إن محاولة الإحاطة بحقيقة كلّ ما يجري لهذه الأمة، تكاد تستعصي على أشدّ المتابعين حرصاً، وذلك لكثرة تشعّبه وتكثيف محاولات التضليل التي تعمل جاهدة على إبعاد الهدف الأساسي عن الأنظار، من خلال الدخول في تفاصيل تعتمد دراسات نفسية ولغوية وتخطيط سياسي لتحقيق الأهداف المرسومة لها. وهكذا يجلس ملايين العرب أمام شاشاتهم مذهولين ومسلوبي الإرادة، لأنّ ما يجري في أجزاء مختلفة من أمتهم يكاد لا يُصدَّق. إذ كيف يفسّرون الجرأة على قصف إحدى مدن المسلمين المقدسة التي لم يجرؤ هولاكو وكل الطغاة على الاقتراب منها، ومن دون أن ينبس حاكم عربي أو مسلم أو من حكام «العالم المتحضّر» بأية «إدانة»، أو حتى «الأسف»، ربما استعداداً للصمت إذا ما استمرّ المخطط ليشمل مدناً مقدّسة أخرى.
إنّ استعراض شاشة الأحداث في فلسطين والعراق والسودان، قد تكشف لنا جميعاً حقيقة المخطط الذي لا نرى منه سوى تفاصيله المتناثرة هنا وهناك، والتي إذا ما تمّ تجميع أجزائه اكتسب معنىٍ أكثر عمقاً وأشدَّ خطورةً. ولتكن البداية من فلسطين ومن الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة والقطاع، حيث قرّر آلاف الأسرى الإضراب عن الطعام في سجون الاحتلال احتجاجاً على المعاملة القاسية التي يتعرّضون لها. وبما أنّه لم يتمكن أحد من تهريب صور التعذيب والإذلال لهؤلاء، لم يتوقف الكثيرون ليدركوا حجم المأساة التي يتعرض لها هؤلاء الأسرى والذين في معظمهم عبّروا عن رفضهم لاحتلال أرضهم وديارهم، ولا ذنب لهم سوى توقهم للحرية والعيش الكريم، ولو كانوا يبتغون السلامة الفردية لما كانوا في السجون، ولكنّ مشكلتهم أنّهم مؤمنون بأمتهم وهويتهم وتاريخهم، في زمن أصبح ممنوعاً على العرب هذا الشعور الجمعي بالهوية القومية والتاريخ الواحد والمستقبل المشترك. ويراقب الجميع كلّ يوم خبراً مفاده أنّ «إدارة السجون الإسرائيلية تصعّد إجراءاتها القمعية ضد السجناء»، وتفرض حظر التجوّل على نابلس لليوم الرابع على التوالي، وتهدم المنازل والمحال التجارية في نابلس، وتحوّل مدرسة إلى مركز اعتقال، وتعتقل الأهالي فيها، وفي الوقت ذاته، تطلق قوات الاحتلال الإسرائيلية النار على متظاهرين فلسطينيين وناشطي سلام أجانب يتظاهرون ضدّ جدار الفصل العنصري، ويقرّر شارون بناء ألف وحدة استيطانية جديدة. كلّ هذا يحدث في يوم واحد لواحدة من أعرق المدن التاريخية الفلسطينية، يقوم الاحتلال بتدمير أبنيتها الأثرية والتاريخية لإلغاء قيمتها للهوية القومية، كما يمارس صنوف التعذيب والاغتيال على كلّ من يتجرأ أن يرفع صوته أو هامته في مواجهة الاحتلال، وذلك في محاولة لكسر الإرادة وردع الأجانب عن دعم الفلسطينيين، واستبعاد الإعلام نهائياً عن ساحة الجريمة، وإرهاب ناشطي السلام كي لا يعودوا إلى فلسطين يوماً. كلّ هذا ولا يسميّ قادة العالم الغربي «المتحضّر» ما يجري للفلسطينيين بأنه «حرب إبادة» و«تطهير عرقي».
