لا يزال متعذراً التكهن بنتائج الانتخابات الرئاسية الاميركية الأكثر اهمية منذ الحرب العالمية الثانية، وربما الاكثر متابعة في بقية العالم. إلا ان الاكيد في ما يخص نتائجها، هو ان الرابح فيها، سواء كان بوش ام كيري، سيخرج منها مهشماً بالمعنى السياسي، وستخرج معه اميركا اكثر انقساماً من اي وقت مضى. هذا يعني، بالضرورة، ان الرئيس الاميركي المقبل، إن كان سيتمكن من ممارسة عمله كرئيس للدولة الاعظم قوة في التاريخ، سيكون مضطراً لأن يتبنى سياسات توفيقية لمحاولة كسب تأييد غالبية شعبية تبدو شبه مستحيلة في ظل حال الاستقطاب الداخلي القائمة حالياً.

كانت رئاسة بوش الخلافية، بعد انتخابات العام 2000 ، شبه مشلولة، الى ان جاءت اعتداءات 11 ايلول لتوحد الاميركيين وراء الادارة، فأعطت رئاسته مضموناً عنوانه حماية اميركا وشن حرب على الارهاب العابر للقارات، واطاحة الانظمة المساندة له. إلا ان عدم تعرض اميركا لإعتداءات ارهابية خلال السنوات الثلاث الماضية، وارتفاع كلفة احتلال العراق واعادة اعماره، بدد حال التوحد الاميركي، واعاد الاميركيين الى انقسامهم ازاء ادارة بوش كما كان الوضع عشية الانتخابات الرئاسية الاخيرة.

تبدو الادارة الجمهورية اليوم كأنها بحاجة الى تحقيق انتصار كبير في الحرب على الارهاب، باعتقال او قتل زعيم تنظيم القاعدة، او وقف النزيف الاميركي في العراق ووضع هذا البلد على سكة الاعتماد على قدراته الامنية والاقتصادية الذاتية، لإحياء فرص اعادة انتخاب بوش. إذ ان تعثر اهم ركيزة لعهده، وهي الامن القومي، سيجعل من اعادة انتخابه مسألة متعذرة في ضوء تأرجح الوضع الاقتصادي بين الانتعاش والركود. في المقابل، يسعى كيري، بحذر، لأن يوفر بدائل اكثر اقناعاً، من دون التخلي عن الخطوط العريضة لسياسة الجمهوريين. إذ بات واضحاً ان المرشح الديموقراطي انتقل بعد مؤتمر حزبه من موقع يسار الوسط الى الوسط ومن ثم الى اليمين بعدما ضمن اصوات الديموقراطيين، بهدف كسب بعض اصوات الجمهوريين والمترددين.

عربيا، يعني هذا ان الرابح في الانتخابات الرئاسية، اياً كان، لن يتمكن من اتباع سياسات تختلف كثيراً عن السياسات الحالية. فمن يراهن على سقوط بوش، على اساس ان ذلك يضمن سياسة جديدة تجاه العراق وفلسطين، سيكتشف سريعاً ان الامور ليست بهذه البساطة. وإذا كان كيري يعني ما يقول، فإنه سيزيد عدد القوات الاميركية في العراق والموازنة الدفاعية، وسيتمسك بسياسة بوش تجاه النزاع العربي-الاسرائيلي، ما لم يقدم دعماً اكبر لإسرائيل. إذ فيما يرفض الديموقراطيون سياسة بوش، فإنهم باتوا على قناعة بأن الانسحاب من العراق، قبل انجاز المهمة، ليس وارداً، كما لا تغيير في سياسة اميركا الملتزمة امن الدولة اليهودية، رغم الاستعداد للتعاون مع المجتمع الدولي في اطار محدد هو خريطة الطريق، في ما يخص القضية الفلسطينية.

طبعاً تبقى كل الاحتمالات واردة، طالما ان احداً لا يستطيع ان يستبعد اعتداءً ارهابياً جديداً على اميركا. وفيما وفر اسامة بن لادن للمحافظين الجدد فرصة إختطاف سياسة اميركا الخارجية في العام 2001، ولو الى حين، قد يعيد اعتداء جديد تجديد العقد معهم. إلا انه في المرة المقبلة، ستصبح اميركا كلها، وليس اليمين وحده، محافظين جدد في طريقة التعامل مع العالم، وبخاصة العالم العربي والاسلامي.