النجف - نزار حاتم: كثيرة هي الأسئلة، وكثيرة هي التشابكات المهمة التي حاولت جاهدا تفكيك خيوطها الخفية ليكون لـ «القبس» «قصب السبق» في رصدها بعناية مذ رافقت موكب المرجع الأعلى آية الله السيستاني في طريق عودته - الخميس الماضي - الى النجف.

لست معنيّا بتاريخ اللحظات وتوثيقها، بقدر عنايتي باستنطاق الأمور الجارية في أعماقها، لذا لم أكن مكترثا بانقطاع التيار الكهربائي الذي تسبب في عدم موافاتي لـ «القبس» بالرسائل - أولا بأوّل - حيث ينعدم الانترنت في المدينة الجريحة، مادامت الرحلة الى هذه الأعماق لم يسبقنا اليها أحد.

عشية وصول السيستاني الى النجف عرضت - في اتصال هاتفي - على السيد محمد بحر العلوم عضو مجلس الحكم الانتقالي السابق رغبتي في التوجه معه لاستقبال المرجعية انطلاقا من قناعتي بأن السلطات ستعمد الى ايقاف السيارا ت على مسافة بعيدة من مداخل المدينة للتخفيف من شدة الزحام، وبالتالي يصعب علي الوصول الى النجف مشيا على الاقدام تحت وطأة الحر الشديد لو كنت استخدمت سيارتي في هذه الرحلة.

لا أنسى لبحر العلوم ترحيبه بي واصطحابي معه الى جانب ولده الدكتور ابراهيم بحر العلوم وزير النفط السابق في سيارته الخاصة التي انطلقت بنا في الساعة السادسة صباحا - بين ست سيارات خاصة بأفراد حمايته المدججين بالسلاح.

سلك بنا قائد الحماية طريقا غير الطريق المألوف من بغداد الى النجف لاسباب أمنية، فقد سار موكبنا باتجاه محافظة الكوت، قلت له: سيدنا الى أين نحن متجهون؟ وعقب فراغه من بعض الأدعية التي كان يتلوها بهمس رد علي قائلا: «سنتجه الى النعمانية ومنها الى الشوملي، ثم الديوانية، ثم ناحية غمّاس،حتى نصل الى المشخاب لنحط فيها رحالنا ونتناول غداءنا الذي أعدته عشائر الفرات الأوسط، ومن هناك نجري اتصالاتنا لمعرفة وصول موكب المرجعية الى الطريق الذي لا يبعد عنا سوى اربعة كيلو مترات، وما ان يخبرونا باقتراب وصوله الى هذا الطريق نتجه فورا للالتحاق بموكبه».

وبالفعل لم ينقطع الهاتف عن الاتصالات المتتالية - كل نصف ساعة تقريبا- لمعرفة المكان الذي وصله موكب السيستاني.

في الأثناء جاءنا السيد علي الغريفي احد مساعدي السيد بحر العلوم ليخبرنا ان المواجهات في النجف على اشدها، ووسط حشد من ابناء العشائر الجالسين معنا بدا بحر العلوم أكثر قلقا وردد أكثر من مرة عبارة «اليوم الله وحده الحافظ، لقد دعوت السيد السيستاني وهو في لندن الى التريث في العودة، لا ندري ماذا سيحدث» ثم تناول الهاتف واتصل بكل من وزير الدفاع حازم الشعلان ومحافظ النجف مخاطبا اياهما بشدة «ما معنى هذا التصعيد والسيد سيصل بعد ساعة تقريبا؟».
ردا عليه «سوف نعلن وقف النار بعد نصف ساعة»

تنفسنا الصعداء وردد ابناء العشائر احتفاء بهذا النبأ «يصل بالسلامة ان شاء الله».
تناولنا طعام الغداء على عجل بعد ان تلقينا نبأ وصول السيد السيستاني الى الطريق المجاور لنا بعد نحو عشر دقائق.

