من الطبيعي ان لا تثير العمليتان التفجيريتان في بئر السبع يوم الاول من امس ردود فعل تذكر، باستثناء تنديد الجانب الفلسطيني الرسمي بهما. غياب ردود الفعل، يؤشر الى حالة من اليأس اشاعها الاحتلال، باحتكامه الى القوة العارية والغاشمة التي تنال من المدنيين والمرافق المدنية.
لقد امضى شارون فترة حكمه، منذ الربع الاول من عام 2001 حتى ايامنا هذه، في ممارسة كل اشكال اعمال التقتيل والتنكيل، حتى انه تصعب ملاحظة ان يكون هذا الشخص قد خلد الى النوم ليلة واحدة، دون ان تتلطخ يداه بدماء ضحاياه (هناك من احصى يوما واحدا يتيما مر دون ان يسفك فيه شارون الدم).
وسط هذه الحالة المريعة، التي لم يسبق للصراع العربي الاسرائيلي ان عاشها. فان تفجير حالة هنا وأخرى هناك، لم يعد يستوقف احدا، رغم الحس الانساني السليم يرفض سقوط ضحايا بين المدنيين. ولكن لأن السيد شارون خاض طويلا وعميقا في دماء ضحاياه وما زال يفعل، دون ان يرف له جفن او تختلج فيه عضلة، فان ردود الفعل كالتي وقعت مؤخرا في بئر السبع، تبدو مجرد تفاصيل ولا تحمل مفاجأة تذكر. بل اهناك من تساءل عن سبب تأخر ردود الفعل على اغتيال الشيخ احمد ياسين والدكتور الرنتيسي. فقد بلغ اليأس مبلغا لم يعد فيه احد يتساءل مثلا: لماذا لا يتم تفعيل اجتماعات اللجنة الرباعية، ولماذا بقيت خريطة الطريق خريطة على الورق، ولماذا تشجع الادارة الجمهورية حلفاءها في تل أبيب على ازدراء القرارات الدولية بخصوص جدار الضم والتوسع، وبخصوص الغزو الاستيطاني السائر قدما، رغم ادراك الجميع بأن هذا التوسع هو من اعمال اللصوصية والسطو المسلح.
بدلا من اطلاق هذه التساؤلات التي تنم عن الحرص على استئناف المسيرة السلمية، فان التساؤلات باتت تدور حول المدى الذي سيذهب اليه شارون في اعمال التدمير وخاصة في قطاع غزة، قبل ان يتم الانسحاب من هذا القطاع، اذا كان سوف يتم حقا.
وحين تصبح ممارسة ارهاب الدولة سياسة معتمدة يجري تنفيذها على قدم وساق ليلا ونهارا، وعلى رؤوس الاشهاد وبمعرفة الادارة الجمهورية ومباركتها، فكيف لأحد ان يستغرب ظهور ردود فعل متفرقة هنا وهناك، وتستهدف للاسف الشديد مدنيين على الجانب الآخر، الذي ما زال يمحض شارون الثقة.
لا شك ان هذه التطورات سيئة جدا، وهي من اسوأ ما كان يمكن توقع حدوثه، فخلافا لما سار عليه زعماء اسرائيليون سابقون مثل اسحق رابين في المضي على طريق التفاوض وتوسيع مساحة الامل. فقد «نجح» السيد شارون ليس فقط في اطفاء آمال السلام، ولا حتى في تأجيج الصراع فحسب، بل نجح في تحويله الى صراع بين الشعوب، فيتم منح الثقة لسياسة هدم البيوت واقتلاع الاشجار، فيما تلبي عمليات كعمليات بئر السبع الاخيرتين الرغبة في الانتقام، لدى اولئك الذين خسروا كل شيء، ويريد السيد شارون سلب اطفالهم اي امل بالمستقبل.
تلك هي بعض ملامح الدوامة الدموية والجهنمية، التي يجري زج الشعوب بها، وسط حملة هائلة من التضليل والاكاذيب، حيث يجري تصوير تنظيم الارهاب وتوسيعه «وتقنينه»على انه مكافحة للارهاب، وحيث يتم تصوير الشعب الضحية على انه برمته ارهابي يتعين التضحية به والتخلص منه، وهذا هو جوهر السياسة الاسرائيلية التي تحظى برعاية تامة من بعض المهووسين النافذين في واشنطن.