دمشق: من أين تأتي جاذبية الكتاب؟ وأين يكمن سحر المطالعة فيه؟ ولماذا استطاع الكتاب أن يعمّر خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة؟ وما مستقبل الكتاب في ظل ثورة المعلومات والمعلوماتية؟ وما الأزمة التي يعيشها؟وماذا عن استضافة معرض فرانكفورت للثقافة العربية والإسلامية وأهميتها بالنسبة للعرب والمسلمين في هذا الوقت بالذات.. أسئلة كثيرة تدور في أذهاننا ونحن نعيش عصراً جديداً، عصر التكنولوجيا والمعلومات.. وللإجابة على بعض هذه الأسئلة التقينا بمحمد عدنان سالم نائب رئيس اتحاد الناشرين العرب ورئيس اللجنة العربية لحماية الحقوق الفكرية و صاحب دار الفكر للنشر والتوزيع وأحد المشاركين في معرض فرانكفورت.
*عرف الكتاب العربي حقبتين مميزتين من ازدهاره، وهما ما أطلق عليهما بعض المفكرين العرب النهضة العربية الأولى التي انطلقت خلال النصف الثاني من القرن الماضي، والثانية التي انطلقت مع مطلع الخمسينيات حتى عام 1967.. أسألك : ما هي سمات المرحلة الحالية للكتاب العربي؟
**الكتاب العربي في المرحلة الراهنة يفتقر إلى الإبداع، والإبداع لا يزدهر إلا بازدهار حركة النقد التي تؤجج الصراع بين الأفكار وتصقل تجارب المبدعين، وتكشف الزيف، وتدفع إلى مزيد من القراءة لمتابعة المعارك الفكرية والأدبية المحتدمة، وتؤدي إلى تشكيل ملامح مجتمع قارئ، وهذا هو ما كان متوافراً في مرحلتي ازدهار الكتاب المشار إليهما، لذلك أرى أننا دخلنا القرن العشرين بفكر نهضوي متوقد أفضل مما نخرج منه بفكر متقوقع ساكن، وأن الناشرين الذين كانوا ينتجون الكتاب لقارئ يبحث عن جديد غدوا ينتجون كتاباً يبحث عن قارئ .
*يتحدث الجميع في الوقت الحالي عن أزمة يتعرض لها الكتاب، فما هي وجوه هذه الأزمة؟ وما آفاق الخروج منها؟
**يعاني الكتاب العربي أزمة كساد سببها العزوف القرائي من جهة، ومنافسة الوسائل الإعلامية من جهة أخرى.. فأما العزوف القرائي فأسبابه غياب النقد وهدوء المعارك الأدبية، وعوز الإبداع التشدد الرقابي وتباينه في الأقطار العربية وعشوائيته ومزاجيته غير المستندة إلى معايير، فضلاً عن قلة المكتبات العامة والمراكز الثقافية وإحجامها عن التزود بجديد الناشرين الذي يمكن أن يشكل دعماً لهم .
*وماذا عن منافسة وسائل الإعلام على هذا الصعيد؟
**لقد اختطفت الشاشة الصغيرة الأبصار، وجذبت الأنظار، فلم تترك للقراءة وقتاً لغير قارئ نهم مولع بالقراءة، لا يرضى عنها بديلاً.. تأتي هذه المنافسة للكتاب بعد أن كان وحيداً يتربع على عرش المعرفة ويشكل المصدر الوحيد لها، وكان بحق للإنسان خير جليس ومؤنس.. لقد فقد الكتاب أصدقاءه الذين استبدلوا به جليساً آخر أكثر إغراء وأشد جاذبية، ولم يبالوا إن كان هذا البديل سيمنحهم القدر نفسه من العلم والثقافة والفكر، أو سيوجه اهتمامه الأكبر إلى الترفيه والإعلان الاستهلاكي، بل إن أصدقاءه لم يكتفوا بعجزه بل زادوا من محنته فأوثقوه بقيود الرقابات وأثقلوه بالرسوم المالية الباهظة عند تصديره أو استيراده.. فعلوا ذلك وهم يعلنون على الملأ غير ذلك ويذرفون الدموع إشفاقاً عليه .
