ارتفعت أسعار البترول إلى مستويات تاريخية حسب الأسعار الرسمية، حتى قاربت منذ نحو أسبوعين خمسين دولارا للبرميل (زيت غرب تكساس)، بعدما كانت في حدود عشر دولارات منذ خمس سنوات. وبالطبع عندما ترتفع أو تنخفض الأسعار بشكل حاد، يكثر الكتاب الساعون إلى تحليل أوضاع السوق وادعاء معرفة مختلف جوانبها، بل خفاياها. ويأخذ البعض بتقديم النصائح والاقتراحات بما يجب عمله، مركزين على الجوانب السياسية، مغفلين، أو ربما غـير مدركين، للحقائق والجوانب الاقتصادية والفنية في صناعة البترول. وهناك من خدعته موجة ارتفاع أسعار البترول، فأخذ يطالب بارتفاعها بشكل أكبر، أو العمل على عدم انخفاضها على الأقل.
ومن الأفضل ألا ننجرف وراء التيارات أو الآراء العاطفية أو المبسّطة في تحليل الشأن البترولي، بل يجب أن نكون واقعيين أكثر، ونحلل السوق بشكل عقلاني، آخذين في الاعتبار كافة أبعاد ارتفاع أسعار البترول، وتأثيراته المختلفة، وبالذات على المديين المتوسط والطويل. ولعل أهم النقاط التي تحتاج إلى دقة وواقعية في التحليل، تدور حول أسباب الارتفاع الحالي، وإمكانية استمرار الأسعار مرتفعة، وتأثيرات ذلك على الاقتصاد العالمي، وعلى الصناعة البترولية، وعلى الدول المنتجة، وبالذات دول «أوبك»، وتحديداً المملكة العربية السعودية.
بداية، لا شك أن الارتفاع الحالي لأسعار البترول يعد أمراً غير متوقعاً، فأغلب، إذا لم يكن جميع التوقعـات، من قبل الخبـراء، والمؤسسات الاستشارية ومنظمات الطاقة، والشركات، لم تكن مع بداية هذا العام ترى إمكانية وصول الأسعار إلى حتى خمسة وثلاثين دولاراً للبرميل، بل كانت ترى العكس، أي انخفاض الأسعار، وبالذات خلال الربع الثالث من هذا العام، أي في هذا الوقت تقريباً. إلا أن ما حدث هو عكس ذلك، نتيجة لحدوث العديد من التطورات البترولية وغير البترولية بشكل متزامن أو متعاقب، ولعل أهم هذه التطورات هو التالي:
أولاً: زيادة الطلب العالمي بشكل أكبر مما كان متوقعاً، وبالذات من قبل الولايات المتحدة، والصين، والهند، وبعض الدول النامية. فوكالة الطاقة الدولية كانت في بداية هذا العام تتوقع أن يكون الطلب العالمي على البترول لهذا العام، أقل من 80 مليون برميل يومياً، إلا أنها قامت بتعديله الآن إلى 82.2 مليون برميل يومياً وبزيادة تصل إلى أكثر من مليوني برميل يومياً.
ثانياً: مع بداية العام كانت التحليلات تشير إلى دخول كميات جـديدة من البترول للسوق العالمية، وبالذات من روسيا، وبحر قزوين، وغرب أفريقيا، والعراق وغيرها، إلا أن هذا لم يحدث بالكميات التي كانت متوقعة، بل إن الزيادة المتوقعة لهذا العام، من خارج منظمة «أوبك»، ما زال يصاحبها الكثير من الغموض، وبالذات مع انخفاض إنتاج العديد من الدول خارج «أوبك».