رابطنا على قارعة الطريق حتى وصل موكبه فالتحقنا به، فيما كانت حشود المستقبلين على جانبي الطريق تحاول ان ترمي بنفسها على السيارة التي كانت تقل المرجع الأعلى لولا وجود أعداد كبيرة من أفراد الحماية الذين كانوا يتقدمون - راجلين - موكب السيارات ليفسحوا لها مجال المرور.

ولأن سيارة السيستاني مظللة لم يستطع احد من بين هؤلاء الآلاف رؤيته، حاولوا أن يرموا بأنفسهم على عدد من السيارات التي يشتبهون في انها تقله ومن بينها سيارتنا لوجود السيد بحر العلوم بزيه الديني.
وعلى مقربة من النجف تبادلنا فيما بيننا الأسئلة ، «هل سيتجه الى حرم الامام علي، أم الى منزله؟».

دخلنا المدينة فاستدار موكبه الى منطقة حي السعد، استغرب بحر العلوم «شيسوي بحي السعد» ثم استدرك بالقول «ها، توجه الى منزل وكيله الشيخ عبد الغفار».
قلت له: سيدنا ونحن الى اين نتجه؟
قال «الى منزلي في منطقة الحنانة».

كان التعب قد أرهقنا فعلا، رميت بنفسي على السجادة المفروشة في صالة الاستقبال، فغفوت اكثر من ساعة ثم صحوت على اعلان بنود الاتفاق الذي تم بين المرجعية والسيد مقتدى الصدر، ثم ترحيب الحكومة بهذا الاتفاق.

مجموعة من شباب آل بحر العلوم دخلوا علينا، معربين عن استغرابهم لابرام الاتفاق بهذه العجالة، سألناهم عن سبب عدم توجه السيد السيستاني الى الصحن العلوي، فردوا «كيف يتوجه والطريق الى الصحن فيه الكثير من القنابل العنقودية والألغام التي لم تنفجر؟».

بقينا حتى الثالثة صباحا نتداول في ما بيننا أمر هذا الاتفاق، والعودة المفاجئة للسيد السيستاني فيما كان مقررا ان يقضي فترة نقاهة في العاصمة البريطانية، وكلما اثرنا سؤالا لا نجد له جوابا مقنعا سارع السيد بحر العلوم الى اجراء اتصال هاتفي مع وكلاء السيستاني وبعض العلماء الذين بقوا مثلنا ساهرين على وقع هذا الحدث.

الجميع كانوا مثلنا يضربون أخماسا بأسداس باستثناء البعض الذي أشار الى ان قرار السيد بالعودة لم يخبر به أحدا من مرافقيه بمن فيهم ابنه السيد محمد رضا الا قبل ثلاث ساعات من التوجه الى المطار.

والجميع ايضا تساءلوا عن سبب ترحيب الحكومة بالاتفاق على الرغم من انه لم يشر من بعيد او قريب الى حل «جيش المهدي »، «أليس من الأفضل للحكومة الاستجابة الى دعوة مقتدى للتفاوض بهذا الشأن؟».

ثم كيف يعلن قائد شرطة النجف عن وجود السيد مقتدى في السليمانية، وقد استقبله السيستاني لمدة ساعة؟

البعض عزا ذلك الى وجود صفقة دولية، والبعض الآخر أشار الى أن الحكومة قد أدركت أن السيستاني قد حصل من خلال استقباله الجماهيري الحاشد على بيعة شعبية ساحقة لم يعد معها بامكان الحكومة سوى ممالأته والإيحاء بالتماهي مع قراراته، وكذلك الأمر بالنسبة للطرف الآخر.

هذه الأسئلة وغيرها كثير ينبغي ان احصد اجوبتها عاجلا أو آجلا لانها وحدها التي ستغفر لي امام رئيس التحرير التريث في ارسال رسائلي للجريدة طيلة فترة وجودي - ثلاثة ايام - في النجف.

