قدمت سورية نفسها ذخيرة في الحملات عليها أثناء المعركة الانتخابية الرئاسية الاميركية وذلك بسبب حساباتها الخاطئة في شأن الانتخابات الرئاسية اللبنانية. أوقعت نفسها في شرك دولي لن تتملص منه بسهولة بعدما بات الوجود والنفوذ السوريان في لبنان من اختصاص مجلس الأمن بمبادرة فرنسية - اميركية.
سوء تقدير القيادة السورية لإفرازات افراطها في أقلمة الساحة السياسية اللبنانية بما تشتهيه دمشق أدى الى شراكة أوروبية - اميركية نادرة وإلى سابقة اثمار هذه الشراكة في قرار دولي ضد سورية. أدى ايضاً الى حصول الولايات المتحدة على مدخل فائق الأهمية لمراقبة وترقب المواقف السورية في كامل منطقة الشرق الأوسط، وبالذات نحو العراق ومع ايران ومع المنظمات الفلسطينية ومنظمة حزب الله في لبنان، مع الترصد لها باجراءات عبر قناة قرار لمجلس الأمن بمباركة دولية.
كانت سورية منذ فترة طويلة على رادار المحافظين الجدد الاميركيين الذين يحرضون الادارة الاميركية ضدها ويتحدون الحزب الديموقراطي للتصرف مع سورية بالحزم المطلوب. وقد عملت مجموعات ومنظمات لبنانية - اميركية بصورة متماسكة لجعل سورية محط حملة مركزة مع الكونغرس، وداخل الحزبين الجمهوري والديموقراطي.
بعض هذه المنظمات ركز قطعاً على استهداف سورية من خلال نفوذ المحافظين الجدد ومن خلال مجموعة مؤثرة في وزارة الدفاع، البنتاغون، تضم أمثال المتطرف ريتشارد بيرل صاحب الوثيقة الشهيرة لتقديم النصيحة الى رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق، بنيامين نتانياهو، التي تضمنت ضرورة الحرب على العراق وتوجيه ضربة عسكرية لسورية، المعروفة بوثيقة «الانفصال النظيف».
أحد أهداف تلك الوثيقة «حماية» اسرائيل من ضغوط التوصل الى السلام الشامل والدائم الذي ليس في مصلحتها، حسب زمرة التطرف هذه. همّ هذه المنظمات اللبنانية - الاميركية كان منذ البداية اخراج سورية من لبنان حتى وان تطلب ذلك شراكة مع الشيطان. لذلك لم تبال باتهامات التعامل مع اسرائيل والتخوين بسبب شراكتها مع امثال بيرل أو غيره من الصقور المتطرفين، طالما انهم الطريق الى «انقاذ» لبنان و«تحريره» من سورية. ما فعلته هو تركيز الحملة على سورية بصبر واصرار، مع أي «لوبي» يضمن لها التأثير في الكونغرس والادارة الحاكمة، وفي الحزبين الجمهوري والديموقراطي، في الاعلام والرأي العام.
حسب البعض، هذه الحملة «حصدت ثمار» وضع سورية على لسان الاميركيين بصفة الدولة التي «تحتل» لبنان وتتبنى «الارهاب» سياسة وتعرقل الحرب الاميركية في العراق. وحسب البعض الآخر، هذه الحملة «استخدمت جيداً» لخدمة اسرائيل على حساب ليس فقط الفلسطينيين وانما العرب عموماً ومن ضمنهم اللبنانيون.
حصيلة الأمر، في أي حال، ان سورية بسبب الحملة المكثفة ضدها على ايدي الصقور والمحافظين الجدد ومن يتعامل معهم باتت تُذكر تلقائياً بأنها المرشح «الطبيعي» لضربة عسكرية. انما ما لم يتمكن الصقور والمتطرفون من انجازه قدمته دمشق على طبق فضي، وهو، البُعد الدولي.
فقد كانت ردود الفعل الدولية غير الرسمية تحذر من تطرف الصقور والمحافظين الجدد وتتخوف مما يعدونه لسورية، اذا انتخب جورج دبليو بوش لولاية ثانية. كانت هناك معارضة دولية تلقائية لاستهداف سورية مع نوع من المؤازرة لدمشق في مواجهة هذه الحملة.
كان هذا الى حين ارتكاب القيادة السورية خطأها الفادح في مسألة الانتخابات الرئاسية اللبنانية، وهي الأولى منذ تسلم الرئيس بشار الأسد السلطة في سورية.