ثالثاً: الأوضاع السياسية والعمالية في بعض الدول المصدرة للبترول، فعدم الاستقرار السياسي والأمني، أو التخوف من حصول اضطرابات أو مشاكل أمنية، تؤثر على الإنتاج في هذه الدولة أو تلك، مثـل العراق، ونيجيريا، وفنزويلا، والمملكة العربية السعـودية، ويأتي ضمن ذلك الإضـراب العمالي في النرويج، وأحداث شركة يوكس في روسيا، وقد ساهمت جميعها في وجود حالة من الهلع في السوق، وبالذات مع محدودية الطاقة الإنتاجية العالمية الفائضة، والتي تقدر الآن بحوالي مليون ونصف برميل يومياً (أي في حدود واحد في المائة من حاجة السوق العالمي).
رابعاً: الضغوط على سوق المنتجات البترولية، وبالذات في الولايات المتحدة التي تستهلك ربع الإنتاج العالمي. ففي السوق الأميركية يوجد العديد من المشاكل المرتبطة بتكرير البترول، ونوعية المنتجات البترولية المستخدمة، وبالذات البنزين. وهذه المشاكل ناتجة عن الأنظمة البيئية التي حجمت إنشاء مصافي للبترول جديدة مما أدى إلى وجود عجز كبير في الطاقة التكريرية في أميركا، (لدى الدول الصناعية طاقة تكريرية تساوي أو تزيد عن حاجة أسواقها، ما عدا الولايات المتحدة التي لديها عجز في الطاقة التكريرية يصل إلى حوالي مليوني برميل يومياً أو 10% من حاجتها، والذي يتم تعويضه عن طريق استيراد المنتجات والتي قد لا تكون متوفرة دائماً بالمواصفات المطلوبة)، كما أن هذه الأنظمة تجعل من الصعب أحياناً مواجهة الطلب في بعض الولايات لبعض أنواع البنزين، فتؤدي إلى عدم وجود مخزون كاف من المنتجات. هذه الاختناقات والمشاكل، وبالذات مع زيادة الطلب في الولايات المتحدة وعالمياً، أدت إلى ارتفاع أسعار البنزين بشكل كبير، مع وجود عجز في بعض أنواع البنزين في بعض الولايات، وهذا بدوره ساهم في ارتفاع أسعار الزيت الخام.
خامساً: أوضاع الأسواق المالية، فهناك دور وتأثير هام تلعبه السوق المالية الدولية وأوضاعها المختلفة على السوق البترولية الدولية، ويتم هذا، وفي الدرجة الأولى، من خلال صناديق الاستثمار المالية والمضاربين في السوق الآجلة للبترول، والذين يساهمون في ارتفاع أو انخفاض الأسعار، حسب نظرتهم للسوق البترولية من ناحية، وفرص الاستثمار في مختلف القنوات المالية الأخرى من ناحية ثانية. فانخفاض الفائدة على العديد من العملات الرئيسية، والاضطرابات في سوق الأسهـم، وكذلك انخفاض قيمة الدولار، وزيادة الطلب على المواد الخام، دفعت الكثير من المستثمرين في السوق الآجلة إلى شراء عقود المواد الخام، وبالذات عقود البترول، مما ساهم بشكل كبير في ارتفاع أسعار البترول.
ومن هنا، يمكـن القــول إن ارتفاع أسعار البترول إلى خمسين دولاراً للبرميل، ليس له ما يبرره من حيث الاعتبارات الفنية والاقتصادية، بل إنه نتيجة لتضافر عدة عوامل حدثت في أوقات متقاربة، ومن الممكن حصول العكس، أي تضـافر عوامل سلبية في وقت واحد، مما قد يؤدي إلى انهيار الأسعار.. ولذا يجب أن نكون حريصين وواقعيين في نظرتنا إلى الأسعار عند ارتفاعها، حتى لا ننجر وراء العاطفة أو المصالح الآنية أو التفسيرات السياسية (نظرية المؤامرة)، ونعتقد أن هذه الأسعــار سوف تستمر أو يجب أن تستمر على هذه المعدلات العالية.
وهذا يقودنا إلى الحديث عن التأثيرات الممكنة للأسعار الحالية على الاقتصاد العالمي، وعلى الصناعة البترولية العالمية، وبالتالي على الدول المنتجة والمصدرة للبترول وبالذات المملكة العربية السعودية.