*أزمة الكتاب هي جزء من أزمة الكتّاب فماذا عن هذا الأمر؟
**يعيش الكاتب في البلدان المتقدمة عيشاً كريماً من دخل كتاب ألّفه، ولا تستطيع عشرات الكتب عندنا أن ترد لمؤلفها بعض ما أنفقه على إنتاجه الفكري.. الفرق بيننا وبينهم أن الكتاب عندنا لا يرقى إلى مستوى الرغيف ولا يدخل في قائمة الاحتياجات الأساسية، بينما هو عندهم يقوم على رأس هذه القائمة قبل الغذاء والكساء .
الطفل عندنا ينشأ على كتب المقررات المدرسية ولا يحيد عنها قيد أنملة، بل إنه في المراحل الدراسية التالية يسأل عن المحذوف من هذه المقررات لكي يريح نفسه من عناء دراستها، بينما هو عندهم ينشأ على البحث في المراجع خارج المقررات ويُدفع إلى الاستنتاج والإبداع.. والإنسان عندهم تبدأ تطلعاته العلمية ونهمه القرائي عندما ينتهي من الدراسة وعندما يودع القراءة فور مغادرته مقاعد الدراسة، كأنما القراءة مرتبطة بهذه المقاعد، حتى أنه قد يعاب عليه أنه يقرأ، مما يدل على أنه لا يزال طالب علم، ونحن بالتأكيد لم نكن كذلك عندما كنا نمتطي صهوة الحضارة، بل كنا يومها نطلب العلم من المهد إلى اللحد، وها نحن ندفع ضريبة ذلك : مؤلفين وناشرين وقرّاء ضعفاً في الإبداع وتقصيراً في الإيصال وعزوفاً عن الكتاب، وقد ترعرع في هذا المناخ المحيط الكثير من المفاهيم المغلوطة عن الإبداع وعن النشر وعن الكتاب، وكثير من الممارسات التي أدت إلى سوء العلاقة بين أطراف صناعة الكتاب، بدلاً من أن يعملوا معاً على انتشال الكتاب من أزمته .
*كيف ترى واقع النشر العربي وواقع صناعة الكتاب في الوطن العربي؟
**أستطيع أن أقر أن واقع النشر العربي قد تخلّف في نهاية القرن العشرين عما كان عليه في بداياته وأوسطه، فلقد فقدت حركة النشر كثيراً مما كانت تتمتع به من إبداع في التأليف وفي النشر، ومن حرية في التحرك والانتقال، ومن تداول بين أيدي النقاد والدارسين ومن حفاوة بكل جديد من القراء والمتلقين، ومن رصد لكل مفيد ومبدع، وتزود به من المكتبات العامة، ومن تقويم وتحكيم لما يُنشر ومن عناية النص تنقيحاً وتصحيحاً وانصرافا عن ذلك إلى الغلاف والمظهر ومن احترام لحقوق التأليف والإبداع ومن احترام تقاليد المهنة التي كانت تضبط العلاقات بين المؤلف والناس من جهة، وبين الناشرين أنفسهم من جهة أخرى، وبين الناس والقارئ من جهة ثالثة .
إن الإنتاج الثقافي العربي الراهن وعلى الرغم من وفرة الجوائز التشجيعية التي يُمنح معظمها جزافاً من دون معايير واضحة لأحسن كاتب وأحسن ناشر وأحسن كتاب، يعاني من فقر مخجل في الإبداع.. أقول ذلك من واقع الخبرة والتجربة والممارسة، فحين تريد أن تصدر نشرة بجديد الناشرين العرب تنهال عليك تداري الزائر مئات من العناوين المكررة لموضوعات فات أوانها، يندر أن تعثر بينها على حفنة مما تنطبق عليه معايير الجديد، وحين تريد أن تعرض جديد الناشرين العرب في جناح خاص بمعرض تضطر أن البصير من الدخول في التفاصيل حتى لا يصاب بخيبة الأمل، أما إذا حملت جديد الناشرين العرب إلى معرض فرانكفورت الذي يُعد بحق (عكاظ) العالم، تتبارى فيه الثقافات، أيها أكثر إبداعاً وأشد تأثيراً في الثقافة العالمية فإنك لن تجد لبضاعتك يوم المباراة العالمية وزناً .
