إذا كانت ظاهرة عودة الأبناء الى السلطة ولو بعد انقطاع قد برزت على نحو لافت في الجمهوريات الآسيوية كالهند وباكستان وسيريلانكا وبنغلادش واندونيسيا.. وغيرها، فإن انتقال السلطة في سنغافورة الى ابن مؤسس الدولة هذا الشهر إنما يضيف الى هذا النموذج التنموي الآسيوي المتميز بعداً إضافياً يستحق الملاحظة والتعليق.
فهذه الدولة ـ المدينة تحولت في فترة زمنية قياسية من مجرد ميناء آسيوي استوائي صغير ومتخلف الى دولة عصرية تقوم على ركائز صناعية وتقنية ومالية عالية جعلتها تحتل موقعاً مرموقاً في قائمة الدول المتطوّرة الغنية.
وقد ارتبط هذا التحول الاستثنائي بثلاث سمات لازمت مسيرة سنغافورة منذ تأسيسها ككيان سياسي (حكم ذاتي) ثم كدولة مستقلة (ذات سيادة) وحتى يومنا هذا.
وقد شكلت "الفرادة" أولى السمات حيث تجلت فرادة التجربة السياسية في القاعدة التأسيسية التي قامت عليها الدولة، فهي الوحيدة في محيطها الآسيوي التي حملت صفة الدولة ـ المدينة فمساحة الدولة لا تتجاوز الستمائة كلم2 (المدينة والميناء مع الريف) ومواردها البشرية والطبيعية كانت متواضعة الى حدٍ كبير.
وفرادة التجربة الكيانية تمثلت في قيام الكيان السياسي على قاعدة عرقية طائفية (صينية ـ كونفوشية) وعبر عملية سياسية قيصرية استعمارية (انفصالية) واستمرت سنغافورة كائناً سياسياً حيوياً رغم وجودها وسط أعرق الأجناس البشرية (الملايو) وبين محيط إسلامي (ماليزيا واندونيسيا).
وتأسيساً على تلك الفرادة جرى الاتجاه نحو تكريس الشخصية القومية الخاصة ونحو تعزيز الشعور بالانتماء لوطن قومي واحد متميز مع نظرة عليائية الى المحيط، وسياسة إلحاقية تجاه الأقليات الداخلية (مسلمون وهندوس وبوذيين) رافقت بناء النموذج السنغافوري سلطوياً واقتصادياً وثقافياً.
فالنموذج السلطوي الدستوري تمثل في تكريس سيادة العرق الصيني وزعامة القائد المؤسس بعد إنجازه عملية الانفصال عن الاتحاد الماليزي، واعتماده عملية ديموقراطية على الطريقة الغربية تسمح بسيادة حكم الأغلبية بالحزب الحاكم (حزب العمل الشعبي) وتتويج الزعيم الأوحد (لي كوان يو).
أما المكون الآخر للنموذج السنغافوري فتمثل في التجربة التنموية الفريدة اقتصادياً وتقنياً، فتواضع الإمكانات البشرية والاقتصادية (عدداً) لم يمنع استثمارها الى الحد الأقصى (نوعاً) عبر خطط وبرامج مكثفة للتدريب والتعليم والتحديث والتطوير نجحت في تحويل البلاد الى مركز صناعي ـ تقني ـ استثماري وتجاري، مما أهلها لتكون أول "النمور الآسيوية" وأكثر دول المنطقة تطوّراً وتاسع أغنى دولة في العالم من حيث دخل الفرد السنوي (22 ألف دولار).
وبين الفرادة الكيانية والنموذج الاقتصادي كانت الثنائية والازدواجية مرافقة لمسيرة الدولة، حيث تجلت على المسرح الداخلي في سياسة الجمع بين الديموقراطية الانتخابية وبين الديكتاتورية الشرعية، بين الحزب الحاكم باسم الأغلبية الصينية وبين المعارضة الشكلية باسم الأقليات القومية والدينية.
أما على المسرح الاقليمي فكانت سياسة التوفيق بين الانتماء العرقي ـ الطائفي الى الصين (القومية الأم) وبين الانتماء الفكري لليابان (التجربة التنموية) وتقليد نموذجها الآسيوي.
أما على المسرح الدولي فقد ظهرت الازدواجية في التناقض بين الموقف المتحفز الاستعلائي تجاه المحيط الآسيوي والمبالغة في الحساسية الاستقلالية تجاه دول الجوار (الجغرافيا السياسية) من ناحية، وبين التبعية السياسية والعسكرية للغرب، وعدم التشدّد في الشروط السيادية في العلاقة مع الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا (معاهدات واتفاقيات وقواعد عسكرية) من ناحية أخرى.
وقد عبرت هذه الظاهرة عن نفسها من العمل الديبلوماسي، فهذه الدويلة الأصغر والأضعف عسكرياً بين دول الجوار كانت تشهد سياسات متطرفة سواء ضدّ المعسكر الاشتراكي في زمن الحرب الباردة، أو ترحيباً بالقوات الأميركية عند رحيلها عن قواعد آسيا أو انخراطاً في الحرب الأميركية ضدّ الإرهاب في زمن ما بعد 11 أيلول.
إن آخر تجليات الفرادة في النموذج السنغافوري هذ العودة الى تكريس النظام الأبوي، أو الوراثة السياسية، فالنظام الأبوي في الدولة التي تحمل اسم مدينة الأسد (SINGA) تكرس بالدور التأسيسي الذي قام به "لي كوان يو" وبالإدارة الصارمة لعملية التطوير والتحديث والتجديد التي أشرف عليها وباستغلاله الى الحد الأقصى الظروف الإقليمية والدولية في زمن الحرب الباردة وبعدها.
وعندما ارتأى الزعيم الأوحد أن يتنحى عن السلطة رسمياً بعد ثلاثة عقود كان يتجنب مواجهة العاصفة (الداخلية) بعدما عصفت رياح التغيير بالنظم الشمولية في أوروبا الشرقية كما الشرق الأقصى، لكنه لم يغادر دائرة النفوذ الفعلية، ففي زمن حكم خليفته ومرشحه جوه شوك تونغ كان يترجم نفوذه في اتجاهين: الأول بالإشراف الأبوي على سياسة البلاد في خطوطها الرئيسية والعامة دون الخوض بالتفاصيل، وممارسة دور الحكيم الآسيوي الذي يقدم خلاصة تجربته للدول المجاورة والعالم الثالث.
والثاني بالعمل على إعداد ابنه "لي لونغ" للمرحلة الثانية عبر الممارسة والتجربة في مواقع حكومية مهمة كمحافظ البنك المركزي ووزارة المالية حتى حان الوقت ونضجت الظروف لاستلام السلطة، قانونياً وشرعياً وحزبياً، معلناً عزمه على السير في طريق التحديث والتطوير جامعاً في نموذج آسيوي لافت بين التوريث السياسي والتحديث الاقتصادي.