عبدالرحمن الراشد : تقريبا كل الذين يتتبعون اسعار النفط القافزة يترجمونها الى انباء سعيدة، أسهم وعقارات ووظائف ومعونات، ميزانية بلا عجز، وعودة الى عهد الطفرة الرغيد، ونهاية برميل العشرة والعشرين دولارا. وهنا يستغرب الكثيرون لماذا نريد المزيد من المداخيل والحكومة تقول انها تريد أقل، نريد بيع البرميل بمائة دولار وهي تريده بأقل من ثلاثين؟.
عندما أسأل «لماذا» فأنا لست بصدد تحليل شأن بترولي بل نقل سؤال على ألسنة الجميع، والجميع يريدون ان يفهموا لماذا تقول حكومتهم انها ضد رفع السعر رغم انها مديونة، وفي حاجة الى المزيد من المداخيل؟ ويذهب البعض الى تفسيرها سياسيا وربطها بتعليمات من البيت الابيض، وغيرها من التفسيرات السهلة لقضايا ربما معقدة. على الحكومة ان تعترف بالسبب، ان تقنعنا ان كان الامر صحيحا بأن حفلة الـ45 دولارا للبرميل قد تنتهي الى مأتم ببرميل العشرة دولارات.
وتعقيد اقتصاديات البترول وأسعاره لا يبرر عدم إفهام عامة الناس الاجابة، لأنهم معنيون به. فالفرد العادي يهمه شأن البترول بما لا يقل عن وزير البترول نفسه لأنه يمس حياته بشكل مباشر. وما ذكره الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد السعودي، في حديثه لصحيفة السياسة الكويتية من ان السعر الأمثل بين 25 و30 دولارا للبرميل، حسم الجدل والتخمينات في السوق، وهنا يأتي دور اقتصاديي المؤسسات البترولية الرسمية والخاصة ليوضحوا لنا لماذا؟ ما هي المخاطر المحتملة من جراء الارتفاع الكبير في الاسعار التي يمكن ان تصيب اقتصاديات البلاد والمنطقة عموما، على اعتبار ان كل اقتصاديات الدول العربية تطفو على برميل النفط، وبعضها بشكل غير مباشر.
فتوضيح الحقائق ليس مسألة تطوعية بل مهمة ضرورية في وقت اختلطت فيه الاوراق السياسية وكثرت الخزعبلات في التفاسير المطبوخة اعلاميا، وهان على البعض الاجتهاد فيها دون مرجعية تخصصية، كما حولها البعض أداة للتهويل، واحيانا الكذب السياسي المتعمد. أكثرنا ربما نسي تاريخنا البترولي الحديث جدا. فقد مررنا بمرحلة عصيبة للغاية، ولا تزال ندوبها ظاهرة حتى هذا اليوم، عندما سقطت اسعار النفط في الثمانينات. عندما افلست شركات ونكبت عائلات وادخل رجال اعمال السجن عندما وصلت الاسعار حدا متدنيا. هبطت بدرجة لم يعد يضخ البترول في جيب حكومة نفطية غنية كالسعودية اكثر من ثلاثين مليار دولار بعد ان كانت تحصل سنويا في زمن مضى اكثر من مائة وعشرين مليار دولار! نحن لا نتذكر ان سبب عهد الفقر الطويل في مداخيل البترول الجشع والارتفاع اللامحدود.
نعم البترول، انتاجا، مسألة عليا لكل دولة منتجة في العالم، ومن الخطورة تركه لتمنياتنا، نحن العامة او المسيسين جدا. لكننا، عامة الناس، نريد ان نفهم أيضا لماذا من مصلحتنا الا تبقى اسعار البترول معلقة في السماء وان عليها ان تهبط.