*ما رأيك بظاهرة معارض الكتب؟ وما السبيل لتفعيل دور هذه المعارض؟
**معارض الكتب أسلوب هام من أساليب دعم القراءة والتشجيع عليها وتنشيط حركة الإبداع والنقد وتيسير الكتاب للقارئ، يُقاس نجاحها بمقدار ما توفر من فرص التواصل الفكري والثقافي وتبادل المنتجات الثقافية والتعريف بالجديد منها، كما يقاس بمقدار ما يجتذب المعرض إلى عالم القراءة من أصدقاء جدد لم يكونوا وثيقي الصلة بالكتاب، ولا يقاس نجاحها بحجم المبيعات فيها .
ومعارضنا العربية للكتاب -على كثرتها- لا تحقق الأهداف المرجوة منها، ولا تشد إليها أصدقاء جددا، وربما تكون قد أدركتها الشيخوخة تنظيماً وتجهيزات، فهي تكرر نفسها برتابة مملة، وتضيف رقماً جديداً إلى المعرض من دون تجديد يُذكر.. ما هكذا حال المعارض الدولية التي نراها تواصل نموها وتطورها بأساليب جديدة ووسائل حديثة .
*بماذا يختلف معرض فرانكفورت الذي تشاركون به من خلال دار الفكر عن المعارض الأخرى؟ وبرأيك لماذا لا يهتم الناشرون كثيراً بهذا المعرض؟
**هذا المعرض مختلف عن بقية المعارض الأخرى المألوفة في الدول العربية باعتباره معرضاً لا تباع فيه الكتب، فهو معرض للعرض وللعلاقات العامة ولبيع وشراء حقوق الترجمة والطبع وهذا ما يميزه، لذلك نجد أن الناشر العربي لا يهتم به كثيراً لأن حفنة قليلة من الناشرين العرب تهتم بحقوق الترجمة والتأليف ومعظم الناشرين ينشرون ترجمات دون مراعاة لحقوق أصحابها الأساسيين، وحتى الجهات الرسمية تنشر ترجمات وتتجاهل حقوق المؤلف!؟
*ماذا عن جديد المعرض هذا العام؟
**معرض هذا العام مختلف تماماً عن المعارض السابقة، فهذا العام بالذات اختار معرض فرانكفورت الثقافة العربية الإسلامية نصاً كضيف شرف عليه، ومفهوم ضيف تقليد قديم اتبعه المعرض منذ العام 1976 حينما استضاف لأول مرة كضيف شرف ثقافة أميركا اللاتينية، واستمر المعرض بهذا التقليد إلى أن استضاف هذا العام الثقافة العربية الإسلامية لأنها ثقافة غنية جداً، فالوطن العربي بدوله الـ 22 يحمل غنى في التقاليد والثقافات وهذه الاستضافة رتبت علينا مسؤوليات كثيرة .
