لا يجيء:

وأعد أضلاعي فيهرب من يدي بردى

وتتركني ضفاف النيل مبتعداً

وأبحث عن حدود أصابعي

فأرى العواصم كلها زبدا

لماذا لا تعلن لجان مناصرة الشعب الفلسطيني، وهي كثيرة في أنحاء عالمنا العربي عن يوم إضراب تضامناً مع أولئك الذين يخوضون معركة الأمعاء الخاوية.. قد يستجيب الناس.. وقد يصدق المثل (معظم النار من مستصغر الشرر)، ولماذا لا تخصص القنوات الفضائية ساعة من بثها لمتابعة القضية؟ أليس ذلك أكثر الحاحاً من رسائل الـ (اس.ام.اس) المخصصة لمطارحة الغرام؟!.