هذه قصة طريفة جدا‏,‏ ولكنها بالإضافة إلي طرافتها تقدم إلينا معني يستحق منا أن نلتفت إليه وننتفع به‏,‏ وهو أن الأجيال السابقة كانت تهتم باللغة العربية اهتماما كبيرا‏,‏ وكانت تخجل من الوقوع في الأخطاء اللغوية‏,‏ وتجد أن كرامتها الاجتماعية والسياسية ومرتبطة بحرصها علي كرامتها اللغوية‏,‏ أي علي استخدام اللغة في موضعها والحرص التام علي عدم الوقوع في أي خطأ حين تكتب أو حين تخطب‏,‏ وهي كلها أمور لم يعد هناك حرص عليها ولا شعور بالخجل من التقصير فيها‏.‏ ولاشك أن ذلك كله من الظواهر السلبية التي نرجو أن وتختفي من ثقافتنا العامة‏.
والقصة الطريفة التي أشير إليها وصلتني في رسالة من الأستاذ الفاضل هاشم شطوري المحامي بالقاهرة حيث يقول‏:‏ قرأت مقالكم المنشور بـ الأهرام في‏2004/8/15‏ تحت عنوان الشيخ طه حسين يزور صديقه وفيه إشارة إلي مدي اهتمام عميد الأدب العربي طه حسين بمصححه الذي أنزنه منزلة الصديق‏,‏ حتي عندما كان يتولي منصب الوزير‏,‏ وهي قصة يجدر بكل من يمارس الكتابة أن يتأملها حتي لايتعرض مايكتبه للتلوث اللغوي الذي يفسد متعة المطالعة والمعرفة‏.‏ وبهذه المناسبة أحب أن أعرض عليكم قصة قريبة الشبه بهذه القصة‏,‏ وقد وردت هذه القاب الأديب والشاعر المرحوم العوضي الوكيل الذي ظهر ضمن سلسلة المكتبة الثقافية تحت عنوان مطالعات وذكريات عام‏1972‏ حيث يقول‏:‏ منذ ربع قرن من الزمان كنت أعمل في وزارة الأوقاف مديرا لمكتب وزيرها الأديب العالم إبراهيم دسوقي أباظه‏,‏ وجاء شهر رمضان المباصدت الوزارة من اعتمادات الخيرات مبلغا يوزع علي المحتاجين والفقراء‏,‏ وقطعت طريق الوزير ذات يوم سيدة من ذوات الحاجة‏,‏ وقدمت طلبها إلي الوزير يدا بيد‏,‏ فأشر الوزير علي طلب هذه السيدة بعبارة‏:‏ تمنح جنيهان من الخيرات‏,‏ ثم جاءت الطلبات كلها إلي مكسبيلها إلي التنفيذ فقمت بتوجيه جميع الطلبات إلي وجهاتها عدا طلب هذه السيدة لما لاحظته من الخطأ النحوي في تأشيرة الوزير‏,‏ فأخذت أتحين الفرصة لإعادة عرض الطلب عليه لإصلاح ما وقع من خطأ في تأشيرته‏.‏ فما كان لي أن أدع ورقة كهذه تمر وعليها مثل هذا الخطأ ميس جامعة أدباء العروبة التي كانت تضم صفوة الأدباء والشعراء ومنهم إبراهيم ناجي ومحمود غنيم وطاهر أبوفاشا وأحمد مخيمر وغيرهم‏,‏ ممن هم في مستواهم