*برأيك لماذا استضاف المعرض الثقافة العربية الإسلامية التي تعاني من ضغوطات كبيرة من قبل الغرب في ظل الحديث عن ضرورات التحديث والتغيير؟
**نعم نحن سنذهب في ظل ضغوط تُمارَس علينا كعرب ومسلمين وفي ظل مشاريع كثيرة تنهال علينا من كل صوب من الغرب كمشروع الشرق الأوسط الكبير ومشاريع أخرى تريد انتزاع هويتنا وانتزاعنا من جذورنا وفي ظل مشاريع خطيرة تتناول حتى حرفنا العربي ولغتنا العربية، فهم يخططون لتغيير حتى الحرف العربي كونه (برأيهم) حرفاً معقداً وأنه سبب تعقيدنا الفكري ويحاولون التدخل في شؤوننا لتسييرنا وكأننا أناس معاقون، وبعضنا للأسف يستجيب على المستوى الرسمي والشعبي لطلباتهم، ولكن مع هذا نُدعى للمشاركة في معرض كبير كمعرض فرانكفورت، وللجميع الحق في أن يتساءل لماذا يدعون الغرب للمشاركة وهم يمعنون في اتهامنا بالإرهاب والتعقيد والقصور العقلي، وأنا أقول لنعتبرها فرصة متاحة لنا رغم كل تلك الضغوطات التي تمارس علينا، وهي فرصة يجب أن نستغلها في عرض قضايانا وثقافتنا الغنية، فلماذا لا نفترض حسن النية ونغتنم هذه الفرصة ونهيئها لإنساننا المظلوم الذي حُشِرت ثقافته في قفص الاتهام؟ لماذا لا نستغل هذه الفرصة لندافع عن أنفسنا ونقول كلمتنا ونعبّر عن ذاتيتنا وأنا أعرف تماماً أن الغرب يحترم فكرة الآخر والتعددية ولا يريد من الآخر أن يكون متحلاً للصبغة الغربية.. أقول أيضاً لا نريد أن نذهب إلى فرانكفورت لنكون نسخاً مستنسخة عن الغرب الأقدر على عرض مفاهيمه وذاتيته لذلك أعتقد أن المفكرين التقليديين أو الحداثيين كلاهما لا يصلحان لأن يعبّرا عن الثقافة العربية الإسلامية في معرض فرانكفورت.. لماذا؟ لأنه لو ذهب التقليديون فسيتحدثون عن أمجادنا الماضية وسيقولون نحن من علّمناكم (الغرب) الحضارة، عندها سيكون ردهم لماذا لم تتحضروا أنتم وتتعلموا من هذا الماضي؟ ولو ذهب إليهم الحداثيون لقالوا لهم نحن وعينا بول سارتر وفوكو... هذه الرموز الحداثية الغربية عندها لقالوا بكل بساطة هؤلاء مفكرونا ورموزنا فأين رموزكم وثقافتكم؟
*أعود لأسألك لماذا اختاروا الثقافة العربية الإسلامية في هذا الوقت بالذات لاستضافتها في معرض فرانكفورت؟
**بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال الازدواجية الفكرية والإيديولوجية اختاروا الإسلام على ضعفه وتخلف المسلمين حالياً لأنهم يدركون تماماً المخزون الفكري الكبير والعميق الذي يختزنه الإسلام والذي لم يستنفد أغراضه بعد فهو ينطوي على قيم كبيرة وهائلة لم تجد فرصتها بعد للتطبيق.. هي مختزنة في ضمير الإنسان العربي كقيم الحق والعدالة والمساواة ووحدة الأصل البشري، هذه القيم اختفت في الغرب، فالحق ضائع والعدالة مفقودة .
*تشبِّه دائماً معرض فرانكفورت بأنه سوق عكاظ الجديد .
**إذا كانت لنا قبل 1500 عام سوق عكاظ يتبارى فيه الشعراء والحكماء والنقاد يدلي كل منهم بدلوه، يهجو ويمدح فإن معرض فرانكفورت للكتاب هو بحق كما يحلو لي أن أسميه سوق عكاظ عالم اليوم، وعلى الرغم من هذا البون الشاسع من حيث الزمان والرقعة ومحدودية المكان والموضوع فإن جامعة كبيرة تجمع بينهما هي حرية الفكر والتعبير عنه بكل ما تقتضيانه من تعدد في الآراء والاختلاف بينها، تصادم وتحاور، نقد وتفنيد، بيان ومقارعة، جدل ومحاججة.. فشعوب العلم كلها تحمل ثقافاتها وثمرات أفكارها وإبداعاتها إلى معرض فرانكفورت للكتاب، تعرضها، تسوّقها، تبادل فيها، تبيع حقوق ترجمتها ونشرها.. لا مجال في معرض فرانكفورت لبيع وشراء الكتاب إنما هو اطلاع وتعارف وعلاقات وصفقات وندوات ومحاضرات .
