بعد صمتٍ دام شهرين عقب إقرار مشروع "الشرق الأوسط الأوسع" في اجتماع الدول الثماني بالولايات المتحدة، وفي اجتماع حلف الأطلسي بتركيا، عاد الأميركيون لتقييم "أقوالهم" (وليس سياساتهم) في التحبب الينا ومساعدتنا على إصلاح ديننا وشأننا العام، وتنسُّم نسائم الحرية والديموقراطية.
وقد تبيّن لكونداليزا رايس، مستشارة بوش لشؤون الأمن القومي، أن العرب ازدادوا كراهية للولايات المتحدة. وقد اعتقدنا إنها أمسكت بالطرف الصحيح للخيط عندما أكدت على ضرورة إيجاد حلّ للمشكلة الفلسطينية.
ذلك أن المطلوب ليس فتح الإذاعات والقنوات التلفزيونية أو إلقاء الخطب الرنّانة، ووضع الخطط لإصلاح شؤوننا الداخلية بالغزو أو بالأوامر والتعليمات؛ بل المطلوب تغيير السياسات في فلسطين والعراق، وتغيير النظرة الى طرائق التعامل مع العرب ـ وعندها لن تكون هناك مشكلة في "العواطف" ولا في العلاقات بين الدول.
بيد أن السيدة رايس ما لبثت أن تجاوزت القضية الفلسطينية لتتحدث عن شروط الانتصار في "حرب الأفكار" بعد الانتصار في الحرب العسكرية! وتذكرت ـ لا فُضّ فوها ـ في هذا الصدد أيام الأمجاد في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي. فيومها ـ كما قالت ـ كان الانتصار في حرب الأفكار (الحرية والديموقراطية) أهم من الفِرَق العسكرية وما يمكن أن تُنجزه. فقد ربحت الولايات المتحدة في الحرب الباردة، ليس بسبب قوتها العسكرية، بل بسبب قوتها الايديولوجية! ولذلك لا بد من بذل جهودٍ فكريةٍ وثقافيةٍ لكسب قلوب العرب، ولتنفيرهم من القاعدة، إذ كما أظهر تقرير الكونغرس حول أحداث 11 أيلول 2001، فإن تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن يمارسان جاذبية أكبر على العرب والمسلمين من الولايات المتحدة!
وهكذا تكون هناك فرضيتان؛ الأولى أن الولايات المتحدة مكروهة لدى العرب ليس بسبب سياساتها في فلسطين والعراق، وضغوطها على سيادة الدول الأخرى، واستقرارها، بل بسبب تقصيرها في الدعاية لنفسها ولأفكارها العظيمة، ومجابهة الأصوليين البنلادنيين بالحرية وبالديموقراطية، التي لم تنشرها بعد لكنها تنوي فعل ذلك، في العالم العربي كلّه. أما الفرضية الثانية فهي أن العرب مُحاصرون بين بن لادن والولايات المتحدة، وهم يميلون اليوم لبن لادن، ولذلك بشيء من الجهد والمِنَح التعليمية، وبرامج التواصل، سيرون محاسن النظام الأميركي، ويهتدون من خلالهم.
والوهم في هذه الفرضية لا يقلُّ عن الوهم الأول بل هو أكبر. فالعرب لا يعتبرون بن لادن خياراً ولا بديلاً، والمئات الذين يتبعون تنظيمه حزبيون ملتزمون، لكنه ليس شخصية قيادية مستقبلية.
وشأنه في الجاذبية وعدمها شأن الولايات المتحدة من وجه، ومختلف عنها أو هي مختلفة عنه من أوجه أخرى. فكما أن سياسات الولايات المتحدة الحالية تحول دون الاطمئنان أو الميل العربي اليها، كذلك انتحاريات بن لادن وعشوائياته لا تجعله خياراً مستحباً الى الإنسان العربي، إلا إذا صدّقنا أشكروفت، وزير العدل الأميركي العظيم، الذي قال قبل شهور: إن العرب والمسلمين يسعون للموت بمقتضى عقائدهم الدينية، بينما نحن في المسيحية نطلب الحياة التي افتداها الله بابنه الذي أرسله الينا لخلاصنا! ما الذي يضطر إنساناً الى الموت إلا ما هو أمرُّ منه، كما يقول المثل اللبناني.
بيد أن هذا هو وجه الشبه الوحيد بين بن لادن وأميركا بالنسبة لنا.
وللولايات المتحدة أوجُهٌ أُخرى كثيرة، ويكاد ثُلثُ مستقبل العالم أن يكون كامناً فيها، فضلاً عن نصف ماضيه القريب. وهي نموذج للمجتمع التعددي، وللعلاقة الرحبة بين الدين والدولة، وبين الدولة والمواطن. وكل هذه الإمكانات كانت تتبدّى لدى الولايات المتحدة في الأزمات والمراحل الحاسمة مثل حرب الاستقلال، والحرب الأهلية، والحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية. وبسبب التجربة التاريخية الزاهية والقريبة مع الولايات المتحدة، لا ننتظر نحن فقط، بل والأوروبيون والروس والصينيون.. إلخ، أن تعود أميركا لسويتها الطبيعية، أما إن بقيت على ما هي عليه الحال اليوم مع حروبها الاستباقية وادعاءاتها الرسالية، والعنجهية على العالم، والتسخُّر لإسرائيل وشارون، فسيكون ذلك مضراً بنا وبها وبالعالم.
و"الديبلوماسية العامة" التي تحدثت رايس وتحدثت وايتوايلر وتحدث تقرير الكونغرس عن فشلها، نموذج لما ينبغي تجنبه في العلاقات بين الدول والأمم: الإصرار على الكذب والإيهام على أمل أن يصدّق الناس ذلك أو يتظاهرون به، بسبب الإلحاح والضغوط.
- آخر تحديث :















التعليقات