الساعة السابعة صباحا من يوم الجمعة الفائت تسللت خلسة، كي لا اوقظ النيام، من بيت بحر العلوم باتجاه فندق بحر النجف الذي يسكنه الصحافيون، وقد تساءلت مع بعض من اعرف منهم -على مائدة الافطار- عما اذا كانوا توصلوا الى حيثيات الاتفاق على الأقل؟

لم اتلق منهم غير عبارة «والله ننتظر ونشوف، ومن المحتمل أن يأتينا اللواء غالب الجزائري قائد شرطة النجف ليعقد مؤتمرا صحفيا هنا في الفندق لنستوضح منه الأمور».

ولماذا انتظر مؤتمرا صحفيا محتملا، فغالب الجزائري صديق لي كنت واياه في زنزانة واحدة في سجن «ابو غريب» في زمن النظام السابق.

توجهت الى أحد ضباط الشرطة في ميدان ثورة العشرين، وليتني لم أفعلها لأني اصبحت على بعد امتار من تبادل اطلاق نار مفاجئ بين عدد من عناصر الشرطة بالقرب من الميدان وعناصر أجهلهم، فيما كان عدد من افراد الشرطة يصرخ في وجهي «ارجع انت تريد تموت؟ ما تسمع الرمي؟».

هل العودة تنفعني؟ لا أعتقد، والأفضل أن آخذ وضع الانبطاح على الأرض ريثما يتوقف الرمي الذي دام نحو خمس دقائق. واصلت بعده السير باتجاه تجمع الشرطة الذين طلب بعضهم ان التقط لهم الصور، ثم سألت واحدا من الضباط عما اذا كان بامكانه ان يأخذ بيدي الى غالب الجزائري مؤكدا انه صديق مقرب لي.

قال انتظر سأنادي على مركز القيادة بالجهاز اللاسلكي الذي كان بيده.
ثم نادى «واحد (1) شرطة سيدي كيف تسمعني أجب».
فرد عليه : «تفضل ابني».

«العفو سيدي هذا شخص يدعى نزار حاتم ويدعي انه صديق سيادتك».
قائد الشرطة: «بسرعة هيئ له سيارة وجيبه الي».
تيقن الضابط من انني صديق قائده فبدأ يلاطفني طيلة الطريق، واصطحبني حتى أدخلني عليه في غرفته وهو محاط بعدد من الضباط، بينهم ضباط أميركيون، لا أنسى أن عينيه التمعتا بالدمع وهو يعانقني، ربما تذكر عذاباتنا المشتركة في سجون الوثن الساقط، ثم التفت إلى الحاضرين، واضعا يده على كتفي وهو يردد على مسامعهم «هذا اخوي كان معي في زنزانة واحدة».

لم يدم طويلا مقام ضيوفه، فقلت له: الحمد لله لقد ذهبوا بسرعة وأنا اريد أن اعرف من فمك الحقائق؟
- اسمع أنا دعوت الضباط الأميركان الى هنا لأننا ضبطنا بعض عناصر جيش المهدي وبأيديهم أجهزة اتصالات تابعة للجيش الأميركي وفيها شفرات مهمة، فضلا عن أنواع الأسلحة؟

gt; وكيف حصلوا على مثل هذه الأجهزة؟
- من القتلى الأميركان أثناء المعارك.

gt; يمكن أن تريني عناصر جيش المهدي المعتقلين لديك؟
- تعال، ثم اصطحبني الى شخص كان قد قبض عليه للتو، ولا تزال بقع الدماء على دشداشته واضحة، التقطت صورة له ولبعض الأسلحة، ثم بادرني اللواء غالب بالقول «نزار راح ندخل للسجن وانا اعلم ان فيه بعض الأبرياء، سنطلق سراحهم لاحقا، فإياك أن تلتقط أي صورة لأن هذا ممنوع ويؤثر علي».

دخلنا الى السجن المزدحم بعدد كبير من الشباب، وقد زعم اغلبهم انه جاء لاستقبال السيستاني وقبض عليه في الشارع، ولا علاقة له بجيش المهدي.

وعقب خروجنا من السجن شدد علي قائد الشرطة ان اتوجه معه لتناول طعام الغداء في مديرية شرطة الحدود بدعوة من مديرها اللواء حسن عويز الغزالي.

