تحفل الحياة السياسية العربية بالطرافة والهزل. وعلي الرغم من كون المشرق العربي مزنّرا بالنار والموت، من فلسطين الي العراق، الا ان هذا الواقع يزيد من طرافة السمجاء الذين يقودون العرب الي الانحطاط. سوف اتوقف عند طرفة ما يطلق عليه في لبنان اسم الاستحقاق الرئاسي. اي نهاية ولاية رئيس الجمهورية، واستعداد المجلس النيابي لانتخاب رئيس جديد بحسب الدستور.
ابدأ من كلمة استحقاق. وهي كلمة تسللت الي القاموس السياسي من زمن الحرب الاهلية. بدلا من استخدام كلمة انتخاب، حيث يفترض تنافس مجموعة من المرشحين علي المنصب الاول في الدولة، شاعت كلمة استحقاق، التي تتضمن ضرورة ملء المنصب، وعدم تركه شاغراً مهما كان الثمن. في الحرب تمت الاستحقاقات في شكل واحد لا يتغير.
عام 1976، دخل الجيش السوري الي لبنان، فانتخب المرشح المدعوم من سورية الياس سركيس.
عام 1982، احتل الجيش الاسرائيلي لبنان، فانتخب المرشح الاسرائيلي بشير الجميل، وبعد اغتيال الأخير، انتخب شقيقه امين. عام 1988، ووسط الفوضي التي بشر بها المبعوث الامريكي مورفي، لم تجير الانتخابات الرئاسية، وغرقت البلاد في صراع الحكومتين، الي ان جاء اتفاق الطائف برعاية سورية ـ سعودية ـ امريكية، فانتخب رينيه معوض للرئاسة عام 1989، لكن معوض اغتيل بعيد انتخابه مما سمح بانتخاب المرشح الوحيد المدعوم من سورية، السيد الياس الهراوي. وقد انتهي عهد الهراوي برغبة ابداها الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد، بالتمديد له ثلاث سنوات اضافية، فتم التمديد باجماع الطبقة السياسية التي تسلمت الحكم، في ظل الهيمنة السورية المطلقة علي البلاد. وعندما انتهي العهد الممدد، قام الهراوي نفسه بتبشير اللبنانيين بقرار الرئيس السوري بانتخاب قائد الجيش اميل لحود رئيساً للجمهورية. أي تم تعديل الدستور مرتين خلال ثلاثة اعوام، المرة الاولي من اجل التمديد للهراوي، والثانية من اجل انتخاب لحود.
لحظ الدستور اللبناني، ان الرئيس لا يملك حق تجديد ولايته. لكن هذا العرف خرق مرة واحدة، حين جدد اول رئيس استقلالي لنفسه، فانتهي الامر بثورة بيضاء اطاحته. اما خليفته كميل شمعون، فقد ابدي رغبة في التجديد، تحولت وبالاً، واشعلت نيران الحرب الاهلية عام 1958.
في ظل جمهورية الطائف، عدل الدستور مرتين، واتخذت الانتخابات الرئاسية صيغة الاستحقاق، حيث لا وجود الا لمرشح واحد، ينتخب بالاجماع او بما يشبه الاجماع. وبذلك دخلت الحياة السياسية اللبنانية، في نفق شبيه بالانظمة العسكرية العربية، حيث هناك مرشح واحد يقدمه الحزب الحاكم، ويستفتي الشعب علي اختياره، فيختاره بنسبة تصل الي حدود المئة في المئة!
غير ان الطرافة اللبنانية، تكمن في ان الاختيار يقوم به رئيس دولة اخري، تتولي منذ خمسة عشر عاماً، سوس السياسة اللبنانية، بادوات متعددة، أهمها تكريس الانقسامات العميقة بين القوي الطائفية، مما يعطي الشقيقة الكبري، صفة الحكم والحاكم في آن معاً.
عشية الاستحقاق الدستوري الحالي، بدأت الامور تتخذ منعطفا جديداً، ميزته تحويل النخب السياسية، الممثلة في مجلس النواب، الي مجموعة من المهرجين. والمنعطف بدأ مع اشارة الرئيس السوري بشار الاسد الي ضرورة لبننة الاستحقاق الرئاسي. اللجوء الي كلمة اللبننة ، بالغ الخطورة والدلالات، فهو يحمل معنيين متلازمين:
المعني الاول، هو ان انتخابات الرئاسة في السابق، لم تكن ملبننة، بل كانت مسورنة. اي ان القرار كان سورياً، رغم انه نفذ من خلال قنوات دستورية لبنانية.
