كتب عبدالمنعم الاعسم: انتصارات الفريق العراقي في الدورة الاولمبية يعيد الاعتبار لمعجزات اتحاد الارادة بالتخطيط المنهجي..اتحاد العقل السليم بالجسم السليم، فقد ذهب العراقيون الى اثينا وبلادهم تلوذ بالاشجار والحيطان اتقاء التفجيرات والسيارات المفخخة ومليشيات الساسة المتهورين، وبالرغم من ذلك قرروا، من غير مسبوقات بالمديح ولا وعود بالمكارم كسب المعركة الصعبة، فصعدوا عتبتين باسقتين فيما لم يرتقيها قبلهم أي فريق عربي زف الى الدورة الاولمبية بالمديح والوعود.
لنتذكر ان الصبي ابن الثامنة من العمر "تويننغهام"تعرض الى حادث حرقت فيه ساقاه، وفقد الامل في امكانية السير على رجلين سليمتين، لكن عقله السليم قاده الى تحدي العائق ليصبح بطلا اولمبيا في الجري بعد عشر سنوات ونيف، والحال ينطبق على "ديفز" الذي كان يشكو من شلل مزمن لكنه استطاع بعد معركة مع علته ان يحطم الرقم القياسي في القفز العالي، اما "نانكي ميركي" التي اصيبت في طفولتها بشلل الاطفال فقد تجاوزت في الثالثة عشرة من عمرها الرقم القياسي في السباحة.
الرياضة، قبل ذلك، نشاط يزاوله اصحاء البدن، اصحاء العقل، فيما السياسة يزاولها اصحاء ومعتلون، والفارق بين هذه وتلك ان العقل في الرياضة عنصر بناء، وفي السياسة عنصر بناء وتدمير في آن، ومنذ زمن بعيد حذر سقراط من تدنيس الرياضة بالسياسة، وقال ان الخلط بينهما يضر بالرياضة ولا ينفع السياسة، وتماهت الرياضة في عقل هرقل ليتحدا في اعمال مجيدة، وكان اليونانيون يعتبرون ابطالهم الرياضيين هبة من السماء واجبة العرفان بالجميل.
الرياضة تانف العناد والسياسة تتعاطاه، ومما يلفت نظر الباحثين في التراث الاولمبي انهم لاحظوا بان اليونانيين القدامى كانوا يرون بأنه لا فرق بين المغرور والعنيد، وأن الغرور والعناد يعبران عن نفسهما في التوافه من الأمور التي لا تستحق مجرد النظر إليها من الأسوياء، وان المدربين اليونانيين القدامى كانوا يلقنون المتسابقين فضيلة التواضع والاعتراف، بفروسية نبيلة بحكم النتائج التي تسفر عنها المسابقات، ويحذرونهم من العناد الذي يوقع الابطال بالعثرات.
على ان رواد مشروع تدمير العراق، حجرا فوق حجر، تلقوا بانزعاج بائن انتصارات فريقه في اثينا، فسرعان ما قطبوا جبينهم، ونقلوا مشاعر الخيبة التي داهمتهم بالصوت والصورة الى كل مكان، وعذرهم في ذلك ان هذا الانتصار لا يستقيم مع الصورة السوداء التي يعكف اصحاب هذا المشروع على تسويقها الى العالم، لان الصورة التي تشكلت في اثينا تكشف عن ارادة عراقية للانتقال الى ضفاف البناء السلمي للمجتمع العراقي، وعن حقيقة هذا المخزون الهائل من الطاقات الخلاقة لتشييد العراق الجديد.
اربعة فضائيات عربية تجاهلت خبر انتصار فتيان العراق على الفريق الاسترالي، مساء السبت، وتاهلهم الى دور نصف النهائي لبطولة كرة القدم الاولمبية، فيما تنافست هذه الفضائيات، بجذل عجيب، في سباق تلفيق شهود عيان لحرب اهلية وطائفية في العراق، لا وجود لها على ارض الواقع. انها السياسة في اقبح مهمة لها: الاعتداء المتعمد على حق الانسان في التمتع بثمرة انتصاره.


كلام

حكمة يونانية:
" هل تعرفون لماذا يبدأ الجراد بالضجيج حالما يصل مشارف الخضرة؟"

[email protected]