هل صحيح أن منطقة الخليج العربي تحتل اليوم أهمية استراتيجية وعسكرية واقتصادية لم يسبق لها أن احتلتها في تاريخها الطويل؟ ولماذا أصبحت احداث الخليج اليومية وتقلباته السياسية والاقتصادية تطغى على أحداث العالم الأخرى بل تسيطر على مساحة شاسعة من خريطة الاهتمام العالمي؟ وهل ذلك بسبب النفط الذي هو أهم سلعة استراتيجية في عالمنا المعاصر أم أن له أسباباً أخرى تتعلق بضعف المنطقة السياسي وبصراع القوى العظمى في ما بينها لتسوية نزاعات تاريخية وحسم الزعامات السياسية؟ وهل أصبحت منطقة الخليج اليوم تمثل بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط ما كانت منطقة البلقان تمثله لأوروبا حتى الحرب العالمية الثانية، أي بركاناً يهدد بإشعال المنطقة كلها والعالم أجمع بناره؟ وكيف تنعكس هذه الأوضاع جميعها على إنسان الخليج البسيط الذي يحلم، كما يحلم أمثاله في الدول النامية، بلقمة عيش هنيئة بعيدة عن المنغصات؟ هل أصبح حلمه البسيط هذا جزءاً من اللعبة السياسية الدولية وتسوية الحسابات بين القوى العظمى أم أن قدره على مر العصور والأزمان أن يدفع ضريبة الصراع بين القوى العظمى؟

منذ القرن السادس عشر عرفت منطقة الخليج العربي قوى أوروبية عظمى جاءت ومعها نزعات عنصرية ودينية وعسكرية فظة. وأصبح الخليج منذ ذلك الوقت ميدانا لحسم النزاعات العسكرية والدينية والسياسية. لم يكن الخليج هدف هذه القوى، عندما جاءت إلى المشرق، وإنما الهند. لقد جلب غنى الهند وتفككها السياسي وضعفها أطماع جميع القوى الأوروبية من دون استثناء ولذا جاءت بهدف السيطرة على أراضي الهند وثرواتها. وبما أن الخليج كان ممرا مائيا مهما يربط أوروبا بالهند فقد وقع في معمعة الصراع الأوروبي للسيطرة على الهند.

وطوال التاريخ الحديث كانت السيطرة واليد العليا في الخليج لتلك القوة التي تتمكن من بسط سيطرتها على الهند الغنية بثرواتها الطبيعية المختلفة. لقد كانت السيطرة على الخليج في بداية العصور الحديثة للإمبراطورية البرتغالية التي تمكن مغامروها من اكتشاف الطريق المؤدي للهند عبر الدوران حول رأس الرجاء الصالح. وتمكنت سفن الإمبراطورية الكاثوليكية البرتغالية من دخول الخليج وإدخاله في معمعة الصراعات الأوروبية وخلافاتها السياسية والمذهبية المعقدة. كانت سفن البرتغال، التي كانت ترفع في مقدمتها الصلبان المسيحية، هي الإعلان المباشر عن بدء مرحلة تاريخية الحسم فيها لمن يملك القوة العسكرية كما كانت بداية لمرحلة من الأصولية الدينية والتقلبات السياسية في منطقة لم تعرف قط طعم الاستقرار السياسي.

وطوال الوجود البرتغالي في الهند كان الخليج على الدوام جزءاً من اللعبة السياسية لهذه القوة العظمى ومصالحها الإمبراطورية حول العالم. ولكن ما إن ضعف الوجود العسكري البرتغالي في الهند، حتى حلت محله قوتان شابتان هما انجلترا وهولندا، اللتان تختلفان مع البرتغال في المذهب الديني وفي الطبيعة العسكرية. وبدأ الاهتمام بالخليج وبالتالي السيطرة على الخليج تنتقل تدريجيا من البرتغال إلى انجلترا وهولندا. فالأخيرتان تتبعان المذهب البروتستانتي أما طبيعتهما العسكرية فهي مغايرة للطبيعة البرتغالية الفظة. فقد كانتا تعتمدان على الدبلوماسية الرامية إلى تبرير كل فعل همجي بإضفاء الشرعية عليه ليكون مقبولا لدى الآخرين. وهكذا تزعمت هاتان الدولتان العالم بعد انهيار الإمبراطورية البرتغالية. وكان من الطبيعي أن تتغلغل هذه القوى في منطقة الخليج، فلا غنى لأي قوة عظمى آنذاك عن الخليج كممر مائي مهم يربط بين الشرق والغرب. ولكن ما إن انزاح النفوذ البرتغالي حتى نشب صراع عسكري بين انجلترا وهولندا للسيطرة على الخليج. وهكذا أصبحت مناطق الخليج مجالا لتصفية الحسابات الاستراتيجية ولحسم الزعامات السياسية ولفض الخلافات العقائدية بين دول أوروبا العظمى.