المعني الثاني، هو ان اللبننة، تتم بقرار سوري. اي ان صاحب القرار ارتأي اعطاء ما يشبه الحيز، من اجل تخفيف الضغوطات الدولية عليه. غير انه يستطيع ان يسحب هذا الحيز او ان يضيقه، اذا ارتأي ان الظروف صارت تقتضي او تسمح له بذلك.
غير ان علامة اللبننة، تجلت في الاستشارات التي يجريها الرئيس السوري مع القيادات السياسية اللبنانية. وهي استشارات تذكرنا بالتقليد السياسي اللبناني الذي يقتضي من رئيس الجمهورية، اجراء استشارات نيابية، من اجل اختيار رئيس للحكومة.
قد يقول سياسي حصيف، ان هذا طبيعي في ظل الظروف الاقليمية الصعبة، حيث تواجه سورية ضغوطا هائلة، تجبرها علي الاحتفاظ بكل اوراقها. وعلي الرغم من اني لا افهم كيف يمكن مواجهة الضغوط بوأد الحرية، واشاعة مناخ من الذعر الداخلي، وابعاد الناس عن السياسة، فان اللافت ليس قرار الاستشارات، بل اداء من تمت استشارتهم.
من المفترض ان يذهب النائب او الزعيم اللبناني الي دمشق كي يقول رأيه. وفي كل استشارات، يخرج من استشير الي الناس كي يقول ما اشار إليه. اما في الحال اللبنانية ـ السورية، فان الطرافة بلغت ذروتها، حين اكتشف الناس، ان الزعماء الافاضل ذهبوا كي يتشمموا الي اين سوف تجري الرياح. اي بصرف النظر عما جري في داخل الغرف المغلقة، فان التصريحات تشير الي انهم حاولوا ان يفكوا رموز المقابلة الاستشارية، بتقديرات عن احتمالات القرار السوري في هذا الصدد.
النائب سليمان فرنجية، قال ان احتمالات التجديد صارت ستين في المئة. النائب ورئيس الحكومة السابق عمر كرامي، قال انها تسعين في المئة.
والي آخره..
أي بدلا من ان يقول ممثل الشعب رأيه، ذهب كي يستمع الي الرأي الفصل. وعندما لم يسمع رأيا نهائياً، تحول الي منجم، وبدأ يحاول فك طلاسم الموقف، وانتهي به الامر الي احتماليات ترجيحية، من الواضح انها لا تأخذ رأيه في الحساب.
اننا امام ديمقراطية خاصة، ميزتها القراءة في الغيب! كأن الطبقة السياسية اللبنانية بأسرها ترقص اليوم فوق مرجل، يقرر من يشعله درجة الحرارة، وايقاع القفز الراقص، ومستوي حركته، وقفزاته. لكن شرطه ان لا تحترق ارجل الراقصين، بحيث يصبحون عاجزين عن الرقص.
اي ان اللعبة الراقصة هي جوهر الاستحقاق، وبذلك يتم فرض شكل سياسي يشبه زمن المتصرفية، حيث كان يتم تعيين المتصرف بقرار من الباب العالي.
لعبة ورقص، وعلينا ان نصدق ان هذه هي السياسة، وان نتنعم بفتات الحريات، الذي صار مسخرة كاملة وشبه مطلقة.
غير ان اللاعبين ـ الراقصين، من افراد الطبقة السياسية اللبنانية، يعتقدون انهم ظرفاء، وان الناس تصدقهم، وان ما يسمي حياة سياسية لا يزال موجودا. وهنا تكمن الطرافة الكبري، حيث يمثل الجميع في مسرحية لا جمهور لها، لكنها تستجدي التصفيق، وتنتظره.
وشر البلية ما يضحك، مثلما قالت العرب قديماً. فلا خيار لنا سوي الضحك وانتظار انجلاء بلوي هذا الزمن، قبل ان تطوي البلوي كل ارض العرب المسكونة بالموت والبلايا والضحك.
- آخر تحديث :















التعليقات