لم يجر ولن يجري تعديل المادة 49 من الدستور، ذلك أن نص المادة المذكورة سيبقى هو هو قبل جلسة التعديل وبعده، أي أن التعديل لن يترك أثرا. ما سوف يتغير هو مفعول هذا النص، بحيث يجمد هذا المفعول لثلاث سنوات وبشكل قسري، على غرار ما جرى عامي 1995 و1998.
للمرة الثالثة نحن أمام صنف من التعديلات الدستورية لا يترك أثرا على نص الدستور نفسه ولا يغير في النص قيد أنملة. مجازياً، يأتي مشروع التعديل فيلمس المادة المعنية ويعطل مفعولها موقتاً ثم يلوذ التعديل المصادق عليه في الجريدة الرسمية وليس في أي طبعة من طبعات الدستور اللبناني. ولكن ما القول في تعديل من خارج طبعات الدستور اللبناني؟ انه تعديل يحظره الدستور.
تحيط بالتعديل المزعوم أجواء عملية تهريب تتراوح عناصرها بين المبيّت والارتجالي. بيد أن أجواء عملية التهريب لا تقتصر على الملابسات القسرية وعلى التبريرات والتخريجات العفنة. المشروع المطروح هو بحدّ ذاته تهريب في تهريب. هل من قول آخر في تعديل لا يترك أثرا على النص الذي يراد تعديله؟ ما الذي يراد تعديله بحق الله؟ مدة الولاية ستبقى دستورياً هي هي. عدم أحقية الرئيس في الاستحصال على ولاية اضافية الا بعد انقضاء ست سنوات سوف تبقى دستورياً هي هي. لن يمس نص الدستور بسوء، وانما سيكتفي مشروع التعديل بلمس طرف هذا الدستور وتعطيل مفعوله لثلاث سنوات.
بعد هذا التعديل المزعوم سيكون بامكان مجلس النواب أن يعدل كل مواد الدستور الأخرى، ولكن أنى له أن يعدّل ما ليس يتضمنه الدستور حتى بعد تعديله، أي تمديد فترة الرئيس الحالي؟
كل هذا يعني أن مجلس النواب غير مدعو لمناقشة تعديل دستوري يمرّر بأكثرية الثلثين، وانما مدعو الى الطور الثالث من هرطقة دستورية بدأت عام 1995 واستكملت عام 1998. أكثرية ثلثي المجلس ليست مدعوة الى تعديل أي بند من أي مادة في الدستور، وانما هي تتصور أن أكثرية الثلثين هذه كافية للمصادقة على تعليق العمل موقتاً بأحد البنود المفصلية في الدستور اللبناني، ومن ورائه، قاعدة تداول السلطة، دون أن يكون هناك أي تعديل، ولو طفيف، في النص الدستوري كما نعرفه.
بخلاف ما ذهب اليه وزير الخارجية السوري بعد استقباله نظيره الألماني، فالتعديل يشترط أكثر من توفر أكثرية ثلثي أعضاء المجلس. ولكن، حتى لو سلمنا بذلك صورياَ، فإن المطروح لمصادقة الثلثين ليس مشروع تعديل، وانما المطروح هو وقف العمل بأحد بنود الدستور لثلاث سنوات، وهذا ما لا تلحظه الآلية الدستورية للتعديل، لا بل إن الدساتير وجدت أصلاً للحؤول دون حصول مثل هذه الأشياء.
ليس هناك ما يبيح للمجلس مجتمعاً، أن يعطل العمل بأحد بنود مواد الدستور دون حذف هذا البند أو تبديل نصه أو الاضافة عليه. تختلف مسألة التعديل الدستوري تماماً عن مسألة تعليق العمل، موقتاً، بإحدى مواد الدستور. الدستور اللبناني يلحظ آلية للمسألة الأولى وليس للمسألة الثانية ولا يجوز للمسألة الثانية (تعليق الدستور أو احدى مواده) أن تمتطي الآلية المناطة بالمسألة الأولى.