امتثلت لرغبته وتوجهنا معا الى المديرية، حيث تناولنا مائدة منوعة أعدت بعناية في ظل ظروف معقدة جدا.

وخلال تناولنا الطعام شدد قائد شرطة الحدود على القول «أرجوك أن تنقل دعوتي الى دول الجوار للحيلولة دون تسلل العناصر الأرهابية الى العراق».

gt; هل ضبطتم أحدا من مواطني هذه الدول؟
- طبعا، لقد اعتقلنا سوريين، وايرانيين، وسعوديين، وأفغان، وليبيين، ومعهم أشياء غريبة.

gt; ما هي؟
- ضبطنا في حوزتهم خرائط دقيقة حددت فيها الاهداف التي ينفذون فيها اعمالهم الارهابية، وأجهزة ملاحة متطورة مرتبطة بالأقمار الصناعية لتحديد المواقع البحرية، وأجهزة اضاءة خاصة، واجهزة اتصالات عالية التقنية.

gt; عجيب؟
- نعم هاي الحقيقة، قضيتنا وراها دول؟

gt; هل اعترف هؤلاء بأشياء مهمة خلال التحقيق معهم؟
- صعب يعترفون لانهم يعتقدون ان اعمالهم استشهادية في سبيل الله.

اراني اللواء حسن كثيرا من هذه الاجهزة المذكورة، واللافت ان ليس بامكان من لا يتقن الانكليزية استخدامها بعد ان قام بتشغيلها امامي.

عقب انتهاء ضيافتنا لدى قيادة الحدود توجه بنا اللواء الجزائري الى محل اقامة السيد السيستاني، وعلى مقربة من البوابة جردني الحراس من عدتي الصحفية (فلا كاميرا، ولا مسجل، ولا هاتف نقال ولاهم يحزنون).

قلت للسيد غالب ما تفعل هنا؟
- كيف؟، التنسيق قائم بيننا وبين مكتب السيد في كل الأمور، وأنا الآن بصدد توجيه قواتي للدخول الى النجف القديمة بعد ان تم اغلاق الصحن بأمر المرجعية، يجب أن نؤمن المنطقة.

دخلنا الى مكتب السيد فلمحت حامد الخفاف الذي اعلن بيان الاتفاق والذي تربطني به علاقة طيبة، فناديت عليه بين زحام المعممين والأفندية في داخل المكتب.

ثمة سيد معمم لم يبلغ الأربعين كان واقفا يستقبل الوافدين، اصطحبني اليه الخفاف هامسا بأذني «هذا السيد محمد رضا السيستاني نجل المرجع الأعلى».

بعد ان سلمت عليه قلت ياحامد دعني التقيه منفردا؟
- ان شاء الله في وقت لاحق فهو مشغول جدا الآن.

بالفعل كان مشغولا جدا، حيث يدخل على عجل الى بعض الغرف التي يجلس فيها كثيرون أجهل مهماتهم.

حدثني الخفاف الذي رافق السيستاني في رحلته العلاجية الى لندن بما يلي «لم نكن نتوقع قرار السيد بالعودة في هذه الطريقة، فقد دعانا فجأة الى تنظيم أمور العودة بلا سابق انذار، حاولنا اقناعه بالتريث ولكن دون جدوى».

gt; هل كان يتابع أحداث النجف؟
- أولا بأول، ويطالع عددا من الصحف الصادرة بالعربية كل صباح بعد خروجه من المستشفى.

gt; دعني أسلم عليه اذا ممكن؟
- ممكن ولكن اياك ان تسأله بأي شيء، سلم واخرج بسرعة.

بالفعل دخلت الى غرفته، وكان أمامي مجموعة، كل واحد يأخذ دوره بالسلام ويخرج حتى جاء دوري فسلمت عليه قائلا «الحمد لله على السلامة سيدنا».