وإذا ما انتقلت إلى النجف الأشرف، تقرأ كلّ يوم تجدد «الاشتباكات»، بينما ترى على الشاشة طائراتٍ أميركية تقصف المنازل والسكان الآمنين في النجف والفلوجة وبغداد والأنبار، وتقرأ بعد ساعاتٍ، قتل المزيد من الأطفال والنساء والشيوخ في قصفٍ «يستهدف» المنازل والمساجد، ويدمّر حياة أسر عاشت آمنة حرّة في ديارها. ويأتي جزء من تبرير فداحة ما يجري على شكل عبارة أنّ «واشنطن لا تستبعد حصول جيش المهدي على أسلحة من إيران»، وتعلم أنّه لا يحق للعرب الحصول على أي سلاح للدفاع عن أنفسهم، بينما يحق لمن يحتل أرضهم وينتهك مقدساتهم ويقتل أطفالهم ويعذّب أسراهم، أن يمتلك كافة أنواع الأسلحة لفعل ذلك. ووسط مآس تحلّ بآلاف الأسر العراقية على طول العراق وعرضه، يبقى الشهداء والأسرى مجهولي الهوية والأسماء، بينما تقرأ طلباً ملحّاً بإطلاق سراح الصحافي ميكاغارين، ومع أنك تدعو له بإطلاق سراحه، تفكّر بكل العراقيين مجهولي الاسم من رجال ونساء وأطفال قصفتهم الطائرات، من دون أن يحرص أحد حتى على ذكر أسمائهم أو إدانة قتلهم بدمٍ باردٍ. وفي النشرة ذاتها أيضاً، تطّلع على تقرير حول سجن أبوغريب «يبرّئ الضباط الأميركيين»، وكأنّ الآلاف الذين تعرّضوا للتعذيب والقتل كانوا أسرى في المريخ وليس في العراق المحتل من قبل الجيش الأميركي. وفي غمرة القلق والخوف على هذه المدينة المقدسة، ومرقد الإمام عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ يظهر الرفض المطلق للتفاوض مع هذه الميليشيات بالذات، وليس غيرها من الميليشيات التي تمّ اعتبارها جيشاً نظامياً يقوم بأعمال اقتحام المدن العراقية المقدّسة. ولا تستغرب حينذاك، وأنت تقرأ، أن الفرق يضيق بين كيري وبوش، لأنك تعلم أن الطائرات نفسها والدبابات ذاتها وطعم الموت والإذلال واحد في فلسطين والعراق، في نابلس ورفح والفلّوجة وجنين والنجف الأشرف. وأقصى ما تراه حول هذه الأحداث، هو «قلق بالغ» من الاستيطان، أو دعوة خجولة تطلقها الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، لأغراض الأرشفة للمواقف من دون أن يسمعها أحد أو يعيرها اهتماماً. وتعلم أنّ القضية ليست مواجهات أو اشتباكات، بل قصف وقتل وإبادة وتدمير لهوية وشعب وأمّة وتاريخ، وأنّ النجف مثل بغداد والموصل والفلّوجة، ومثل بابل وأور، ذبيحة هذه الهجمة على حضارة بلاد الرافدين، وعلى كلّ ما تمثّل هذه الحضارة العريقة التي قاومت الاضطهاد والعدوان لآلاف السنين، وأنّ الهدف ليس الميليشيا ذات الأسلحة الخفيفة، ولا النظام المدجج بأسلحة الدمار الشامل، كما قيل حينها، بل هو استباحة المقدسات الإسلامية وإذلال العرب في رموز كبريائهم، والتمهيد لارتكاب جرائم أعظم وأعتى وأخطر، ولاستكمال ما فشلت في تحقيقه حروب الفرنجة ضد العرب في القرون الوسطى. بالإضافة إلى الطائرات والدبابات والصواريخ يتوجّب إقفال مكاتب الفضائيات العربية كي لا تزعج أصحاب القرار بتقارير إعلامية قد ترى بشاعة الجرائم التي ترتكب، وتنغِّص على قادة الحملة الانتخابية، أو تسبب لهم بعض الإشكالات. لقد تمّ استبعاد الإعلام تماماً عن الجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، وها هم «دعاة الإعلام الحرّ» يغلقون الجرائد والفضائيات كي تصبح روايتهم عمّا يجري، على لسان الناطقين الرسميين، هي الرواية الوحيدة التي يسمعها «العالم الحرّ»، بغض النظر عمّا يجري فعلاً على أرض الواقع.
وبين كلّ هذا وذاك، يرتفع سعر برميل النفط الأميركي إلى ما يقارب الخمسين دولاراً، بينما لا تتجرأ منظمة أوبك حتى التفكير بزيادة أسعارها، فحتّى النفط الأميركي أصبح ذا قيمة لا يضاهيه فيها نفط عربي أو أي نفط آخر، إذ لا بدّ من أن تكون الحملة الساخنة على هذه الأمة مجزية مادياً للبعض من الطامعين في ثرواتنا وهويتنا ومياهنا وأرضنا. أوعلمتم اليوم أنّ الأسرى الفلسطينيين هم الذين فهموا هذه المعادلة، فوقفوا في خطّ الدفاع الأول في وجه مخطط صهيوني استعماري شرس يستبيح الديار المقدّسة، ويمدّ أذرعه الأخطبوطية على كلّ عربي ومسلم في كلّ مكان من أرجاء المعمورة؟! أوعلمتم أيضا،ً أنّ الهدف ليس مقتدى الصدر ولا الميليشيات التي تعبّر عن رفضها للاحتلال، كما عبّرت كلّ شعوب الأرض، بل الهدف هو النجف الأشرف، حيث يرقد من رفع الراية على أسوار خيبر قبل ألفٍ وخمسمائة عام فقط، كما كانت بابل وأريحا وجنين، الهدف هو ديار العرب ومقدساتهم وثرواتهم ومستقبلهم وجميعهم في قَارَبٍ واحدٍ، سواء أدركوا ذلك اليوم أم غداً، أم لم يدركوه أبداً.
- آخر تحديث :














التعليقات