ليس هناك من تبرير لتعليق العمل بإحدى مواد الدستور غير عدم قابلية هذه المادة للتنفيذ. ولكن اذا كانت المادة 49 غير قابلة للتنفيذ فهذا يعني أن مسألة أكثر حساسية مثل التعديل الدستوري أساساً هي مسألة غير قابلة للاجراء. والحق أنه لا تبرير دستورياً لطلب الرئيس لحود التمديد لنفسه الا مصادقة الرئيس لحود شخصياً على أن هناك مانعا لتطبيق الدستور، وهو مانع لن يجده فخامته الا عند ميشال عون، أي بالتحجج بأن البلد تحت الاحتلال. فقط لو كان البلد تحت الاحتلال يمكن لرئيس البلاد أن يطلب تمديد مدّته.
الا أن الرئيس كما نقل عنه زوّاره، ملائكة الوحي والتنزيل، لم يطلب التمديد وانما التجديد. ومن الوهم تصور أن الرئيس الحريري هو الذي نجح في تخفيض الكارثة من 6 الى 3 سنوات. كارثة التمديد أكبر دستورياً من كارثة التجديد. الفارق لا يحسب بالسنوات، وانما بمنطق عملية التهريب. هذا المنطق هو الذي جعل التعديل التمديدي أكثر ضمانة من التجديد. تعديل الدستور يتم برفع الأيدي، بخلاف الانتخابات. وما دام التعديل تمديدياً فلن تكون حاجة الى انتخابات. لكن لو كان التعديل لصالح اباحة خيار تجديد الولاية فسوف تبقى الانتخابات على أساس الاقتراع السري. لقد وصل الأمر إذاً الى حيث اضطرار المنتدب الاقليمي الى تفادي استحقاق الورقة السرية خوفاً من مفاجأة قد يعدها موالوه المفترضون، أي على غرار استبعاد التصويت في بتغرين للستار العازل.
تتوج مهزلة آب أيلول عملية تآكل شرعية الجمهورية الثانية الى حد بات يتهدّدها في الغد، ليس فقط قرار من الأمم المتحدة، ولكن عدم اعتراف دولي بشرعية الرئيس لحود. يذكر أن تشافيز في فنزويلا ينتقل من استفتاء لآخر وبالكاد يستطيع انتزاع شرعيته. شافيز lt;lt;لحوديgt;gt; هو الآخر، الا أن الجماهير تدعمه، والمجتمع يكاد ينقسم نصفياً بازاء ظاهرته. أما الرئيس لحود فقد ضرب الرقم القياسي في سرعة تبديد الزخم الشعبي الذي أعطي له، من lt;lt;فرح الناسgt;gt; لو نتذكر. صحيح أن الانسحاب الاسرائيلي جرى في عهده، بل إنه صاحب الدور الأكبر في تحقيق ذلك وليس العكس، إلا أن هدر الانتصار وامكانات تثميره، بما في ذلك تثميره السياسي لمصلحة الحال اللحودية، كان هدراً تاريخياً مثل الانتصار نفسه.
لم يصل العماد لحود الى الرئاسة بشكل يرتاح اليه القانون الدستوري. الا أن المصيبة لم تكن في سنتيه الأوليين كما يزين الحريريون، وانما في سنوات تعايشه التناحري مع الحريرية. في السنتين الأوليين، لم ينحصر النجاح في تحقيق الجلاء جنوباً، بل شمل العلاقات اللبنانية السورية اذ ارتفعت حينها عن الصغائر نظراً لتراجع الأزمات الدستورية. وأياً يكن من أمر الركود الاقتصادي في حينه فلا ينبغي اغفال أهمية ما طرح يومها ولم ينفذ من ضرورة استعادة ما هدر وتحفيز الانتاجية، ولو أن طروحات جورج قرم هذه تبقى قاصرة حتى نظرياً لاغفالها المسألة المركزية وهي تعزيز الاستثمار وتعزيز القدرة اللبنانية على التحكم بعائداته لمداواة العجز ودفع التنمية.
