الرباط من محمد البقالي: هو روائي، لكنه يتحدث عن الشعر باعتباره من أهله، ويقول، انه ربما كان أولي به أن يكون شاعرا منه روائيا. مبارك ربيع، الروائي المغربي المعروف، بل أحد الذين خطوا معالم الرواية المغربية في حلتها الجديدة.
كتب رفقة السلاح والقمر و الريح الشتوية وغيرهما الكثير.
يدافع مبارك في هذا الحوار بشدة علي أن العلاقة بين الأدب المغربي والمشرقي بقيت في حدود التفاعل المقبول ولم تصل الي حد أن يصبح الأدب المغربي رجع صدي لما يحصل في المشرق.
بالنسبة اليه، فالتجديد في الشعر المغربي وان كان يمتح في بعض معالمه من التجربة المشرقية فان له خصوصياته، وتميزه. يضرب مثلا بالشاعرين عبد الكريم الطبال وأحمد المجاطي.
يتحدث أيضا عن التجديد الشعري والأشكال التي أسفر عنها، يعطي رأيه في بعضها، يوضح موقفه من العلاقة بين الأدب والشعر خاصة.. وبالنسبة اليه، فالكثير من النثر هو أضرب في الشعرية مما يسمي شعرا.
تكتبون الرواية وتهتمون بالشعر، ماذا عن مخاض الساحة الشعرية المغربية في علاقاتها بقضايا التجديد الشعري؟
في الحقيقة، أتابع الانتاج الأدبي بكافة أنواعه، ولكن اهتمامي يختلف من مجال الي آخر. قد يكون اهتمامي بالمجال السردي أكثر ولكن لا أنكر لدي ميل لقراءة الشعر، بل وأعتقد أنني كنت في بداياتي مؤهلا أكثر لأكون بين الشعراء أكثر من أكون من بين الروائيين.
بالنسبة للشعر المغربي سواء في صورته التقليدية أو علي مستوي مواضيعه أو علي مستوي شكله، فانه يعرف مرحلة التجديد التي لا تزال ممتدة الي الآن ولا يمكن الحديث عن اكتمالها وهي التي بدأت منذ منتصف القرن الماضي.
معالم هذا التجديد تبرز أساسا في ارتباطه بالتطورات التي حصلت في المشرق، وطبعا هذا لا يعني أنه لولا التطورات التي عرفها الشعر في المشرق لم يكن هناك تجديد في المغرب. ذلك أن التطور في الفنون والآداب كما في غيرها هو مسألة كونية وأصبحت ظاهرة متكاملة ومتبادلة التأثير بين جميع الشعوب والثقافات.
مهما يكن، فمنتصف القرن الماضي شهد تطورا هاما في الشعر اذ خرج به جيل الشباب في تلك المرحلة عن موضوعاته التقليدية وشكله التقليدي العمودي بالخصوص، وبدت هذه الحركة متأثرة بتيارات الشعر الحديثة وفي طليعتها الشعر العربي المشرقي وأيضا بمدارس غربية أخري بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
في هذه الحالة ألا يمكن الحديث علي أن التطور الذي يعرفه الشعر المغربي انما هو رجع صدي لما يحصل في المشرق؟
يجب ان نميز بين امرين أساسيين، فالتفاعل بين الثقافات أمر عادي ومشروع بل ومطلوب، أما الحديث عن كون الأدب المغربي رجع صدي لنظيره المشرقي فأعتبر أن في الأمر تعسفا كبيرا.