وللوزير خصوم سياسيون سيجعلون من مادة هذا الخطأ موضوعا من موضوعات حملاتهم عليه في داخل البرلمان وفي خارجه‏,‏ وسيصورونه في صورة من يتعرض لما لا يحسنه‏,‏ وسيضعونه إلي جانب ذلك الوزير الذي أراد أن يحيل إحدي الأوراق إلي القلم القضائي فكتب عليها تحال‏..‏ إلم القضاقي‏,‏ لأنه ظن أن الهمزة مبدلة من قاف‏,‏ علي نحو مايفعل أهل الحضر في مصر من قلب القاف همزة حيث يقولون أهوة بدلا من قهوة‏,‏ كذلك ظن هذا الوزير‏,‏ فتصور أن كلمة قضاء هي في الأصل قضاق‏,‏ فوقع في خطأ شنيع ظل خصومه السياسيون يتابعونه به زمنا فونه بالأمية‏,‏ ومايتبع ذلك من عدم استحقاقه لمنصبه الرفيع‏,‏ فخشيت أن تمر ورقة الجنيهين وفيها هذا الخطأ‏,‏ لأني ارتأيت أن الفعل الذي يتعدي لمفعولين وهو يمنح بضم الياء إذا بني للمجهول كان المفعول به الأول نائبا للفاعل وظل المفعول به الثاني علي حاله م‏ لذلك كان يتعين أن تكون تأشيرة الوزير علي هذه الصورة‏:‏ تمنح جنيهين من الخيرات وليست تمنح جنيهان من الخيرات‏.‏ واختلف معي الوزير‏.‏ ولكي يتم وضع حد لهذا الاختلاف رأي الوزير أن نحتكم إلي رئيس تحرير مجلة الرسالة المرحوم الأستاذ أحمد حسن الزيات لأن الن معجبا بنثر الزيات وإنشائه‏.‏ واتصل الوزير بالأستاذ الزيات وشرح له الأمر‏,‏ فإذا به يتطوع بالحضور إلي الوزارة علي عجل ليبدي رأيه في هذه القضية النحوية‏,‏ وذلك بدلا من أن يذهب الوزير إليه كما اقترح الوزير في البداية وجاء الزيات‏,‏ وعلم الأدباء الموالوزارة بالأمر من أمثال المرحومين كامل كيلاني ومحمود عماد وعلي شوقي وإبراهيم ناجي وحسن السنديوني‏.‏ وانعقد مجلس التحكيم‏,‏ وأخذت أترافع كما يترافع المحامون أمام القضاء‏,‏ وكنت أدعم رأيي بالشواهد من دواوين الشعر وكتب الأدب والنحو‏,‏ وأخذ الوزير يؤيدقولات ومنقولات‏.‏ وانضم جميع الحاضرين إلي رأيي‏.‏ وأعلن الوزير عن اقتناعه برجحان الرأي الذي ذهبت إليه‏,‏ وأن سلطان العلم لايعلو عليه سلطان‏.‏ وانفضت المحكمة وال
تلك هي القصة الطريفة التي يرويها الشاعر الكبير الراحل العوضي الوكيل‏.‏ ولي علي هذه القصة بعض التعليقات والتوضيحات ألخصها فيما يلي
‏1‏ـ تولي إبراهيم دسوقي أباظة وزارة الأوقاف مرتين‏:‏ الأولي سنة‏1946‏ والثانية سنة‏1949.‏ ويبدو أن القصة التي يرويها العوضي الوكيل قد وقعت سنة‏1946‏ حيث يقول إنه يرويها بعد مرور نحو ربع قرن علي وقوعها‏,‏ وكان ذ
‏2‏ ـ كان إبراهيم دسوقي أباظة إلي جانب اشتغاله بالسياسة ووصوله إلي منصب سكرتير حزب الأحرار الدستوريين أديبا‏,‏ ومحبا للأدب‏,‏ وله كتاب قيم يضم عددا من مقالاته الأدبية والنقدية المتنوعة هو وميض الأدب بين غيوم السياسة‏.‏ والوميض هو الضوء السريع الخاطء البرق‏.
‏3‏ـ أنشأ إبراهيم الدسوقي أباظة جماعة أدباء العروبة وكان رئيسا لها وقد جمع حوله عددا كبيرا من الشعراء والأدباء منهم إبراهيم ناجي ومحمود غنيم والعوضي الوكيل وطاهر أبوفاشا وأحمد عبدالمجيد الغزالي وغيرهم‏.‏ وجماعة أدباء العروبة هذه تستحق أن تجد مؤرخا لها قصتها ويلقي ضوءا علي دورها في حياتنا الأدبية‏.