- الله يرعاكم.
كان جالسا والى جانبه عدد من كبار العلماء، وهو يحدق في وجوه الداخلين الى الغرفة.
قلت للخفاف «السيد سيتعب كثيرا بسبب استقباله هذا النهر البشري».
- لا، فقد خصصنا لذلك ساعة فقط يوميا.
خرجت ابحث عن غالب قائد الشرطة فيما كان هو بانتظاري عند البوابة الرئيسية، ثم بادرني «يالله يا اخي ماعندنا وقت كثير، فقد وافق مكتب السيد بدخول الشرطة الى الحضرة وتأمين المنطقة، وانا سأفعل ذلك فورا، ثم نادى بجهازه الخاص على جميع افراده داعيا اياهم الى التجمع في ميدان ثورة العشرين».

وصلنا الميدان فوجدناهم مجتمعين فيما كان بعضهم يستقل سيارات مكشوفة وبأيديهم أسلحتهم كما لو أنهم سيصولون على عدو في هذه اللحظات.

كان بعضهم خائفا بشكل واضح فيما كان الجزائري يصدر تعليماته التي فهمت في ما بعد انها وصايا صادرة عن مكتب المرجعية.

قال لهم «نحن سننطلق الآن بالرتل وبهدوء تام واحذروا استفزاز احد، ولا تطلقوا النار الا اذا تعرضتم لهجوم، ورددوا اثناء السير عبر مكبرات الصوت: «الصلاة على محمد».

لم يخطر ببالي أن يصطحبني الجزائري معه في هذه المهمة، خصوصا ان اطلاق النار المتبادل مازال يسمع بين الفينة والاخرى رغم اعلان الاتفاق.

قال لي غالب وهو يناولني «الواقية من الرصاص» البس، نحن الآن متوجهون الى معركة محتملة.

قلت له مازحا «شنو انت تريد تقتلني اليوم» وأعلم ان مثل هذا الكلام لا يعنيه كثيرا فهو كان قبل اعتقاله ضابط مدفعية شرسا للغاية، حتى ان البعض كان ينعته بالجنون.

رد علي «شنو أنت روحك اعز مني، اصعد اصعد».

يا الهي هذا صحيح مجنون، هل ارفض التوجه معه فاترك للسانه الذرب مجالا لوصفي بالجبان أم أتوجه معه في رحلة الكيلو مترات الخمسة العسيرة والمليئة باحتمالات المواجهة، أو التعرض للقناصة الذين ما زالوا محتمين في بعض المباني على جانبي الطريق؟

قلت له تفضل فصعد وصعدت معه في سيارته، ثم أصدر أمرا بالتحرك فتحركوا جميعا، كانت سيارتنا في الوسط، وغالب لم يفتر عن توجيه النداءات الواحد تلو الآخر «لا تسرع، توسط الشارع تحاشيا للألغام على جانبي الطريق، زمال صوب بندقيتك باتجاه الشارع».

وصلنا بالسلامة الى جوار الحضرة، ها هي النجف القديمة التي شهدت اشرس المعارك، فقد عاثت فيها القذائف خرابا، أكوام من التراب والنفايات، سيارات محروقة،في كل الشوارع المتاخمة للحرم، واجهات المحلات كما لو انها لبست ثيابا من الدخان الأسود، روائح كريهة تنبعث من كل مكان، قيل انها روائح القتلى.

المياه غمرت بعض الشوارع بسبب تكسر الصنابير، فاستحالت الى برك آسنة، فيما بدأت السيارات الخاصة بالتنظيف، تتوجه الى المدينة قيل انها جاءت من كربلاء، كما وصل عدد من رجال الهلال الأحمر.

الجميع كانوا حائرين حيال مهماتهم وسط انباء متتالية عن وجود قنابل عنقودية، وقذائف مدفعية، وهاونات لم تنفجر.
في هذه الأثناء وصلت فرقة خاصة بتفكيك المتفجرات أكد بعض أفرادها على ضرورة استقدام رافعات من اجل رفع الأنقاض من المباني التي هوت على رؤوس من كانوا تحتها.

ثمة عمارة رقدت بالكامل الى جانب نفق هو الآخر تحول الى ركام.
قيل ان تحت هذه المباني الممسوحة بالأرض كثيرا من القتلى، وكثيرا من الأسلحة، ومن غير المستبعد أن يكون انفجار بعض القنابل في داخل هذه العمارة هو الذي تسبب في تدميرها.