ظل الاهتمام بالخليج يبرز ويخفت ومرتبطا كل الارتباط بمصالح دول أوروبا في الهند. وفي مرحلة تاريخية لاحقة جاءت قوى أوروبية أخرى للخليج أملاً في ملء الفراغ السياسي الذي تركته انجلترا حين ركزت على مصالحها في الهند تاركة الخليج من دون حراسة عسكرية مشددة. فقد جاءت ألمانيا وفرنسا وروسيا القيصرية كما دخلت الحلبة ذاتها الدولة العثمانية، وهي الدولة المسلمة التي مدت نفوذها إلى منطقة الخليج من منطق أنها دولة الخلافة الإسلامية، وبالتالي فهي أولى من غيرها بالسيطرة على الخليج والجزيرة العربية. وعلى الرغم من أن تركيا مدت نفوذها على العراق والكويت ووصلت إلى قطر والإحساء، إلا أن دولة بني عثمان لم تكن يوما دولة قوية أو ندا لدول أوروبا. لذا سرعان ما ضعفت لتتقاسم دول أوروبا تركة “رجل أوروبا المريض” حتى قبل وفاته.

ولكن ما إن خرجت الدولة العثمانية من حلبة اللعبة السياسية للدول العظمى حتى صعد من جديد نجم بريطانيا التي أصبحت أعظم قوة على سطح الأرض. وبوصفها القوة العظمى كان لا غنى لها عن الخليج الذي أصبح بالنسبة لها شريانا حيويا يغذي مستعمراتها حول العالم. وقد اتبعت بريطانيا على الدوام أسلوبا مختلفا عن دول أوروبا في السيطرة على مستعمراتها. فكان أسلوبها قائماً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للمستعمرات الا عند الضرورة القصوى وحين تكون مصالحها الإمبراطورية مهددة. لقد ضمن لها هذا الأسلوب الاستمرارية السياسية ليس فقط في الهند والخليج ولكن في مناطق أخرى من العالم. وبينما لم يدم الاستعمار البرتغالي والهولندي في الهند والخليج طويلا دام الاستعمار البريطاني قرونا عديدة. خلال تلك الفترة استخدمت بريطانيا في الخليج مختلف الأساليب الدبلوماسية لتسوية حساباتها مع الدول الأوروبية الأخرى حتى تحددت الزعامة السياسية لها.

ولكن رياح التغيير هبّت على بريطانيا العظمى كما هبت على مناطق أخرى من العالم. وبدأت المستعمرات البريطانية تتحرر الواحدة تلو الأخرى وبدأت الإمبراطورية البريطانية في الانكماش جغرافيا وسياسيا. وما إن تحررت الهند وانقسمت سياسيا إلى عدة كيانات حتى بدأت منطقة الخليج تكتسب أهمية مغايرة في السياسة البريطانية، وأصبح الخليج يدار مباشرة من لندن، الأمر الذي يعكس الأهمية التي أصبحت منطقة الخليج تحتلها في الاستراتيجية البريطانية. لقد أدركت بريطانيا أن عهداً قد ولى، وأن عهدا جديدا قد بدأ وأنها لا بد أن تتنازل عن الزعامة السياسية لقوة أخرى شابة. وأدركت بحسها الاستعماري أن هذه القوة الجديدة هي الولايات المتحدة الأمريكية، فهي ليست الدولة القوية عسكرياً وتقنياً، بل تلك التي خرجت للعالم بمظهر دولي حديث قائم على مثل ومبادئ إنسانية جذابة. وأدركت بريطانيا بحسها الاستعماري أنها يجب أن تتنازل للولايات المتحدة عن الزعامة من دون صراع عسكري تكون فيه هي الخاسرة، بل كان عليها التعامل مع الوضع الجديد بكل دبلوماسية ضمانا لاستمرار مصالحها الحيوية في العالم. وعلى الرغم من العلاقات التنافسية مع الولايات المتحدة، إلا أن بريطانيا ارتضت لنفسها أن تكون تحت قيادة أمريكا ما دامت الأخيرة سوف تحفظ لها هامشاً من الحرية وتتقاسم معها المصالح الاقتصادية.

