الصيغة التي اختارها الرئيس إميل لحود لإعلان ترشيحه والمضمون الذي أعطاه لعهديه السابق واللاحق (؟) يستحقان عدداً من الملاحظات.
أولاً يحق للبنانيين الاعتقاد أن الموضوع أكثر أهمية بكثير من أن يأخذ شكل lt;lt;نقل زوار رئيس الجمهورية...gt;gt;. كانت أقل الواجبات أن يخاطب الرئيس المواطنين مباشرة حتى ولو حصل ذلك عبر بيان مكتوب. غير أن ما جرى اعتماده يوحي بأن الرغبة هي في التخفيف من وقع أن الرجل lt;lt;يطلب شيئاً لنفسهgt;gt;.
وبمناسبة هذا الموضوع يتوجب التحذير من الاتجاه الفولكلوري الذي ستسلكه المناقشات. سيقال، كثيراً، إن لحود تراجع عن وعد قطعه، وإنه اضطر إلى lt;lt;كسر كلمتهgt;gt;، وإن lt;lt;التعهّد لم يكن واقعياً من الأساسgt;gt;. هذه الاحتجاجات هي من التفاهة بحيث لا تستحق تعليقاً. إن المشكلة الجوهرية في تأكيد لحود أنه لن lt;lt;يطلب شيئاً لنفسهgt;gt; هي أنه كان يلمّح، بذلك، إلى رفض إجراء تعاقد جديد مع اللبنانيين يمكن لهم، بموجبه، أن يحاسبوه لاحقاً إذا لم ينجح في تأدية ما التزم به بموجب هذا العقد. ولذا لا يمكن إلا الترحيب بالخطوة التي أقدم عليها لأنها تفرض عليه التزامات في حال قررت الغالبية الدستورية تعديل الدستور وجددت ثقتها به. أضف إلى ذلك أن الهواجس الدستورية، على أهميتها، لا يفترض بها أن تصادر الحياة السياسية كلها. ويمكن الزعم بأن أكثرية ساحقة من اللبنانيين تريد وضع هذا الموضوع في مكان لا يستطيع منه اختزال ما سواه.
ثانياً اعتمد الرئيس لحود، حسب ما نقل زواره، فصلاً تعسفياً بين مستوى استراتيجي تضمنه خطاب القسم ومستوى سياسي. وضع في lt;lt;الاستراتيجيgt;gt; الذي هو راض عنه: العلاقة مع سوريا، حماية المقاومة، الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي، ولا سيما رفض التوطين، ومن مجريات الوضع في العراق وصولاً إلى موقف لبنان من الحرب على الإرهاب. واعتبر، وهذا أيضاً يرضيه، أن الانعكاس كان جيداً على لبنان لجهة الاستقرار وتطوير بعض الاستثمارات ونجاح القطاع المصرفي في تأمين معدلات نمو مرتفعة.
ووضع في lt;lt;السياسيgt;gt; حيث عدم الرضى معلن، عدم lt;lt;نهوض الدولة كما يجب في المجالات السياسية والاقتصادية والإدارية والقضائيةgt;gt;.
لا نعرف مصدر هذا الفصل التعسفي ولا نوافق عليه. إن الدين العام، مثلاً، قضية استراتيجية جداً، وكذلك أوجه الخلل في الحياة الداخلية اللبنانية. ولعل الوضع بات أكثر lt;lt;استراتيجيةgt;gt; مع التحولات العاصفة في المنطقة والتي لا يمكن درء شرورها إلا بمجتمعات معافاة تقود إليها سياسات وطنية ولا تفيض فيضاً عن مواقف وطنية.
ثم إن أخذنا ما هو راضٍ عنه وجدنا مبرّرات كافية لعدم الرضا.
كلا، ليست العلاقة الراهنة مع سوريا ممّا يستوجب الرضا. فهناك من يقول، محقاً، إنها علاقة تشبه lt;lt;الهرم المقلوبgt;gt;، أي إنها تستند إلى ما هو سياسي وأمني وتهمل إهمالاً كاملاً ما هو اقتصادي واجتماعي وتجاري وأهلي، الأمر الذي يجعلها معرّضة لخطر الاهتزاز.
صحيح أن الخيارات الإقليمية الإجمالية للبنان كانت صحيحة أو، على الأقل، أفضل ممّا اقترحه آخرون. ولكن الصحيح، أيضاً، أن تقصيراً فاضحاً حصل في الجهد المطلوب بذله من أجل توسيع قاعدة الانخراط الطوعي في هذه الخيارات. وليس أدل على ذلك من أن الحملة التي تستهدف لحود حالياً إنما تفعل ذلك، في شطر منها، بسبب ما هو راضٍ عنه، ومن قبل فئات كان في الإمكان، على الأقل، اكتساب البعض منها.
