إذا كان صحيحاً أن خيطاً رفيعاً يفصل بين الجنون والعبقرية، فإن الصحيح أيضاً أن خيطاً رفيعاً يفصل بين الارهاب والمقاومة. والنتائج هي التي ترسم هذا الخيط. وهو أكثر ما يبدو واضحاً اليوم في العراق.
فعندما يشذ جناح أو فصيل من أجنحة وفصائل المقاومة ضد الاحتلال عن الأهداف الوطنية، وعندما يعمد إلى اختطاف أبرياء من مواطني دول صديقة وحليفة، ويساوم على أرواحهم، فإنه يريح العدو المحتل ويهوي بنفسه وبقضيته إلى حضيض الارهاب بكل تجلياته اللاإنسانية واللاوطنية.
من هنا كان اختطاف الصحافيين الفرنسيين (ومن قبلهما اختطاف الصحافي الايطالي) خطأ جسيماً. ولا شك في أن هذا الخطأ تحوّل إلى خطيئة كبيرة عندما طرح الخاطفون المساومة على أرواحهم بإلغاء قانون الحجاب في فرنسا. إذ أن ذلك يطرح التساؤل حول العلاقة بين تحرير العراق من القوات الأميركية وقانون الحجاب الفرنسي؟ وحول ما إذا كان إلغاء هذا القانون يحرر العراق وينهي الاحتلال ويضع حداً لمعاناة الشعب العراقي؟ بل انه يطرح السؤال الأهم وهو هل هذه هي الوسيلة المنطقية والحضارية التي يمكن أن تقنع الدولة الفرنسية والمجتمع الفرنسي بجدوى إلغاء قانون الحجاب؟ وهل هذا هو الأسلوب الذي يقول به الاسلام للتعامل مع الاخرين؟ أين الجدال بالتي هي أحسن؟ وأين الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؟ هل اختطاف الأبرياء والتهديد بقطع رقابهم حكمة وموعظة حسنة؟...
لا يمكن الاجابة على هذه التساؤلات المُرَّة إلا بتساؤلات أشد مرارة. وهي: هل هكذا يكون التعامل مع دولة صديقة للعرب عامة وللعراق خاصة، تعرّضت ولم تزل تتعرّض إلى حملات الافتراء والتجريح في الاعلام الأميركي المتصهين، وإلى محاولات الضغط والابتزاز الاقتصادي والتجاري من إدارة الرئيس بوش؟ هل هكذا نشكر الحلفاء الذين وقفوا ضد الحرب على العراق؟... وهل هكذا نثني على الدولة التي رفضت المنطق الأميركي بتحويل الحرب على الارهاب حرباً على الاسلام؟
ثم إن من الخطأ تصوير القانون الفرنسي بأنه ضد الحجاب كرمز للمرأة المسلمة. إن القانون لا يحظر استخدام الحجاب في الحياة العامة التزاماً بحرية المعتقد التي تحترمها فرنسا، ولكنه يحصر الحظر في المدارس الحكومية فقط... بينما يترك للمدارس الخاصة المسيحية منها والاسلامية واللادينية صلاحية تقرير ما تراه مناسباً لها. وقد قررت كل هذه المدارس إطلاق حرية استخدام الحجاب. وما لا يعرفه الخاطفون هو أن الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية رفعت الصوت عالياً ضد منع الحجاب وسواه من الرموز الدينية، الأمر الذي يسقط أي حجة باعتبار القانون موجهاً ضد المسلمين الفرنسيين.
إن عملية اختطاف الصحافيين الفرنسيين أدت إلى سلسلة من الأخطاء التي لا يمكن تصحيحها إلا بإطلاق سراحهم بكل تكريم واحترام... ذلك أن اختطاف أي صحافي هو خطأ يسيء إلى القضية العراقية أولاً وقبل كل شيء. واختطاف أي فرنسي هو خطأ يسيء إلى العلاقات مع دولة صديقة، والمساومة على إطلاق سراحه بإلغاء قانون الحجاب هو خطأ يسيء إلى الاسلام وإلى أوضاع المسلمين الفرنسيين.
إن كل هذه الأخطاء الجسيمة يصححها الاعتذار إلى فرنسا... والاعتذار إلى الصحافيين والامتناع من حيث المبدأ عن اختطاف أي انسان بريء. فالمقاومة هي ضد العدو المحتل... وعندما تخرج عن هذا الاطار تصبح إرهاباً يلحق الأذى بكل قضية وطنية عادلة وبأصحابها.
- آخر تحديث :















التعليقات