الحرم كان مغلقا بأمر من المرجعية فلا أحد يدخل اليه الا من أذن له من أوكله المرجع مهمة استلام المفاتيح هو السيد محمد رضا الغريفي.

كنت مشدوها بهذا الخراب الذي طال مباني المدينة وشوارعها المؤدية الى الحرم، خرق بالية، ونفايات تعبث بها الريح فتصيب الماشين بين اوساطها، حتى اسماء المطاعم والمحال التجارية لم تخطئها القذائف.

في هذه الأثناء سمعت ان الصحافيين توافدوا على الحرم ليسمح لهم بالدخول اليه بغية مشاهدة مبناه الداخلي الذي يحتضن الضريح.

تجمعوا بأعداد كبيرة عند أحد المداخل، فخرج عليهم أحد المسؤولين عن الحرم قائلا «بأمر السيد، لا اعلام ولا مقابلات.. رجاء اتركونا فاننا مشغولون جدا، وسنسمح لكم بالدخول عقب اسبوع ان شاء الله».

حسبت من خلال هذا الكلام ان اضرارا حقيقية قد لحقت بداخل الحرم، وربما بالضريح نفسه، بعد أن كنت رأيت الاضرار التي لحقت بالجدار الخارجي، وبالنوافذ الخارجية المصنوعة من الخشب.

اتصلت بأحد معارف السيد الغريفي ليسمح لي الأخير بالدخول بعد أن شاهدت وفدا من الوقف الشيعي قد دخل.

لم يطل انتظاري امام البوابة حتى ناداني شخص باسمي، وبعد ان تعرف على هويتي قال تفضل ان السيد قد أذن لك بالدخول الى الحضرة.
سلمت على السيد الغريفي، ولما شاهد الكاميرا بيدي، قال «يابني ليش تصور هل نحن الآن بحال التصوير؟».

سيدنا يجب أن نوثق هذا الحدث؟
- «بكيفك لكن انا موراضي بصراحة»، حاولت أن اتغاضى عن سماع هذه العبارة فدلفت الى الضريح، وجدت اعضاء وفد الوقف الشيعي مصطفين لأداء الزيارة فاصطففت الى جانبهم، وبعد ان فرغوا من اداء هذه المراسم التقطت بعض الصور للضريح، والأواوين التابعة له، ثم قمت بجولة في داخل الحرم، لم أجد كغيري من الداخلين اي أضرارقد لحقت مباشرة بالمرقد.

طيور الحمام التي كانت بالمئات تتودد للزوار وتخفق باجنحتها على مقربة منهم، بدأت تعود الى الحضرة العلوية، انها مصاديق السلام الذي حل بعد ان كانت فرت مذعورة على هدير المدافع وأزيز الطائرات.

سألت أحد السدنة (خدام الحضرة) عما اذا كان اطعم هذه الطيور التي بدت جائعة فعلا لأنها كانت تدسُ مناقيرها في الفرش المبثوثة بحثا عن الطعام.
قال لي «والله ما ادري».

اعطيته مبلغا لشراء الحبوب لها فرد علي «جزاك الله خيرا». فيما بدأ رجال متطوعون بغسل الحرم وتنظيفه، بينما باشرت فرقة هندسية البحث عن قنابل محتملة.

وخلال هذه الجولة في داخل الحضرة العلوية رأيت عددا من الاشخاص ينحنون على قبر المرجع الديني الراحل ابو القاسم الخوئي في داخل الحضرة، بينما لاحظت في داخل القاعة التي كان يلقي فيها دروسه على طلابه «بطانيات، ومخدات، وقطنا ابيض لم تنله الاوساخ مبثوثا في وسط هذه القاعة».

أحد العاملين همس في أذني هنا كان يتحصن اعداد من «جيش المهدي»، ثم اصطحبني الى غرفة صغيرة جدا تابعة للقاعة، كان خصصها أفراد هذا الجيش مخزنا للأدوية الطبية الخاصة بالأسعافات الأولية.