لم يكن العهد بهذا السوء في السنتين الأوليين. بل لم تكن العسكرة ضاغطة فعلاً كما صور يومها. الا أنها غدت بالفعل كذلك بعد حين. وأول الغيث يوم لعبت الأجهزة والأشباح لعبتها في انتخابات 2000 لصالح تصفية العناصر الأكثر مبدئية وعصامية في حكومة الحص، بل دخلت الأجهزة الأكثر ذكاء في صفقة مع الحريري يومها، في حين كانت الأجهزة الأكثر تخلفاً وهراء هي التي توظف في خانة الدفاع الرديء عن حكومة الحص. يومها، للتذكير فقط، كان ناصر قنديل، على رأس مهاجمي حكومة الحص، أي على رأس مهاجمي الايجابيات الوحيدة للعهد اللحودي. أما ميشال المر، فقد استبق انتخابات بيروت ليطلق رصاصة الرحمة على سليم الحص ويحكم بفشله، هذا في حين كان يتحفنا عصام فارس (من المجاهدين ضد الامبريالية الأميركية هذه الأيام) بأدبيات من نوع: lt;lt;ان وزير المالية كثيراً ما يضع اللوم على سواه للتنصل من المسؤولية ويغمز من قناة الأثرياء الذين لم يبخلوا يوماً في البذل والعطاء من أجل الاسهام في اخراج لبنان من النفق المظلم الذي مرّ فيه، علماً بأن بعض هؤلاء هم الذين، ابان مراحل الحرب، حلوا مكان الدولة في مناطقهم لتخفيف الاهمال والبؤس والفقرgt;gt; (مجلة lt;lt;الصيادgt;gt;، عدد 14/20 تموز 2000).
عام 2000، انقلب العهد على نفسه وامتص الهزيمة التي تعرض لها انتخابياً بأن أدار ظهره لكل مساعي الاصلاح ودخل في سباق على الفساد وعلى انتهاك حرمات الدستور، حتى تماهى اميل لحود كلياً مع ميشال المر، واندمج الشخصان في سينماتوغرافية الياس المر، فكان أن مدّد العهد لنفسه في خاتمة المطاف لا على أساس ما صنعه في فترة 20001998 وانما في مهزلتي 7 آب وانتخابات المتن، تلك التي أودت بالمجلس الدستوري.
لا ندري ماذا سيفعل النائب المعين من المجلس الدستوري غداً. المشكلة تتجاوزه، لتطال سائر الحقوقيين اللبنانيين، في بلد تبرز فيه أكثر فأكثر أجواء انحطاط القانون الدستوري الى درجة من المروق، نتيجة سوء التفاهم الحضاري بين القانون الدستوري في الديموقراطية التمثيلية التي يدعيها لبنان وما يناظره في الديموقراطية lt;lt;الشعبيةgt;gt; التي تدعيها سوريا. وفقاً لمنطق الديموقراطية الشعبية يمكن أن يعدل الدستور لصالح شخص نظراً لمعادلة وحدة الجسم البيولوجي بين القائد والحزب والشعب، حيث إن التعديل لمصلحة فرد هو تصريف عمل في صالح المجموع. هذا الأمر يختلف تماماً في ديموقراطية نصف تمثيلية ونصف توافقية مثل لبنان، حيث يكون التمييز بين بنود ميثاقية وأخرى اجرائية، في حين أن الدستور السوري يقوم على ثنائية أخرى لأنه يعرّف نفسه أساساً كدستور موقت، مع أنه يتضمن بنوداً أزلية أبدية من نوع قيادة الحزب للمجتمع والدولة.
بين ثنائيتي الإجرائي والميثاقي في لبنان، والموقت والأبدي في سوريا، تتردى أحوال القانون الدستوري، بل تصبح مصاباً هلالاً خصيبياً لو أضفنا العراق، الذي ينتقل من موقت أول الى موقت ثان.
- آخر تحديث :















التعليقات