*لمَ كل هذا التهافت على معرض فرانكفورت للكتاب؟
**إنه المنبر الحر، تصغي فيه لكل الآراء وتستنشق فيه عبق الحرية وحرية التعبير وتستمتع بمشاهدة التنوع الثقافي بلا قيود وبلا حدود، لن يمنعك أحد من عرض كتاب تحت أية ذريعة سياسية إيديولوجية، اجتماعية، ولا وصاية على القارئ فهو سيد اختياره .
*هل تزدهر ثقافة وينمو إبداع من دون حرية؟
**إن ثقافة تأخذ قيود المنع والحظر والحجر خناقها مآلها الذبول والتكلس والفناء وإن مجتمعاً يخضع لوصاية الفكر والرأي الواحد لن ينمو فيه إبداع.. لا أخاف في معرض فرانكفورت من ضعف حجتنا وقلة حيلتنا وغور ينابيعنا ونضوب إبداعنا وقلة مواردنا وشيخوخة قيمنا وأفكارنا، فأنا أن مخزوننا الفكري معين لا ينضب وأن قدرته على التجدد والتوالد تجعله في شباب دائم.. كل ما أخشاه هو استحكام الوصايات التي جمدت عقولنا وكممت أفواهنا وحجبت أبصارنا وأقعدتنا على الإبداع ورمت بنا في أوحال التخلف، تقليدية كانت هذه الوصايات أم حداثية، سلطوية أم مجتمعية، داخلية كانت أم خارجية، وإذا امتدت أذرع هذه الوصايات لتمنعنا من الاستمتاع بأجواء التعدد والاختلاف واستنشاق عبير حرية الرأي والتعبير في فرانكفورت فستكون الطامة الكبرى وسيختفي بصيص النور الذي لمحناه في نهاية النفق .
*كثيرون يتساءلون ما جدوى الحوار وما عساها تنفع الكلمة إزاء قنابل الموت والدمار؟
**نقول لهذه الفئة المتشككة في البدء كانت الكلمة والنداء (إقرأ) لا يزال يصرخ في أعماقنا منذ أن دوّى به وحي السماء في غار حراء، والكتاب هو معجزتنا الخالدة من دون سائر المعجزات، وإيماننا بقوة الكلمة وحتمية انتصارها لا تزعزعه أوهام انتصارات قوة العضلات الزائفة مهما أمعنت في بطشها وتوهمت الغلبة والتفوق فتلك كانت وسيلة الإنسانية إبان طفولتها قبل أن ترتقي مدارج الحضارة وتتحرر من وحشيتها وهمجيتها وتهجر وحشة الغاب وشرعته إلى أنس المدنية وشرعة الحق والعدل والمساواة ولئن عاودتها نزوة استخدام قوة العضلات والأنياب فإنما هي وعكة حمّى وهلوسة ما تلبث أن تتعافى منها وانتكاسة ما تلبث أن تتجاوزها.. إن حركة التاريخ لا ترجع إلى وراء ولا تسير وفق أهواء الطغاة والمستبدين، وما معرض فرانكفورت إلا المنتدى الذي يوفر المناخ الملائم للحوار بكل ما يزخر به من تعدد وتنوع وحرية في التفكير والتعبير، فمبادرة الألمان إلى إقامة معرض فرانكفورت للكتاب فور خروجهم مهدودين من ثاني حرب عالمية طاحنة دليل واضح على رغبتهم بتقديم وجه آخر بديل للوجه النازي الكالح الذي عاد على الإنسانية بالدمار والخراب، فما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى لاذت ألمانيا بالفكر والثقافة يلملمان شعثها ويبنيانها من جديد بلا سلاح ولا تهديد إنما بالفكر والثقافة التي استعادت ألمانيا من خلالهما في وقت قصير عافيتها وبنت اقتصادها الشامخ وحطمت جدار برلين لترسخ وحدة شعبها في الداخل ثم لتندمج في المجتمع الأوربي.. إنها قوة الكلمة وإن سحرها لهو السر الحلال الذي يحقق أعظم النتائج وأعمها فائدة في أقصر مدة وأقل كلفة من دون دمار ولا خراب ولا خسارة لأحد .