خرجت مع غالب من الحضرة، فاستقبلنا أحد عناصره ليخبر ان مسؤول المحكمة الشرعية التابعة لسيد مقتدى الصدر لم يسمح لأفراد الشرطة بدخول المحكمة.

وكعادته في حب المجازفة توجه اللواء غالب وانا خلفه الى بوابة المحكمة، لم نستطع الاقتراب منها بسبب روائح الموتى، فقد كانت تحبس الأنفاس.

علمت فيما بعد أن الشرطة قد دخلوا اليها بعد مفاوضات سلمية أجراها المحافظ مع المسؤولين في مكتب الصدر.
مكتب الصدر تدلك عليه لافتة كبيرة مكتوب عليها «الصدر لا يساوم، وكلنا نقاوم».

كيف أدخل هذا المكتب الذي كنت زرته خلال لقاء اجرته «القبس» مع السيد مقتدى بعد سقوط النظام السابق بأيام قليلة، لا شك - كنت اتحدث مع نفسي - قد استهدفه القصف الجوي والمدفعي؟
قلت لحراس المكتب «انني كنت اجريت لقاء مع السيد مقتدى في هذا المكان ويعجبني أن أراه الآن».

رد علي «انتم الصحافيون لا تنقلون الحقائق ولا تخافون الله من الكذب».
gt; ليس كل الناس سواسية يا عزيزي؟

- انتظر قليلا.
عقب خمس دقائق جاء ليخبرني بالسماح لي بدخول مكتب مقتدى.
بالفعل فقد دخلت واستقبلني السيد هاشم ابو رغيف احد مسؤولي المكتب.

gt; هذا المكتب كان يغص بالوافدين، والآن هو خال الا منك وحدك؟
- ستعود الأمور الى طبيعتها ان شاء الله قريبا.

gt; كيف؟
- السيد السيستاني الله يحفظه هو الذي تكفل بالأمور الآن، ولا بد من ان يعيد الحقوق الى أهلها.

gt; كيف معنوياتكم؟
- عالية جدا، والذين قاتلونا يعرفون ذلك جيدا.

gt; هل كان بامكانكم مواصلة القتال؟
- بلا شك لدينا ما يكفينا من السلاح والمواد الغذائية باستثناء الخبز ما يكفينا لمواصلة المعركة لمدة شهر على الاقل، وكما تعلم هم حاولوا حسمها لمصلحتهم قبل ان يصل المرجع الى النجف فلم يتمكنوا، اسألهم عن أسراهم الذين أطلقناهم أمس الأول السبت وعن عدد قتلاهم الذي لم يعلنوا عنه.

gt; لا حظت علب مشروبات كحولية من على شاشة التلفزيون في محكمتكم؟
- ضحك، ثم قال «انت مو عراقي نسيت سوالف صدام في محاولة تشويه سمعة خصومه».

gt; كيف؟
- يا اخي لما سمحنا لهم بدخول المحكمة كنا خرجنا جميعا منها، فدخل بعض عناصر الشرطة ووضع هذه العلب بين الجثث ثم دعا الصحافيين للدخول اليها من اجل تصويرها، ولو افترضنا انها لنا كان بامكاننا اخراجها معنا.

gt; لقد وجدت لدى الشرطة الختم الخاص بالمكتب كيف حصلوا عليه، وأنا اعلم اهمية هذا الختم وعادة العلماء في الحرص عليه كيلا يستخدم في امور شرعية كثيرة؟
- صحيح ولكن داهموا احد المنازل الذي كنا وضعنا فيه هذا الختم مع مبالغ مالية.

gt; كم تبلغ هذه الأموال؟
- لا ادري تحديدا ولكن سمعت حوالي عشرة آلاف دولار.
خرجت من المكتب وعلي أن أعود لأن كل شيء في شوارع النجف القديمة مازال ينذر بالرعب والقلق.
أجل يجب أن أعود لأستريح من هذا العناء، كي اواصل تقصي الغاطس من الحقائق والحيثيات المتصلة ببعض مفردات هذا المشهد، لنشرها في رسالة لاحقة.