فبالنسبة للاقتصاد العالمي، وبالذات اقتصادات الدول الصناعية، لم تتضح حتى الآن أي آثار سلبية مرتبطة مباشرة بارتفاع أسعار البترول، بل إن هناك اختلافا بين أغلب الاقتصاديين حول هذا الموضوع، وإن كانت الغالبية ترى أن تأثيره سيكون محدوداً، وبالذات في حالة عدم استمرارها، مع اختلاف الوضع من دولة إلى أخرى. أما بالنسبة لاقتصادات الدول النامية المستوردة للبترول، فإن التأثير سيكون سلبياً، ليس فقط من ناحية إمكانية انخفاض معدل النمو الاقتصادي وزيادة نسبة التضخم في هذه الدول، بل في ميزان المدفوعات والميزان التجاري. ويتوجب في هذا السياق الإشارة إلى أن نصف الزيادة في الطلب العالمي على البترول خلال العشرين عاماً الماضية، قـد حصلت من اقتصادات الدول النامية، حيث ارتفع الطلب من هذه الدول من 13 إلى حوالي 30 مليون برميل يومياً، وبنسبة أعلى من زيادة الطلب في الدول الصناعية لنفس الفترة. كما يجب الإشارة إلى أن أغلب الزيادة في الطلب المستقبلي على البترول ستأتي من الدول النامية، وبالذات الدول الآسيوية.
ولا شك أن لدى الدول المستهلكة للبترول - الصناعية والنامية - المقدرة على خفض اعتمادها على البترول، وبالذات عندما يتضح أن ارتفاع الأسعار هو نتيجة لعمل متعمد من قبل الدول المنتجة، والذي قد يؤثر سلبياً على اقتصاداتها. وبهذا تتخذ سياسات تؤدي إلى تخفيض استهلاكها من البترول، وبالذات على المديين المتوسط والطويل، والذي يؤثر بدوره على دخل ووضع الدول الرئيسة المنتجة للبترول. فمن السياسات التي اتخذتها الدول المستهلكة والتي أثبتت فعاليتها، وبالذات في فترات ارتفاع الأسعار السابقة، رفع الضرائب على المنتجات البترولية، وتشجيع استخدام البدائل الأخرى للطاقة، وزيادة معدل كفاءة استخدام البترول والطاقة. فعلى سبيل المثال، خفضت الحكومة الأميركية في السبعينات وفي الثمانينات معدل السرعة على الطرق السريعة (تم التخلي عنها حالياً)، كما فرضت الدول الصناعية معدلات كفاءة استخدام البنزين في السيارات الجديدة.
وقد ثبت نجاح تلك السياسات، ليس فقط في خفض استهلاك البترول فحسب، بل أيضاً في تخفيض الطلب على البترول. ونفس الأمر ينطبق على العديد من الدول الصناعية المستهلكة، والزائر لهولندا الآن، يلاحظ مثلاً، النسبة العالية في استخدام الدراجات الهوائية، والناتج عن سياسة شجعتها الحكومة منذ ثلاثين عاماً، بقصد تخفيض استيراد البترول. وقد نجحت الدول الصناعية في هذا الأمر خلال الفترات السابقة، وذلك النجاح ليس مقتصراً على توقف نمو الطلب على البترول، وانخفاض العلاقة الايجابية بين النمو الاقتصادي والطلب على البترول فحسب، بل أيضا زيادة الإنتاج مناطق جديدة، حيث انخفض الطلب على بترول الأوبك من 31 م/ب/ي فـي عام 1979 إلى 15 م/ب/ي في عام 1985م، أي أكثر من النصف، كما أنخفض إنتاج المملكة العربية السعودية، من أكثر من عشرة ملايين برميل يومياً في عام 1980م، إلى حوالي ثلاثة ملايين في عام 1985م.