*نود لو تعطينا فكرة موسعة عن هذا المعرض؟
**أكبر معرض للكتاب في العالم، يشكل تظاهرة ثقافية عالمية، توفر المنبر الحر الذي يسمح بالتعارف والتبادل الثقافي بين الشعوب سعياً إلى عالم أكثر إنسانية يعود تاريخه البعيد إلى القرن الخامس عشر الميلادي حيث كانت مدينة فرانكفورت ملتقى للناشرين من جميع الدول الأوربية بحكم وقوعها قرب مسقط رأس يوهانس غوتنبرغ مخترع الطباعة الألماني، أما تاريخه القريب فقد بدأ عام 1949 بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة ليقدم الوجه الثقافي للشعب الألماني بديلاً عن الوجه العسكري النازي البغيض، ومازال يحقق منذ ذلك التاريخ نمواً مطرداً، فبعد أرقام دورته الأولى عام 1949 التي لم تتجاوز 205 ناشرين محليين و10000 عنوان 14000 زائر بلغت أرقام دورته الـ 55 عام 2003 ستة آلاف وستمائة ناشر ينتمون إلى 102 دولة عروضوا 336000 عنوان منها 74000 إصدار جديد على سماحة قدرها 172000 متر مربع واستقبل 289000 زائر محترف وغطى فعالياته 12000 صحفي من 80 دولة .
*وماذا عن تقليده في استضافة ضيف شرف فيه؟
**تقديم ضيف شرف على معرض فرانكفورت تقليد بدأه المعرض عام 1976 فكانت أميركا اللاتينية أول الضيوف عليه واستمر هذا التقليد مع أفريقيا عام 1980 ثم توالى على نيله منذ العام 1988 عدد من الدول الأوربية والآسيوية كان آخرها روسيا لعام 2003 ليكون العالم العربي ضيف الشرف لعام 2004 ثم ليسلم الراية بعده إلى كوريا.. انطلق هذا التقليد من فكرة اختيار ثقافة أحد المجتمعات الإنسانية سنوياً ضيف شرف على المعرض لتعرّف البشرية بحضارتها وقيمها وموروثاتها وإبداعاتها الثقافية والفنية والعلمية والأدبية .
*وأهمية وهدف المشاركة العربية؟
**يشكل معرض فرانكفورت فرصة نادرة للعالم العربي ربما لن تتكرر خلال عقود، فهو باختياره العالم العربي والثقافة العربية الإسلامية ضيف شرف عليه في غمار حملات التشويه لحضارته وقيمه وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 يتيح له الفرصة للدفاع عن نفسه وتصحيح صورته في جو أشبه ما يكون بمعركة ثقافية سلاحها الفكر ومصانعها مراكز الأبحاث ودور النشر ووسائل الإعلام ومراكز الإنتاج الفني والسينمائي، وسيدخل العرب إلى فرانكفورت حاملين شعار تعارف الحضارات وتكاملها بديلاً عن تصارعها وتصادمها .