وهكذا تم حسم منطقة الخليج بين القوى العظمى. ومما سهل عملية الحسم أن الكيانات السياسية في الخليج كانت ضعيفة وفي وضع لم يكن يؤهلها لتقرير مصيرها بنفسها. وهكذا انتقلت السيطرة على الخليج من بريطانيا إلى أمريكا. وارتضت بريطانيا التنازل عن الزعامة السياسية لدولة تدرك جيدا أن أي صراع معها سوف يجعلها هي الخاسر الأول. في هذا الوقت بالتحديد قفزت منطقة الخليج فجأة إلى مسرح الاهتمام العالمي بسبب النفط. وبحكم وضعها التقني المتميز وخبرتها الاقتصادية حازت الولايات المتحدة مكان الصدارة في الخليج. ورضيت بريطانيا أن تتقاسم مع أمريكا الكعكة الاقتصادية والسياسية على أساس تنازلها عن الزعامة السياسية للولايات المتحدة وحفظ ماء الوجه بالظهور بمظهر الشريك عوضا عن الرجل الثاني وهو الدور الذي لم ترض بريطانيا قط أن تلعبه من قبل. وهكذا تحدد المستقبل السياسي للخليج في ضوء المصالح الغربية وأدوار الزعامات السياسية المتعاقبة.

إن صناع القرار في الخليج بحاجة لمراجعة التاريخ، فدراسة تاريخ هذه المنطقة توضح لنا بجلاء أنها كانت على الدوام جزءاً من اللعبة السياسية لتسوية الحسابات بين القوى العظمى وميدانا لحسم الزعامات السياسية والأيديولوجيات الغربية المعقدة. وسوف يثبت لنا التاريخ أن هذه المنطقة سوف تظل جزءا من اللعبة السياسية والاستراتيجية الدولية حتى من دون النفط، فأهمية الخليج الاستراتيجية أهم من النفط الذي يمكن توفيره من مصادر أخرى. أما الموقع فسيظل، كما حدث عبر التاريخ، هو الأهم. ومما سوف يساعد على استمرار هذا الوضع هو الأحوال السياسية السائدة في دول الخليج والتي تظهر هذه المنطقة كلعبة الشطرنج التي تحركها الأهواء الخارجية كما تشاء. فضعف المنطقة سياسيا لن يساعد على ظهور مقاومة داخلية منظمة لمقاومة الهيمنة الغربية. ولولا أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر ،2001 والتي جاءت كالتمرد على قرون من الضعف السياسي وزمن طويل من الوصاية الغربية، لما تنبهت الدول الغربية إلى الحراك الاجتماعي والأيديولوجي في الخليج، فأحداث سبتمبر، التي جاءت لتضع منطقة الخليج والشرق الأوسط بأسره عند مفترق طرق، كانت هي الفقاعة التي انفجرت معلنة بداية مرحلة حاسمة من تاريخ دول الخليج وحلقة في سلسلة تصفية الحسابات والزعامات السياسية بين القوى العظمى. لقد نبهت هذه الأحداث القوى العظمى الى أن الخليج لم يعد نفطا، وأن مواطنيه ليسوا مجرد مستهلك شره للسلع والأفكار الغربية، بل منطقة تصنع الحدث وتؤثر مباشرة في الأمن القومي للدول العظمي. وفتحت التغيرات الدولية والحراك الداخلي في الخليج أبواباً جديدة على مجتمعات الخليج لن تغلق إلا وقد أحدثت تغيرات جذرية في هذه المجتمعات. فهل استعدت الأنظمة السياسية لمواجهة هذه التغيرات؟