الفاشر (غرب السودان) من عمار الجندي: في الخامسة من صباح الثلاثاء الماضي، كان وداع الفراش الوثير في فندق الخمس نجوم بالخرطوم، مؤسفا، لم يسمح ضيق الوقت بالاستلقاء عليه، في حالة تشبه النوم، اكثر من ساعة ونيف. وفي الفاشر، الواقعة في قلب مسرح ازمة دارفور، يكون الحديث عن السرير المريح والغرفة المكيفة ضربا من الخيال. الفقر هناك ضار ضراوة الطقس الساخن الذي يشوي جلد الضيوف ومهجري نزاع دارفور ممن غصت بهم المنطقة.
أقلعت الطائرة من مطار الخرطوم باتجاه الفاشر، الذي سيكون المحطة الثانية لأيام عدة، في السابعة صباحا، بدبلوماسيين بريطانيين وصحافيين، عيونهم نصف نائمة. بزات الأمس الانيقة والاحذية اللماعة اخلت مكانها لـ«ثياب الميدان» من بناطيل جينز واحذية ثقيلة. حتى وزير الخارجية جاك سترو، استبدل ثيابه الرسمية وربطة عنقه بلباس كاكي متواضع. ولم يلبث، الوزير البشوش بعد الاقلاع ان اقبل محييا، يقف مع بضعة صحافيين لدقائق، ويلوح لآخرين عن بعد، قبل ان ينضم الى الفريق الاعلامي الذي رافقه في رحلته السودانية منذ الاثنين الماضي. كنت اتخيله اقل تواضعا وقربا من الاعلاميين، بل كنت اظنه اشد التزاما بالنظام! لكن الوزير الذي دعانا للتحلق حوله لابلاغنا بسير مباحثاته مع الحكومة السودانية، تجاهل مرتين نداءات قائد الطائرة الذي طلب من الجميع العودة الى مقاعدهم وربط الاحزمة استعدادا للهبوط. ومع انطلاق النداء الثالث، ابتسم الوزير عائدا الى كرسيه وقال: للحديث تتمة.
بعدما غادر الوزير البريطاني ومرافقوه عائدين الى الخرطوم، بدأ البحث عن مأوى في الفاشر. خلال استراحة قصيرة تحت شجرة منعزلة، اقترب ابن العاشرة يتحدث بلهجة عربية سودانية لم تبد واضحة تماماً أول الامر. بدا عليه شيء من الانكسار والهدوء العميق. واستغرقت المحاولة بعض الوقت، قبل ان ننجح في «استنطاقه». وحين تحدث عن مأساته، لم يعد من الصعب فهم اسباب وجومه هذا، فقد قال انه فقد أباه بسبب نزاع دارفور الذي اضطره للنزوح من قريته «الطويلة» القريبة من الفاشر، قبل خمسة أشهر. لم يعد يذهب الى المدرسة. حتى الطعام لا يتوفر له بصورة معقولة، خصوصا انه ليس لديه «فلوس». و«الطويلة» كما يقول زملاء صحافيون في الفاشر، كانت من اكثر المناطق المحلية تضررا بالنزاع، فقد هجّر القتال ثلاثة ارباع ابنائها. ويبقى السؤال عن موعد عودتهم الى قريتهم القريبة، مفتوحا، وربما لن تتوفر له الاجابة الشافية في الاشهر القادمة! «فطور... صار الفطور جاهزا»، صاح أحد العمال في بيت والي الفاشر الذي يستضيفني في جناح يخصصه للزوار غير الرسميين، فأيقظني في التاسعة. كانت الحشرات الطائرة التي تغص به هذه المدينة الخالية من فنادق متواضعة ناهيك من معقولة، مشفقة في الليلة الماضية، فهي لم تشن سوى هجوم واحد قوي اقلقني دقائق عدة قرابة الخامسة.
في باحة البيت الواسع التي تحيط به شجيرات عدة، كانت مجموعة من كبار المسؤولين قد فرغوا من تناول الفطور. الحركة دائبة، وحشد من الضباط الصغار نسبيا، والمدنيين والجنود توزعوا في انحاء الساحة بانتظار رؤسائهم الذين انهمك بعضهم في محادثات كأنها اجتماعات عمل مصغرة. وقف رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الفريق أول ركن عباس عربي على حدة، فقلت لعل الفرصة تسنح بطرح سؤال او اثنين على أرفع ضباط الجيش السوداني. مد يد مصافحا حين اقتربت معرفا بنفسي، وقال بعبارات الترحيب السودانية التقليدية «مرحب بيك»، لكنه سرعان ما اعتذر بلطف عن عدم الادلاء بأي تصريحات او الاجابة عن تساؤلات. وقد تلقى وقتذاك اتصالا عبر هاتفه الجوال، فلم يعد بوسعي ان احدثه عن الفارق الشاسع بين كبار المسؤولين السودانيين الذين يمكن للشخص العادي ان يتحرك بحرية على بعد خطوات منهم من دون أي صعوبات، ونظرائهم في دول عربية اخرى ممن تصعب رؤيتهم احيانا لبعدهم عن الناس.
في مخيم أبو شوك قرب مطار الفاشر، كانت الزيارة بمثابة جولة في قرى جبل سيت باقليم دارفور. وخلافا لاحدى النازحات التي ابتعدت لدى اقترابي منها وكأنها تخاف التحدث الى غرباء، بدت اخرى مرحبة هي وأطفالها السبعة بالزيارة. وسرعان ما توافد جيران وجارات لها من مختلف الأعمار، اتضح انهم جميعا جاءوا من جبل سيت قبل اشهر. كلامهم بلجهة سودانية مطعمة بألوان أفريقية طاغية، عن الغارات التي شنها الجنجويد عليهم في وضح النهار واجبروهم على الهرب سيرا على الاقدام لعشرة ايام، تخلله بعض المرح احيانا. لكن الابتسامة كانت تخبو بسرعة، حين يذكر هذا ابنه الذي قتل على يد المهاجمين، او تحكي تلك عن ولديها وزوجها الذين راحوا ضحية للجنجويد. الجميع قالوا انهم باقون في المخيم لأنهم يخافون على ارواحهم اذا عادوا الى جبل سيت.
وعلق لاحقا أحد العاملين في المجموعات الاغاثية على رغبتهم بالبقاء بقوله انهم يعيشون هنا حياة افضل من حياتهم هناك. وتحدث عن مخيمات يزيد قاطنوها بالآلاف خلال النهار عنه ليلا، وذلك لأن أبناء القرى المجاورة يأتون الى المخيم للحصول على المعونات بحجة انهم نازحون!
- آخر تحديث :















التعليقات