لم يجد الرئيس بوش ما يقوله في مواجهة تلك الجموع الغفيرة من المتظاهرين ضده، وضد حربه، وسياسته غير عبارة واحدة هي كونه صانعاً للتاريخ. وصناعة التاريخ ليست مهنة من يصلون إلى قمة السلطة فقط، لأن صناعة الأحداث ليست هي بالضبط صناعة التاريخ، وقد يكون بوش صانع أحداث، وأحداث جسام أيضاً، لكن التاريخ شيء آخر، وهنا نتذكر حواراً قصيراً جرى قبل قرابة قرنين، بين محمد علي باشا وأحد مستشاريه، فقد اقترح هذا المستشار على سيده أن يقرأ بضعة كتب منها، بل في مقدمتها كتاب “الأمير” لميكيافيلي.
لكن محمد علي سخر من مستشاره، وقال له إنه متفرّغ لصناعة التاريخ وليس لقراءته. ومحمد علي كان صانع تاريخ، رغم هزيمته على يد امبريالية تمددت نحو مصر، ولم يرق لها ما حاوله من تحديث وعصرنة وبناء دولة.
وقد تكون مهنة بعض الزعماء في حقب كهذه التي نموتها أكثر مما نعيشها، هي تدمير التاريخ المصنوع قبلهم، لأن موهبتهم مكرسة للتفكيك لا للتركيب والبناء، والتاريخ ليس مجرد ركام من الوقائع، إن له ناموسه، ومجراه، وهو دائماً يفيض عن حاصل جمع الأحداث، لأنه روحها، وزخمها، بل إيقاعها السرّي.
ما الذي صنعه الرئيس بوش خلال أعوام حكمه لأكبر وأقوى دولة في هذا الكوكب؟
دمر عواصم عريقة، وأجهز على مفاهيم كانت البشرية قد كدحت ألفيات عدة من أجل ترسيخها، وصيانتها.
وحَذَف صانع التاريخ هذا البعد الثالث من العقل البشري، عندما رهن معياره الأخلاقي وذهنيته السياسية لثنائية “مانوية” أعاد الرجل الأبيض.. شديد البياض إنتاجها.
لقد قال بوش مثلاً ما لم يقله زرادشت، فجعل الخير والشر قطبين متقابلين، واحتكر القطب الأول، وهو الخير، فيما نعت العالم كله بالشر وحوله إلى قطب مضاد.
والرئيس الطامح إلى صناعة التاريخ أو تأليفه، لم يقرأ التاريخ إلا لماماً، ولا تزال المقالات والكتب التي تصدر في بلاده تسخر من جهله بما تسمّيه بدهيات التاريخ والجغرافيا، فهو لم يفرق في أول عهده بين سلوفاكيا وبلد آخر، وكان يظن أن بعض الدول التي دالت منذ زمن لا تزال أعضاء في الأمم المتحدة.
وقد يرى أنصار بوش أن مهنة الرئيس ليست مهنة المؤرخ، أو الفيلسوف، وليس مطلوباً منه أن يكون توينبي أو وايتهد.. تماماً كما يدافع هؤلاء المحترفون عن الجهلة بلغة قومهم ويقولون إن الزعيم ليس مطلوباً منه أن يكون فقيهاً باللغة.. أو “سيبويه”.
ما الذي صنعه بوش خلال أعوامه الفائتة؟ هل رمم الصّدوع التي تهدد ما تبقى من تماسك في هذا العالم؟ وهل أنقذ أمريكا وغيرها من بطالة وعدمية وضياع؟
إن أهم ما يزهو به صانع التاريخ هذا، هو حربه على الإرهاب، لكنه لا يتحدث عن الأعراض الجانبية لحروبه، وعن ردود الأفعال التي قللت من شأن الأفعال، فالإرهاب تفاقم لأن جراحة هذا السرطان بالفظاظة البوشية هيجت الداء وتفشى في الدورة الدموية للقارات كلها.
إن الفارق الجوهري بين امبراطورية عمياء تكره الماضي، وتريد للعالم أن يبدأ من صِفْرها الخاص، وبين امبراطورية ذات بصيرة، هو هذا الحصاد المرّ الذي تعفّ عنه حتى الغربان، لأنه حصاد دم ولحم، ولم يكن مئات الألوف من ضحايا الامبراطورية الطارئة، سوى الوثيقة الحمراء الممهورة بتواقيع من مختلف اللغات، والتي تدين سياسة حاولت أن تبتكر كيمياء جديدة، تتنافر فيها العناصر، ولا تتزاوج، ويتحول الإقصاء والنبذ والرّيبة إلى ثالوث مقدس في برنامج يزعم واضعوه أنه سيحرر البشرية من الإرهاب والعنف.
لقد سبق الرئيس بوش وحتى أباه.. رؤساء أمريكيون صنعوا تاريخاً على طريقتهم، لكن الوريث قد يكون صاحب حق في التركة، ولا يكون ابناً أو حفيداً، لأن ما قام به الرئيس بوش من أفعال، يصبح جرائم حتى بمقياس جورج واشنطن، وامرسون.. ومن بشروا بأمريكا جديدة طالعة من جرح كوني، هو الحرب العالمية الثانية.
ولا أدري إن كان الرئيس بوش قد قرأ أشعار والت وايتمان مثلاً، أو حتى أشعار روبرت فروست الذي كان ضيفاً مقيماً في البيت الأبيض في عهد الرئيس كندي، والأرجح أن الرئيس لا يحب الشعر، وإن اجتذبته لعبة الجولف فذلك لأسباب أخرى تتجاوز الرياضة وعالمها البريء.
لقد قارن وايتمان بين الورقة العشب والورقة الدولار.. وتغنى بمنديل السيد الإله.. ولم يخطر بباله أن حفيداً أمريكياً سيعلن الحرب على العشب لأنه أخضر، ويشبه لون الدولار.
صناعة التاريخ، ليست مجرد متوالية من الحماقات، ولا هي مجرد خلخلة لكل هذا النسيج الكوني بحيث تختلط المفاهيم، ويسقط الحد الأدنى من التفاهم والتواصل الإنساني، فالرئيس صنع قطيعة لا مثيل لها في زمن يُقال إنه زمن الاتصال والتواصل.
ونشهد له أن كل هذه الكوارث التي تعمّ الأرض من صناعته.. وبتوقيعه.لخلة لكل هذا النسيج.















التعليقات