‏4‏ـ كان الوزير إبراهيم الدسوقي أباظة مثالا للسياسي المثقف الذي كان يحيط نفسه بالأدباء الموهوبين ويفتح أمامهم أبوابا متعددة للعمل الذي يساعدهم علي أن يعطوا لأدبهم مايحتاجه من جهد واهتمام‏,‏ كما فعل في وزارة الأوقاف‏,‏ حيث أتاح لعدد كبير من الأدباء أنا فيها تحت رعايته وتشجيعه‏,‏ وهذا موقف يذكره تاريخ الأدب لإبراهيم الدسوقي أباظة بكل التقدير والاحترام
‏5‏ـ خطر علي بالي وأنا أقرأ القصة التي كتبها الشاعر الكبير الراحل العوضي الوكيل أن أرجو بيني وبين نفسي ألا يكون الشاعر والوزير معا قد نسيا في حمي المعركة النحوية التي دارت بينهما أن يصرفا الجنيهين للمرأة المحتاجة أو يجعلانها تنتظر علي الأبواب حتي يتم تصح الخطأ النحوي في تأشيرة الوزير‏,‏ وأتمني ألا تكون تلك المرأة المسكينة قد تعرضت للحرمان من إنسانية الوزير بسبب الانشغال بإصلاح النحو
وأترك هذه القصة الطريفة بما يتصل بها من تعليقات وتوضيحات إلي عدد من الرسائل الأخري التي وصلتني حول موضوع اللغة العربية أيضا‏.‏ ومن هذه الرسائل رسالة طويلة وقيمة جدا من الأستاذ الدكتور عبدالرحيم الكردي أستاذ النقد والأدب الحديث ورئيس قسم اللغة العربية بكل التربية بالاسماعيلية ـ جامعة قناة السويس‏.‏ والرسالة طويلة‏,‏ وكنت أتمني أن أنشرها كاملة لولا ضيق المجال‏,‏ وأكتفي من هذه الرسالة الممتازة بما جاء في ختامها من اقتراح عملي‏,‏ آملا أن يتاح لرسالة الدكتور الكردي فرصة النشر بصورة كاملة في إحدي مجلاتنية‏.‏ يقول الدكتور الكردي في رسالته القيمة‏:‏ اللغة العربية اليوم التي كتب بها طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ والتي تذيع بها إذاعة لندن العربية هي لغة عربية فصحي تسير حسب قواعد ومعجم وبيان خاص‏,‏ ويفهمها الناس من المحيط إلي الخليج‏,‏ ولايجدون فيها ص ربما يتحدث بها بعضهم‏.
هذه اللغة هي اللغة العربية المعاصرة‏,‏ وهي جزء يسير من اللغة العربية التاريخية ذات الملايين من الكلمات والقواعد المهجورة والصيغ التي لايستخدمها الناس الآن‏,‏ فما الذي يمنعنا أن نأخذ قاموسنا اللغوي من هذه اللغة العربية المعاصرة‏,‏ ما الذي يمنع من صياغمستنبط من هذه اللغة وهو لن يتعارض مع النحو القديم بل سوف يتخفف من كثير من القواعد التي لاتستعمل‏.‏ ما الذي يمنع أن تكون هناك بلاغة جديدة ترصد الدلالات الحديثة للتراكيب والألفاظ‏.‏ ما الذي يمنع أن نبدأ بتعليم أبنائنا القواعد النحوية الأكثر شيوعا في هذه ة المعاصرة‏,‏ بدلا من حشو أذهانهم بقواعد لاتستعمل‏.‏ لقد فعل ذلك أهل اللغة الانجليزية عن طريق الاستعانة بالكمبيوتر‏,‏ فطوروا وسائل تعلم الانجليزية‏,‏ وفعلها أهل الصين‏,‏ وأهل
وأقول للدكتور الكردي إنه ـ فيما أتصور ـ لا يوجد مايمنع أبدا من تحقيق اقتراحاته العملية المفيدة غير الكسل الثقافي وضعف الرغبة في الإصلاح‏.
وفي رسالة قيمة أخري للأستاذ الكبير المستشار حسن مهران حسن نائب رئيس محكمة النقض ـ سابقا ـ رسالة يعلق فيها علي بعض ماورد في مقالي الشيخ طه حسين يزور صديقه خاصة ماقلته من أن المجمع اللغوي قد أباح استخدام كلمة القهوة بمعني المقهي‏.‏ وحول هذه النقطة يقول المشار حسن مهران حسن في رسالته‏:‏ أري أن كلمة المقهي هي الأصح لغويا ولا تغني عنها أو تسد مسدها كلمة القهوة‏,‏ ذلك أن القهوة ـ لغة ـ هي الخمر‏,‏ كما أن المقهي اسم مكان‏,‏ وهو الأوفي بالمعني والأنسب بما نحن
وأقول للمستشار إن استخدام كلمة القهوة بمعني المقهي هو أمر أقره مجمع اللغة العربية‏,‏ ونص عليه في قاموسه المعروف باسم المعجم الوسيط حيث يقول في مادة أقهي الجزء الثاني من المعجم ـ الطبعة الثالثة ـ صفحة‏794,‏ مانصه‏:..‏ والقهوة‏:‏ مكان عام تقدم فيه الوها من ألوان الشراب أما قول الأستاذ بأن القهوة معناها الخمر فهذا صحيح‏,‏ فالخمر هي أحد معاني القهوة‏,‏ كما أن من معانيها أيضا اللبن‏.‏ وهذا من ثراء اللغة العربية‏.‏ وكل مانرجوه هو ألا يكون هذا الثراء مصدرا من مصادر الارتباك ا