إن الاستطراد الذي قام به الرئيس لحود من النجاح الاستراتيجي إلى الآثار الاقتصادية ناقص ويطرح أسئلة. ثمة عناصر أخرى جعلت الوضع على ما هو عليه، كما ثمة شكوك في حجم الاستثمارات. أما lt;lt;استفادةgt;gt; القطاع المصرفي فيجب أن نسأل عنها القطاعات الإنتاجية المنهارة كما يتوجب، ربما، أن نراها من زاوية الفئات المهمشة والمفقرة. ويسجل، في هذا الصدد، أن الكلام المنسوب إلى الرئيس خلا، تماماً، من حساسية اجتماعية سبق له إظهارها. فهل نستنتج أن حاجته الراهنة إلى قطاعات محددة تفوق حاجته إلى لبنانيين مدفوعين خارج متن الحياة الاقتصادية؟
ثالثاً ماذا علينا أن نفهم من النجاح الاستراتيجي المرفق بتعثر داخلي سبّبته lt;lt;الملابسات والتناقضاتgt;gt; مع الوعد بأن العهد المجدَّد له سينجح في تقويم الاقتصاد ومنع الفساد الإداري وتكريس استقلال القضاء؟ نفهم أنه في السنوات الست الماضية نجح تحالف معيّن في تطبيق سياسته حيال القضايا الإقليمية (حصل ذلك في ظل معارضة قسم من اللبنانيين)، ولكن هذا التحالف إياه داخلته lt;lt;ملابسات وتناقضاتgt;gt; عطلت رغبة الرئيس في إنجاز الإصلاحات المطلوبة. بكلام آخر، إن العهد، إذا جُدِّد له، سيكون مدعواً إلى إحداث فرز ضمن هذا التحالف بحيث يمكن القول إن الست سنوات الأولى كانت في مواجهة طرف ولكن الست سنوات التالية ستكون، أساساً، في مواجهة طرف آخر من غير أن تكون المشكلة الأولى حُلّت. ولعل تباشير هذا الفرز بادية في المواقف المتعارضة لأقطاب التحالف الحاكم من قضية التجديد للرئيس لحود.
رابعاً يعتبر الرئيس أن lt;lt;تغيير الذهنية القائمة على تغليب المصالح الخاصة على العامة وعلى احتكار إدارات الدولة بدلاً من أن تكون للناس جميعاًgt;gt;، إن هذا التغيير في الذهنية هو مفتاح الإصلاح الداخلي. هذا كلام غير واقعي بالمطلق. لقد كان شرط التغيير في لبنان، ولا يزال، إدخال تعديلات جذرية على موازين القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والطبقية. ولا يحصل ذلك بالتبشير ولا بألف lt;lt;خطاب قسمgt;gt; وإنما باستنهاض قوى، واستمالة فئات، ومخاطبة المجتمع المدني، وتشجيع أحزاب، ونقابات، ونخب، وحماية مؤسسات رسمية وهيئات رقابية، وبإطلاق الحريات وتزخيم الحوار مع الشباب، وتشجيع اللبنانيين على المصالحة مع السياسة والشأن العام. لا أمل بتغيير الذهنيات كمدخل إلى خلاص. لا بد من تغيير الذهنية التي تراهن فقط على تغيير الذهنيات. إن الخلاص هو في صراع ضار ومديد مع قوى، وهو صراع اجتماعي بالدرجة الأولى لا يمكن خوضه بالاتكال على أجهزة وقضاء. وبهذا المعنى ليس صحيحاً أن lt;lt;ملابسات وتناقضاتgt;gt; عطلت الإصلاح. إن مصدر التعطيل هو الانكسار الحاصل والمتعاظم في موازين القوى.
خامساً نصل الآن إلى جوهر ما يُراد قوله. لنطرح على أنفسنا السؤال التالي: هل جرى استخدام المجالات السياسية والقضائية والإدارية والاقتصادية (حيث يعترف الرئيس بفشل ما) من أجل حماية وإنجاح lt;lt;المستوى الاستراتيجيgt;gt; في الصيغة التي نعرفها؟
هناك من يميل إلى الجواب بالإيجاب. ويعني ذلك أن lt;lt;التساهلgt;gt; في الوضع الداخلي هو الضريبة (أو الخوة) التي دُفعت من أجل توسيع جبهة الموافقين على الخيار الاستراتيجي، أو، على الأقل، البعض منهم. لقد عُقدت تسوية ما تقول: نؤمّن لكم نظاماً يضمن نفوذكم شرط إنفاق رصيد النفوذ هذا في lt;lt;المعركة القوميةgt;gt;. ولذلك شهدنا على امتداد السنوات الماضية المفارقة التالية: بقدر ما كنا نجذّر المواقف الخارجية الراديكالية بقدر ما كان الوضع الداخلي يدفع دفعاً نحو الهشاشة. نحن هنا أمام حالة نموذجية يمكننا تسميتها: الاقتصاد السياسي للصمود.
هنا مكمن الخلل. ولقد أدى هذا الخلل إلى انفكاك بعض المتحمسين لخيارات لبنان الإقليمية عن تأييد السياسات الداخلية للعهد. وجرى تعويض هذا الانفكاك بضم قدر لا بأس به من الانتهازيين حديثي النعمة بالمواقف lt;lt;القومجيةgt;gt;. ولقد قام هؤلاء بدورهم في استخدام الكلام المنمّق من أجل التغطية على إنهاكهم للوضع الداخلي، أي عملياً، على إضعاف الموقع الاستراتيجي للبنان. لا مجال، إذاً، للمبالغة في الكلام عن نجاح استراتيجي في ظل وضع داخلي منخور إلى هذا الحد.
وأخيراً، وبما أن الرئيس بات مرشحاً، فإن التحفظات يجب أن تسقط لأنه لا يجوز للمرشح أن يحتمي بموقع الرئاسة. وبناء عليه يمكن القول إن ما نقله الزوار لم يكن مقنعاً تماماً. إن الواجب البديهي يقضي بأن يطيل الرئيس المرشح تفسير ما جرى في السنتين الأوليين للعهد، ثم في مرحلة العودة القوية لرفيق الحريري، ثم في مرحلة انتزاعه الأرجحية داخل مجلس الوزراء.
إن هذا هو واجبه عله، بذلك، يكسب بعض lt;lt;محبطي اللحوديةgt;gt; طالما أن كسب الآخرين شديد الصعوبة كما يبدو. وهذا هو واجبه، بالأخص، لأن أكثر استفتاءات الرأي إيجابية حياله لا تعطيه نسبة تأييد تفوق ثلث اللبنانيين. وهذا، في الواقع، قليل.
- آخر تحديث :















التعليقات