طبعا هناك تأثر بين المشرق والمغرب، والأدب المغربي كان دائما علي علاقة وثيقة مع ما يجري في المشرق، ولكن دون أن يكون بالضرورة صدي له. التفاعل موجود ومطلوب، ودائما هناك امتداد بين الشرق والغرب علي مستويات متعددة تتعدي الأدب نفسه، والأمر بالنسبة للشعر أوضح لأننا نجد في الشعر العربي والحديث تفاعلات مع مدرسة السياب ونازك الملائكة وأسماء أخري معروفة. ولكن، في المقابل يمكن ملاحظة أن الموضوعات التي تطرق اليها الأدب المغربي لم تكن هي نفسها تلك التي اهتم بها الأدب في المشرق، فالموضوعات مختلفة وكذلك الرؤي بل وحتي طبيعة هذا التجديد كانت مختلفة، فهناك أنواع من التجديد شهدها المغرب لم تتم بنفس الشكل الذي تمت به في المشرق. وأضرب مثلا بالقصيدة، يبدو لي أن هناك اختلافا شاسعا بين القصيدة المغربية والمشرقية وهذا دون أن ننفي طبعا التفاعل والارتباط الواضح بين التجربتين.
وفي الحقيقة، لا ندري لماذا يراد لشعر عربي واحد أن يكون في المشرق منقطع الصلة عما هو في المغرب أو العكس، في حين أننا نجد أن الأدب الاسباني مثلا سواء في أوربا أو أمريكا اللاتينية يتميز بمثل هذه العلاقة الوطيدة دون أن يتم طرح هذا السؤال.
ويجب في هذا الصدد أن نلاحظ أن هناك خصوصية الفكرة والرؤية حتي بين الشعراء الذين يوجدون في بلد واحد.
ولكن الملاحظ أن هذا التفاعل يتم في اتجاه واحد من المشرق الي المغرب؟
أؤكد أنه بين المشرق والمغرب لم تكن هناك قطيعة في الشعر ولا أعتقد أنها حتي ممكنة، ربما الأمر غير ذلك بالنسبة للسرد والقصة القصيرة وحتي المسرح وغيرها من الفنون التي تبدو في اتجاهاتها الحديثة مرتبطة بالغرب.
وخلاصة القول ان هناك تفاعلا طبيعيا في المجال الشعري بين المشرق والمغرب ولكن بتصورات ورؤي مختلفة .
فالشاعر المغربي الذي يكتب العربية من الضروري أن يعرف الشعر العربي من الجاهلية الي اليوم.. وهذا الاطلاع ضروري لثقافته الشعرية بالاضافة الي مطالعته للأدب العالمي.. وكون الشعراء المغاربة يفعلون هذا لا يعني أنهم ينسخون التجربة المشرقية وهذا تفاعل عادي.
وأضرب مثلا، عندما نقرأ للشاعر المجاطي نجد صورا ولغة وقاموسا مختلفة تماما عما يستعمله أي شاعر مشرقي آخر. الشاعر عبد الكريم الطبال له مناح أخري سواء في الرؤية أو القاموس، فقاموسه التصوفي الصرف لا يوجد عند شاعر مشرقي آخر، ورموزه تشير الي الأندلس والخصوصية المغربية والذاتية للشاعر. أعتقد أنه ليس مجرد مجاراتنا للقصيدة غير العمودية كما حصل في المشرق يعني أننا نقلد أو نمثل صدي له.. ويبقي طبعا أن الشعر المشرقي هو جزء من ثقافة الشاعر المغربي والذي يجعل هذا السؤال يتردد هو أنه ليس في الطرف الآخر نفس الظاهرة ونفس حضور الشعر المغربي في الساحة العربية العامة.
وهنا أطرح سؤالا لماذا لا يثار هذا الاشكال الا عندما يتعلق الأمر بالعلاقة مع الشعر المشرقي بينما لا يطرح عند التفاعل مع الشعر العالمي. علي سبيل المثال.
ما يسمي بالتجديد الشعري بما أفرزه من قصيدة نثرية أو نثر شعري هل تري أن هذه الظاهرة صحية؟
أعتقد أن التجديد سنة طبيعية، وكل جيل أو مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي والحضاري والمعرفي تتطلب بطبيعتها تجديدا في الفنون المرافقة لها، وهذا يحصل في الأدب العربي الحديث سواء كان شعرا أو غيره.