وتدرس العديد من الدول المستهلكة، في الوقت الحاضر، بعض السياسات التي من الممكن أن تتخذها لتخفيض استهلاك البترول. وعلى سبيل المثال، فتايلاند تعمل على تقليل ساعات النشاط التجاري، بقصد تخفيض استخدام البترول، والفلبين قررت عدم شراء الحكومة لسيارات جديدة، وحثت مالكي السيارات على تقليص استخدامهم لسياراتهم، كما أن دولا مثل الصين والهند والاتحاد الأوروبي، تدرس كيفية تخفيض استخدام البترول، كما أن البترول واستيراده، وبالذات من المملكة، أصبح قضية انتخابية هامة في الولايات المتحدة.
ولعل ما يخفف من الأزمة الحالية ويجعلها تختلف عن الأزمات السابقة، أن الغالبية تدرك أن الارتفاع الحالي لأسعار البترول، يعود إلى عوامل عدة لا يسيطر عليها جانب من دون آخر، وليست قضية صراع ما بين الدول المنتجة والمستهلكة، وليست ناتجة عن رغبة الدول المنتجة في رفع الأسعار عنوة.
فالجميع على إدراك بالدور الإيجابي الذي قامت به منظمة «أوبك» بشكل عام، والمملكة العربية السعودية بشكل خاص، من أجل طمأنة السوق والدول المستهلكة، مع العمل على استقرار السوق، وتوفير الإمدادات بشكل كاف، وعدم ارتفاع الأسعار بشكل كبير ومفاجئ وغير مبرر، مما قد يؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي ونموه، وبالذات اقتصادات الدول النامية.وقد خفف هذا بدوره من ردة الفعل السلبية لدى الدول المستهلكة، ليس فقط تجاه «أوبك والدول المنتجة، بل كذلك تجاه البترول كمصدر للطاقة.
والأمر الذي يتوجب أن ندركه جميعاً، هو أننا نعيش في عالم تترابط مصالحه الاقتصادية، ويؤثر بعضها على بعض، وليس في صالح أي مجموعة اقتصادية مهما كانت قوتها، الدخول في صراع مع القوى الأخرى، أو التصرف بشكل أحادي قصير المدى. ولا شك أنه ليس في صالح الدول المنتجة للبترول بشكل عام، وخصوصاً المملكة العربية السعودية،التي تملك ربع الاحتياطي العالمي وحوالي 13% من الإنتاج العالمي، الدخول في صراع، أو حتى في علاقة غير ودية أو غير مرنة، مع عملائها، أي المشترين لمنتجها الأساسي، أي البترول، فعقلية عدم الاهتمام بالعميل أو المستهلك، والتركيز فقط على جني أعلى الأرباح بأسرع وقت، هي عقلية غير تجارية، ولها آثار سلبية غير محدودة على المديين المتوسط والطويل.
إن التحدي الرئيس والأساسي أمام المملكة هو عدم الاعتماد على سلعة واحدة، بغض النظـر عن أهميتها وسعرها كمصدر وحيـد للاقتصـاد الوطني بكـافة الإبعاد، (ميزانية الدولة ومـيزان المدفـوعات، وإجمالي الناتج الوطني)، وبالذات عندما تكون السلعة عرضة لتذبذبات كبيرة ليس فقط في أسعارها بل في الإنتاج.
فخلال السنوات الخمس الماضية فقط، تقلبت الأسعار من حوالي عشرة دولارات للبرميل إلى حوالي 50 دولاراً للبرميل، كما تقلب إنتاج المملكة من حوالي سبعة ملايين، إلى حوالي عشرة ملايين برميل يومياً. ومن هنا تأتي أهمية تركيز المملكة على استقرار السوق البترولية الدولية، ليس فقط فيما يخص الأسعار، بل في توازن العرض والطلب، والعمل على توفر الإمدادات، والتعاون الوثيق مع الدول المنتجة والدول المستهلكة للبترول على حد سواء، والعمل كذلك على استقرار إنتاج المملكة وزيادة طاقتها الإنتاجية.
*مستشار في وزارة البترول والثروة المعدنية السعودية














التعليقات