عندما تصفُ الأقلية البرلمانية وجودها في المجلس النيابي بأنه مجرد « ديكور ديموقراطي » وتلوح بمقاطعة الانتخابات النيابية المقبلة » إذا لم تسمح لها الحكومة بممارسة دورها في المعارضة الإيجابية « فإنها بهذا تتمسك بفهم خاطىء جداً للديموقراطية وإنها في حقيقة الأمر تروج لديكتاتورية الأقلية التي لم يمنعها احد من ان تكون أكثرية .
وهنا فلعل ما غاب عن بال هذه الأقلية ، التي كانت ذات يوم مُشارِكة في الحكم بحصة مجزية ، إن المعارضة سواءً كانت إيجابية أو سلبية لا تُستجدى إستجداءً ولا تـُمنح مِنْحة وإنما تُنْتَزعُ إنتـزاعاً .. ثم وإذا كان حزب جبهة العمل الإسلامي يرى ان مجلس النواب ضعيفٌ فإن عليه ان يعطي إبراً منشطة لنوابه الذين يمثلون الكتلة الحزبية الأكبر في البرلمان كي يصبح هذا المجلس قوياً .
كل حكومة بالنسبة للأنظمة الديموقراطية ، من السويد في الغرب الى الهند واليابان في الشرق ، تسعى وتعمل لتكون معارضتها ضعيفة ولتكون الكتلة الموالية لها قوية ونشطة وفاعلة والمطلوب من هذه الحكومة ، التي يلمس الشارع الاردني أنها تفرط بهذا الحق في بعض الأحيان ، ان تعزز جبهة الموالين لسياساتها ومواقفها في البرلمان كي تستطيع تنفيذ الإلتزامات التي ألزمت نفسها بها إن في إتجاه المسائل السياسية وإن في إتجاه المسائل التشريعية .
غير صحيح على الإطلاق ان هذا البرلمان ، في ضوء تجربة نحو عام من عمره ، كان ضعيفاً وذلك رغم ان الاقلية أرهقته في الكثير من الاحيان ببعض القضايا الجانبية والثانوية وبقضايا لا تعتبر من أولويات المواطن الاردني ، اللهم إلا إذا كان المطلوب ان يكون مجلس النواب ومعه الديموقراطية مطية لهذه الأقلية وحدها ولا يحق للحكومة ، حتى الحكومة ، ان تسعى لأن تمرر من خلالهما توجهاتها التشريعية ومواقفها السياسية .
إن المعارضة الإيجابية ، حسب المعايير الديموقراطية ، تقتضي تجنب المواقف المـُناكِفة ، وتقتضي عدم الخبط خبط عشواء وعدم رفض كل شيىء تطرحه الحكومة حتى وإن كان هذا الشيىء من القضايا التي تحظى بالإجماع الوطني العام وإنها سلبية ما بعدها سلبية أن تُشغل الأقلية « المـُدلَّلة جداً » في هذه المرحلة الحكومة والبرلمان بالتعرُّض العبثي وبالقضايا الثانوية وبالأمور المفتعلة وبالمعارك الجانبية وبالعديد من المسائل الخارجية التي لا يعتبرها الأردنيون من إهتماماتهم الرئيسية .
ليس من الديموقراطية في شيىء ان يعتبر تنظيم حزبي نفسه بقرة مقدسة لا يجوز الاقتراب منه ولا إنتقاده ولا الإشارة الى أخطائه .. والديموقراطية هي أخذ وعطاء وهي ان تُشرِّعَ أبوابك للمخالفين والمعارضين بمقدار ما يشرع الآخرون أبوابهم لك وهي ان تنتظر من الحكومة ان تهاجمك بمقدار ما تهاجمها وان تسعى لتعزيز جبهة مؤيديها بمقدار ما تسعى انت لتعزيز جبهة مؤيديك فالحكومة لها برامجها وسياساتها كما انه لك انت برامجك وسياساتك وان من حق الحكومة ان تلجأ الى كل الوسائل الدستورية والقانونية لتمرير هذه السياسات والبرامج ، كما أنه يحق للأقلية إستخدام هذه الوسائل نفسها لتمرير برامجها ومواقفها السياسية.
- آخر تحديث :















التعليقات