الخطأ لم يتمثل فقط في نمط الإهانة والاستهانة بالدستور اللبناني وبالنواب وبالوزراء وبكل من تم استدعاؤه الى دمشق ليُبلغ بأن القرار السوري هو التمديد للرئيس اللبناني الحالي اميل لحود لفترة 3 سنوات حتى وان تطلب ذلك تعديل الدستور بالقوة. لقد تمثل الخطأ ايضاً في اساءة تقدير افرازات استعداء فرنسا والولايات المتحدة معاً وتحديهما في خضم عبور الخطوط الحمر مثل تحقير الدستور اللبناني و«تعديله» لغايات سياسية ضيقة.
قرار مجلس الأمن الذي استعد المجلس لتبنيه امس الخميس يشكل سابقة فائقة الأهمية في العلاقة السورية - اللبنانية، انه ينقلها من صفة الثنائية الى صفة الشأن الدولي، وهو يقفز على مواقف الحكومة اللبنانية المدافعة عن الوجود والنفوذ السوري في لبنان ليعرّف معنى الاستقلال والسيادة للبنان كما ليطالب الحكومة اللبنانية بالتصرف بمسؤولية وتنفيذ ما عليها من واجبات.
بصورة ما، قد يكون قرار مجلس الأمن الوعد أو التوعد المتأخر لما اعتبره البعض أمراً مشابهاً لغزو العراق للكويت، بمعنى ابتلاع سيادة دولة مستقلة ووضعها تحت وصاية دولة شقيقة. غزو العراق للكويت رُفض دولياً بإجراءات وبتحالف دولي - ضم سورية - أدى الى تدجين العراق بعقوبات شاملة عليه. دخول القوات السورية لبنان رُحب به عربياً في اتفاق «الطائف» باعتباره الوسيلة الوحيدة لضبط الفلتان الأمني الناتج عن الحرب الاهلية اللبنانية، وباعتبار لبنان العمق الاستراتيجي لسورية في العلاقة السورية - الاسرائيلية والنزاع العربي - الاسرائيلي.
هذا القرار ليس الأول الذي يتطرق الى الوجود السوري في لبنان، لكنه الأول من نوعه في تسجيل الموقف الدولي من هذا الوجود. انه قرار التوقف عن التعامل مع سورية بكفوف اللطافة. انه قرار الإنذار والتهديد بإجراءات لاحقة، أو... آتية.
فمجلس الأمن «يطالب» في القرار بانسحاب القوات السورية «من دون تأخير» من لبنان، ويدعم عملية انتخابية رئاسية «وفقاً للقواعد الدستورية اللبنانية من دون تدخل أو تأثير خارجي»، ويقرر «إبقاء هذه المسألة قيد نظره الفعلي»، ويطلب تقريراً من الأمين العام «خلال 30 يوماً حول تنفيذ الأطراف لهذا القرار» ويعلن «استعداده للنظر في اجراءات اضافية لمتابعة تنفيذ هذا القرار حين مراجعته للتقدم الذي تم تحقيقه».
بذلك، وضع مجلس الأمن آلية شبه دائمة تضمن له عودته الى الموضوع، وهذا فائق الأهمية. الهنم ان مجلس الأمن يعلن في القرار استعداده للنظر في «اجراءات اضافية» بعد 30 يوماً واضعاً بذلك إطاراً زمنياً يعزز جدية المطالب والانذار.
وما يهدد به مجلس الأمن سورية، من خلال تعبير «اجراءات اضافية» يشمل امكان اللجوء لاحقاً الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لفرض العقوبات، كما لا يستبعد امكان مباركة عمل عسكري اذا تطورت الأمور بما يتطلب ذلك.
هناك عنصر مبطن آخر في القرار يربط بين الوجود السوري في لبنان والميليشيات، كما يضع الحكومة اللبنانية ايضاً في خانة المسؤولية عن حل ونزع أسلحة الميليشيات. بمثل هذه الاشارة، وسع قرار مجلس الأمن نطاق مطالبه لتشمل التلميح المبطن لسورية عن مسؤولية وافرازات علاقتها مع ميليشيات في لبنان، لبنانية وغير لبنانية. وهذه اشارة الى نفوذ سورية وعلاقتها مع حزب الله اللبناني كما مع تنظيمات فلسطينية تعتبر راديكالية.