وأعتقد أنه لا يمكن أن نتصور أن حياتنا اليومية يجب أن تتفاعل مع الحضارات العالمية اليوم في كل مظاهر حياتها الا في الأدب أو الشعر.. هذا غير معقول، هذه الرؤية لا تخلو من خلل كبير..
لكن التجديد بهذا الشكل ألم يكن في أحيان كثيرة علي حساب الشعرية
والمعني؟
صحيح، اذا كان المقصود هو الفوضي الشعرية الموجودة حاليا، بما يعني أن أي كلام أو جملة مفيدة أو غير مفيدة تصبح شعرا ففي هذا الكثير من الخطأ والتعسف. الشعر هو أولا ثقافة عميقة ومعرفة، أنت تقرأ المقطع الشعري فتحس بعالم خاص وبرؤية خاصة وبقوة في الصورة والمعني ولم يكن الشعر أبدا ذلك الكلام العادي الذي يطلق علي عواهنه ويسمي شعرا.. في هذه النقطة أعتقد أن الكثير مما ينشر في المغرب وغيره ليس شعرا علي الاطلاق، بل أحسب أن الكثير مما هو نثر أضرب في الشعر والشعرية من ذلك الذي يسمي شعرا.
الأمر يحيل علي المعني في الأدب بشكل عام كيف تنظر الي هذه العلاقة؟
ليس المعني كل شيء في الأدب والشعر، ولكنه أساسي بمعني المضمون، وقوة المضمون لا تعني بساطته التي تقدم بطريقة بسيطة وسطحية.
اذا كان الأمر كذلك فيمكن اللجوء الي خطاب غير خطاب الشعر أو خطاب الأدب بصفة عامة. المقصود هو أن هناك مضمونا يتم استشفافه ليس بالضرورة مباشرة وانما بطرق كثيرة مثل التلميح والتضمين عن طريق الاستعارة أو مختلف أنواع البلاغات المعروفة.
الشعرية ليس شرطها لا البساطة المباشرة ولا الغموض المغرق، هناك من يتكلم ببساطة وعفوية مطلقة ولكن بشعرية، وهناك من يأتي الي مضامين ومعان هي في حقيقتها شديدة العمق وبعيدة الغور ولكنه يصوغها بطريقة غير شعرية.
وهناك شاعر يكتب ببساطة عالية في متناول الجميع ولكنه يقدم معاني طريفة وبشعرية عالية، فالمعجم قد يكون بسيطا ولكن الصور التي يركبها جد متسامية، المسألة ليس لها قاعدة.. الشاعر هو الذي يسلك بلغته الخاصة أسلوب تبليغ المضمون.
وهنا قد يكون من الأهداف النبيلة والسامية للأدب أنه لا يعطي المعني مباشرة ويترك الفرصة للتأويل والتخمين وتكميل الصورة، ليس بالضرورة أن يمنح الأديب جوابا مدققا أو نهاية محددة.. فالأدب يفتح عالما من التفكير والتأمل والصور.. وقد يتجاوز القارئ أحيانا ما قصده الكاتب شاعرا كان أو ناثرا.. لكن الأمر لا يجب أن يصل الي حد القطيعة بين الأديب وبين القارئ..
ولكن يجب التأكيد علي أن ما نقرأ في الصحف وينشر علينا في مختلف وسائل الاعلام لسهولة الطباعة والنشر ليس شعرا علي الاطلاق.
لاحظ أن هناك من يتحدث الآن عن نص مجرد نص لا ينتسب الي جنس.. وهذا ان كان ممكنا فانه لا يبعد بنفسه عن كل محاكمة أو نقد أو انتماء.. يمكن أن نخلق قصيدة النثر، ولكن يجب أن تكون لها فنيتها وشعريتها وتميزها عما هو نثر وعما هو شعر، يجب تحديد قواعد واضحة لها أو علي الأقل تقاليد فنية فليس أي نص شعرا وليس أي هذيان هو شعرا.














التعليقات