أما الهدف فتسليط الأضواء على إسهامات العرب والمسلمين الحضارية وعلى مخزونهم الفكري القادر على إغناء الحضارة الإنسانية وتصحيح مسارها حديثاً، وذلك من خلال إظهار تنوع الثقافة العربية الإسلامية وقيمها الإنسانية السامية وسماحتها وانفتاحها وقدرتها على التعايش مع الآخرين وكذلك من خلال إبراز الحركة الإبداعية الراهنة للعرب وما تزخر به في مختلف مجالات العلوم والمعارف والفنون مما يؤكد قدرتها على تجاوز وهنها الحضاري الراهن وتطلعها إلى مستقبل حضاري أفضل .
*واستعدادات اتحاد الناشرين العرب لمعرض فرانكفورت؟
**ما إن أُعلنت الفكرة ووقع الاختيار على الثقافة العربية الإسلامية ضيف شرف على المعرض حتى تداعى مجلس الاتحاد للانعقاد في الجزائر في الشهر التاسع من عام 2003 لوضع أسس التحرك لإنجاح المبادرة ثم اغتُنمت كل فرصة لعقد اجتماعات أخرى في القاهرة وأبو ظبي مستضيفين مدير معرض فرانكفورت ومساعديه وممثلي المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم اللذين يمثلان طرفي اتفاق الاستضافة للتنسيق معهما بشأنها، وقد أصدر مجلس الوزراء المسؤولين عن الثقافة العربية في اجتماعه الذي انعقد في القاهرة في الشهر الأخير من عام 2003 قراراً بتشكيل لجنة إشرافية عليا ولجنة تنفيذية للمتابعة ومنذ ذلك الحين يتحرك الاتحاد من أجل إنجاح هذه التظاهرة الثقافية .
*ومشاركة دار الفكر في معرض فرانكفورت كيف ستتجلى؟
**لم تكن دار الفكر بعيدة عن مشروع الاستضافة منذ بدايته، وقد شمّرت له عن ساعد الجد لأنها رأت فيه فرصة عالمية نادرة تحقق لها رسالتها التي تبنتها منذ تأسيسها في 1957 ألا وهي كسر القواقع الفكرية والاحتكارات المعرفية وأحادية الرأي وتشجيع التعدد والاخلاف والانفتاح على الآخر وترسيخ ثقافة الحوار وسيلة لتنمية الأفكار فكان أن خصصت له نافذة واسعة على موقعها على الانترنت تضمنت جميع الاتفاقات والخطوط العريضة بشأنه كما وجهت عبر موقعها وبجميع الوسائط رسائل إلى الكتّاب والمفكرين والشعراء والفنانين تدعوهم للإدلاء بدلوهم في هذه التظاهرة كما زوّدت اللجنة التنفيذية للمشاركة العربية بحوالي 400 عنوان من إصداراتها المختارة لعرض نتاج الفكر العربي الإسلامي في الفضاء العربي في المعرض واستكتبت كبار المفكرين في الوطن العربي حول موضوعين اختارتهما لهذه المناسبة هما مستقبل الإسلام في ظل التحديات الراهنة والقيم الحضارية في الثقافة الإسلامية كما ستصدر عدداً من الكتب المعدة خصيصاً لهذا المعرض بالعربية والإنكليزية، وعلى صعيد النشر الالكتروني تستعد لإصدار لعبة ثلاثية الأبعاد بعنوان قريش تحكي عن نشوء الحضارة العربية الإسلامية وتطورها مستخدمة أرقى وأحدث الأنظمة البرمجية وستقدم بطريقة عرض مشوقة يستسيغها الإنسان الغربي وبلغاته كما تخطط الدار لإصدار كتيبات ومطويات باللغتين الإنكليزية والألمانية ستوزع مجاناً في المعرض، كما تخطط الدار لإقامة حلقات نقاش وندوات حوار لتجسيد بعض حلقات سلسلتها (حوارات لقرن جديد) لتقديم نموذج مميز لحوار فكري عربي معاصر يناقش الإشكاليات الراهنة عبر الحوار الهادئ الذي يحترم الآخر وحقه في الاختلاف.














التعليقات