فاجأ الزعيم الليبي معمر القذافي العرب واليهود عندما اعلن استعداده، في خطاب القاه بمناسبة الذكري الخامسة والثلاثين لثورة الفاتح، دفع تعويضات لليهود الليبيين الذين اجبروا علي ترك منازلهم.
مصدر المفاجأة ان مسألة التعويضات هذه غير مطروحة، في الوقت الراهن علي الاقل، ولا توجد اي ضغوط اسرائيلية او امريكية علي الزعيم الليبي للاقدام عليها، علي غرار ما حدث بشأن ضحايا كارثة لوكربي او الطائرة الفرنسية اوتا.
ويظل السؤال الذي يبحث عن اجابة، هو حول اسباب تطوع الزعيم الليبي بالاقدام علي هذه الخطوة، والدوافع السياسية التي يريد تحقيقها، فالرجل، وبحكم تجارب سابقة، لا يفجر قنابله السياسية هذه من اجل التسلية او لفت الانظار، وانما للتمهيد لخطوات مستقبلية معينة.
صحيح ان دخل ليبيا السنوي من النفط بات يقترب من العشرين مليار دولار بعد ارتفاع الاسعار الي ارقام، ولكن هذا لا يعني توزيع هذا الدخل في مسلسل للتعويضات بدأ بصندوق ضحايا لوكربي ويوتا ولابيل (الملهي الالماني) وصولا الي اليهود الليبيين وأملاكهم. فالليبيون أولي بهذه الاموال، واحق بالتعويضات عن سنوات الحرمان الاخيرة.
الارجح ان الزعيم الليبي يريد شيئا ما، لعله تحييد اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة واوروبا واستمالة الغرب، مما يعني انتصار الجناح الليبي الذي يطالب بالاتجاه شمالا، والاندماج في الاقتصاد الاوروبي وادارة الظهر للعرب والافارقة معا، باعتبار الطرفين مستودعا للتخلف والامراض السياسية والاجتماعية.
وقد يجادل بعض مؤيدي الاقتراح الليبي الرسمي بالقول ان التعويضات لليهود الليبيين جاءت مشروطة بعدم استيلاء من سيجري تعويضهم علي منازل فلسطينية، وهو جدل مردود عليه، بالقول ان هؤلاء هم الذين يجب ان يدفعوا تعويضات للفلسطينيين لانهم استغلوا ارض فلسطين وثرواتها، وشاركوا عمليا في المشروع الصهيوني، وحروبه ضد العرب.
فعدم الاستيلاء علي منزل يعود لفلسطيني لا يعني اعطاء اليهود الليبيين صك براءة يعطيهم الحق في الحصول علي تعويضات عن منازلهم التي تركوها في ليبيا، لان المنازل التي يقيمون فيها حاليا مبنية علي ارض مغتصبة وتعود ملكيتها لمواطنين فلسطينيين يعيشون حاليا في مخيمات اللجوء في لبنان وسورية والاردن والعــراق ومصر، وداخل الضفة والقطاع.
لا أحد يعترض علي عودة اليهود العرب الي اوطانهم الاصلية، واستعادة مواطنيتهم واملاكهم، ولكن مقابل عودة الفلسطينيين جميعا الي مدنهم وقراهم، والحصول علي تعويضات عن سنوات الحرمان والمعاناة لاكثر من خمسين عاما في المنافي ومخيمات اللجوء اولا، ثم عن استغلال الاسرائيليين لارضهم ومائهم وبحارهم وهوائهم علي مدي كل هذه السنوات.
كنا نتمني لو ان الزعيم معمر القذافي، وبعد ان فرغ من دفع التعويضات لضحايا الطائرات الامريكية والفرنسية والملهي الليلي الالماني، ونجح في رفع الحصار المفروض علي بلاده، واعادة فتح السفارات البريطانية والامريكية والايطالية، ان يركز علي طلب التعويضات لضحايا الشعب الليبي الذين فقدوا حياتهم بسبب الغام الحرب العالمية الثانية التي زرعها الايطاليون في الاراضي الليبية، او ضحايا الطائرة الليبية التي اسقطها الاسرائيليون عمدا فوق سيناء عام 1971، وكان بينهم الشهيد صالح بويصير أول وزير خارجية لليبيا بعد الثورة.
ان اكثر ما نخشاه ان يكون لدي العقيد معمر القذافي نوايا او مشروع اقامة نوع من العلاقات مع الدولة العبرية اسوة ببعض الدول العربية الاخري، مثل مصر والمغرب وسلطنة عمان وتونس وقطر والاردن. ولهذا طرح مسألة التعويضات هذه كبالون اختبار لجس النبض الاسرائيلي، ومعرفة ردود الفعل العربية، والفلسطينية علي وجه الخصوص.
فتجاربنا مع معظم الثوريين العرب تبعث علي الكثير من خيبة الامل، فاذا كفروا بالثورية، لاسباب في بعض الاحيان تبدو ظاهريا منطقية، انتـــقلوا من النقــيض الي النقيض، فنسبة كبيرة من الشيوعيين العراقيين اصبحوا حلفاء خلص للامبريالية الامريكية الام التي طالما شتموها وتطوع بعضهم بحماس غير عادي لانجاح غزوها للعراق ومشروعها الاستعماري فيه، وشاهدنا بعض الثوريين الفلسطينيين يصافحون شارون، ووصل الامر باحدهم (ابو مازن) الي القول بانه لايوجد اي عداء بين الفلسطينيين والاسرائيليين، ويأسف لمعاناة اليهود، وينسي ذكر اي كلمة عن معاناة شعبه اثناء قمة العقبة سيئة الذكر.
اسرائيل تعيش هذه الايام ازمة حقيقية، حيث بدأت تفقد اهم اسباب وجودها وازدهارها وهو توفير الامن لمستوطنيها بفضل المقاومة الفلسطينية، ورفض الشعب الفلسطيني الاستسلام رغم الخذلان العربي الرسمي، والمجازر الاسرائيلية اليومية التي تستهدفه. ولذلك فان المأمول من الزعماء العرب، وعلي رأسهم الزعيم الليبي، ان يوفروا اجتهاداتهم ويتوقفوا او يجمدوا عروضهم بالسلام، او التعويضات، لليهود والاسرائيليين، ولو لبضع سنوات، طالما انهم لا يستطيعون او بالاحري لا يجرؤون علي دعم او حتي الحديث عن دعم المقاومة خوفا من العصا الامريكية الغليظة.
نعترف بان الشعب الليبي دفع ثمنا غاليا لدعمه القضايا العربية والمقاومة الفلسطينية بالذات، وعاش حصارا ظالما لعدة سنوات، فرضته الولايات المتحدة بغطاء دولي مزور، ولكننا لا نريد لهذه التضحيات ان تذهب سدي من خلال مبادرات متعجلة وغير مدروسة، بتعويض من سرقوا الارض العربية، واذلوا العرب والمسلمين، وتلطخت اياديهم، وما زالت بدماء الابرياء في جنين ورفح والخليل وقبلها في دير ياسين وبحر البقر مجانا ودون اي مقابل ملموس.