بكلام آخر، ان قرار مجلس الأمن خال تماماً من البراءة. فهو لا يكتف بالاحتجاج على التصرفات السورية التي بالغت في الهيمنة والإملاء على السياسيين اللبنانيين والعملية السياسية اللبنانية. انه قرار عقابي كنقطة انطلاق، اذ انه طالب بالانسحاب شبه الفوري للقوات السورية، وربط بين النفوذ السوري في لبنان وبين الميليشيات والمنظمات الراديكالية، وأطلق آلية لعقوبات. والولايات المتحدة تريد معاقبة سورية ليس فقط على ما تفعله في لبنان، وانما اينما كان لها نفوذ تحت عنوان علاقتها بالمنظمات المتهمة بالارهاب. وهذا يعني وضع العلاقة السورية بالمنظمات الفلسطينية تحت المجهر، كما يعني ايضاً وضع السياسة السورية نحو العراق في المعادلة.
وطالما ان قرار مجلس الأمن هو من صنع فرنسا والولايات المتحدة بدعم أوروبي ساحق، ورطت دمشق نفسها في نفق لن يكون سهلاً عليها الخروج منه. قدمت هدية الى التطرف الاميركي والاسرائيلي نتيجة تطرفها في امتلاك الملف السياسي اللبناني. باتت في الانتخابات الرئاسية الاميركية، لدى الجمهوريين والديموقراطيين على السواء، مثلاً يُضرب عند الحديث عن اقتناص سيادة دولة.
المتطرفون في الحزب الجمهوري لم يكونوا في حاجة لمن يشجعهم على تشجيع الادارة الاميركية على وضع سورية في قائمة الدول التي يجب معاقبتها، بقوة عسكرية اذا لزم، وعبر اسرائيل إذا أمكن. هؤلاء كانوا أرادوا استكمال حرب العراق بضرب سورية انما أوقفتهم عملية الانتخابات الرئاسية، اذ تم اتخاذ القرار بأن لا حاجة الى الحروب غير الضرورية قبل الانتخابات. سورية في أجندة المتطرفين، مرشحة للضربة القادمة، شأنها شأن ايران.
ايران لم توفر ذرائع الالتفاف الدولي ضدها، بل انها نجحت حتى الآن في الحفاظ على الشرخ بين المواقف الاميركية والأوروبية عندما يتعلق الأمر بلغة مخاطبتها - ديبلوماسياً أو بالضغوط أو عسكرياً. طهران تدرك انها مستهدفة من جانب اسرائيل التي تتجسس على الولايات المتحدة لتتعرف الى السياسة الاميركية نحو ايران بهدف توريط الولايات المتحدة مع ايران عبر ضربة اسرائيلية ضد مفاعل ايران النووي.
ايران، حتى الآن، وكعادتها لم ترتكب خطأ يسمح لاسرائيل أو للمتطرفين من الصقور والمحافظين الجدد بأن ينفذوا اجندة في بالهم منذ فترة. فإيران تمتلك الحكمة والحنكة السياسية وتفهم لغة المؤشرات الدولية.
فرنسا بعثت الى سورية بأكثر من اشارة، بمزيج من النصيحة ونفاد الصبر. لكن دمشق إما تجاهلت الإشارات أو كابرت أو غامرت بقرار سياسي/ انتخابي واضح انه كلفها غالياً.
ذلك ان وضع سورية تحت رقابة مجلس الأمن الدولي وتوعدها باجراءات اضافية تطور بالغ الأهمية. فسورية الآن في قفص الاتهام وفي مسيرة مواجهة مع مجلس الأمن، اذا رفضت الانصياع الى قراره.
مواقف الديبلوماسية السورية هي ان مجلس الأمن تصرف خارج نطاق مسؤولياته وتدخل في الشؤون الداخلية للبنان وعلاقته الثنائية مع سورية. هذا الموقف لا يلاقي الدعم الدولي ولن تكون له حماية دولية. فسورية ستكون في وضع افضل بكثير لو أقرت بأنها أخطأت وأن من الحكمة استدراك الخطأ في ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية اللبنانية. ومصلحتها تقتضي النظر الجدي في سحب قواتها من لبنان وفك علاقاتها بالتنظيمات الراديكالية المتهمة بالارهاب.
ومهما اسفرت عنه الانتخابات الاميركية، فإن الرئيس المقبل سيرث قرار مجلس الأمن الذي سيكون مدخلاً الى الخيارات ضد سورية بما في ذلك الاجراءات اللاعقلانية.















التعليقات