دمشق - ابراهيم حميدي: تترجل ديمة الشعار من سيارتها الرياضية السوداء وتجلس على كرسي مفروش بالمخمل الاحمر لتقول بلغة انكليزية ولهجة كندية: "اريد تقديم مفهوم جديد للمقهى" في دمشق... "المفهوم" الذي تسعى الشابة السورية المغتربة الى الترويج له, يمكن شرحه بكلمات بسيطة: الكثير من الرواق والعزلة مقابل القليل من السياسة والحكي بالشأن العام. وهي لا تعتمد على الرجال لبلوغ مأربها, بل على اربع فتيات هن في بداية العشرينات من العمر "ناضلن ليكن رائدات في العمل في المقاهي في جو ذكوري" ولتحقيق "اختراق اجتماعي وثقافي". اما جمهورها, فهو من الشريحة "المعولمة" التي يقع عمر افرادها

بين 20 و35 عاماً الذين انخرطوا في "تكنولوجيا المعلومات"... وباتوا في امس الحاجة الى "الصمت والعزلة".

لو كانت الشابة ديمة (22 عاماً) تسعى الى تحقيق هدفها في مكان جغرافي آخر, لكانت سمكة صغيرة في محيط كبير. لكن ما يجعل تجربتها فريدة هو انها تبحر في عالم من المقاهي (نحو 177 مقهى في دمشق) المليء بالسياسة والنقاشات والفولكور الشعبي. اذ ان المقهي في العرف الشعبي: هو ذاك المكان الذي يجتمع فيه الناس للتسلية والحديث بالشأن العام سواء كان سياسياً ام اجتماعياً... او مسلسلاً تلفزيونياً عندما يتواضع الملتفون حول طاولة ما ملفوفين بدوائر دخان سجائرهم او نراجيلهم.

كان مقهى "الحجاز" في عقود سابقة مكان المباريات السياسية بين الحزبيين من شيوعيين وبعثيين. ثم اممت وزارة الثقافة مقهى "هافانا" على أمل التطويع المخملي للمثقفين, قبل ان يأتي بعد عقدين مقهى "البرازيل" في فندق "الشام" ليصبح مكان اجتماع المثقفين "المخمليين سلفاً" او رجال الاعمال الصاعدين و"النوافير" في فندق "شيراتون" للنقاشات الرسمية... الغنية مالاً وليس عمقاً وتنوعاً.

لكن مقهيين بقيا رمزا للعاصمة السورية: "النوفرة" الواقع خلف الجامع الاموي باعتباره المقهى السياحي الذي يضم حكواتي دمشق وعصفوراً اليفاً "يدبق" الزبائن, وهو النسخة الشامية من مقهى "الفيشاوي" المصري. اما الثاني, فهو "الروضة" الذي يسمى "قهوة" وليس "مقهى" لما يتضمن من شعبية وبعد سياسي. كما انه المكان المفضل لـ "المعارضة" بنقاشاتها ودوائرها حول طاولات محاطة بجدران عالية وصامدة على بعد امتار من مبنى البرلمان.

وانعكاساً لـ"الانفتاح" الاقتصادي في السنوات الاخيرة, راحت المقاهي تنتشر في سورية كـ"الفطر المشروم" لتكون إما امتداداً لمطاعم مثل مقهى "بت ستوب" توأم مطعم "جيمني", و"الشرق" شقيق "نادي الشرق", وكان ابرزها قيام شابين مغتربين بتأسيس سلسلة مقاهي "إن هاوس كافيه" شملت ثلاثاً في طريق المزة ومنطقتي "ابو رمانة" و"القصاع".

وكان اوتوستراد المزة الاكثر استقطاباً لمؤسسي المقاهي اذ ضم الى "إن هاوس كافيه" مقهيي "سهارى" و"او ديو" و"يونايتد كالر او بنتون" و"لا نوازيت". وطالما صار "سهارى" معرضاً او استعراضاً لرجال الاعمال الشباب ومالكي السيارات والساعات الفخمة و"اوديو" للشرائح الشعبية والسياحية العربية, سألت ديمة الشعار نفسها سؤال التأسيس: "أي جمهور استهدف"؟ ومستفيدة من دراستها الاكاديمية والتخصص في ادارة المطاعم في جامعات كندية, جاء الجواب سهلاً, وهو تحويل مقهى "زيارة" المزاوي "ليضم جواً خاصاً يجمع بين الرواق والعزلة. عندما تأتي لا ترى ولا تُرى". وبالتالي فإن حضورك مثل عدمه بالنسبة الى الزبائن الاخرين.

"لاحظت" ديمة الشعار بعد شهور ان رواد "زيارة" لا يتحدثون في السياسة. وبعدما اجمعت مادلين صوفاني ومنال عبيدو وغيداء خليل خلال عملهن في المقهى على عدم قدوم "اشخاص للتنصت على الزبائن", فإنهن يستمررن مع "ربة العمل" ديمة في تقديم "مفهومنا الجديد" للمقهى: الكثير من الصمت, القليل من الحكي.