دخل المعلم غرفة الصف الخامس، كان متجهما وقفنا احتراما وتحية له، طلب الينا ان نجلس وبحركة خفيفة من يده، تناول الطبشورة وكتب على اللوح الاسود خلفه بخط واضح جميل:
كان الرجل سعيدا
كنت اجلس في مقاعد الصف الاول، فاقترب قليلا مني وسألني: هل انت سعيد ؟
أجبت بسرعة: لا بل انا محمد !
لم يلتفت الى حس النكتة في الاجابة، ولكنه تدارك الامر حين اخذ الطلاب يضحكون، فرماني بنظرة زاجرة !
وانتقل بالسؤال الى طالب آخر، فأجاب: نعم !!
نقلت الجملة الاولى عن اللوح الى دفتري ورحت افكر فيها وأتساءل:
ـ متى كان الرجل سعيدا ؟
ـ هل مايزال سعيدا؟
ـ لماذا كان سعيدا؟
ـ من هو هذا (الرجل)؟
لم اكد اكمل تساؤلاتي، حتى كان المعلم يسألني:
ـ اعرب كلمة (سعيدا) في الجملة المكتوبة على اللوح قلت: هي خبر منصوب لكان الماضية الناقصة.
قال: هذا صحيح احسنت
انفرجت اساريري قليلا، وشجعني استحسانه اجابتي على ان أسأل:
ـ لكن لماذا ينصب الخبر هنا يا استاذ وقد كنا تعلمنا ان الخبر مرفوع ؟
قال: الم تقل انه خبر لكان وان كان هذه تدخل على الجملة الاسمية فترفع المبتدأ ويسمى اسمها، وتنصب الخبر ويسمى خبرها ؟!
قلت: بلى، ولكنني لا اعرف سبب ذلك
اكتفى بأن هز رأسه، ومضى الى كتابة مثال جديد، ويبدو ان الحال لم تسعفه، فاستعان بنا لصياغة جملة جديدة تبدأ بكان، هذه
رفع احد الطلاب اصبعه، واجاب بلا استئذان:
ـ كان العرب دولة واحدة.
تكاثرت الاجابات بينما رحت افكر في جملة زميلي الذكي لم ينتبه المعلم الى المفارقة وحاولت ان اصنع من تلك الجملة جملا جديدة:
ـ كان العرب دولة واحدة، ثم تفرقوا واصبحوا عدة دول!
ـ كان العرب أمة واحدة، وكانوا سادة العالم
ـ كان العرب متحدين، ففرقتهم الدول الاستعمارية
ـ كان العرب دولة واحدة، فمتى يعودون الى ما كانوا عليه ؟!
لم اجد اجابات على اسئلتي، وظللت اكرر الجمل الى مالا نهاية راح المعلم يذرع غرفة الصف جيئة وذهابا، ثم عاد وتوقف عندي، ونظر في دفتري، وقرأ بعض ماكتبت، التفت الى طالب نابه في آخر الغرفة يسأله:
ـ ولكن .. لماذا كان فعل ماض ناقص، يا استاذ؟
أجاب بحدة:
ـ وهل هذا سؤال؟ المهم انها فعل ماض ناقص، وكفى !
كان طالب آخر يرفع اصبعه ليسأل وحين اذن له المعلم بالحديث قال:
ـ لماذا سميت الافعال الاخرى مثل صار واصبح وظل وامسى واضحى بأخوات كان هذه ؟ وقبل ان يجيب المعلم بشيء، كان طالب مشاغب آخر يسأل باستغراب:
ـ وهل لـ(كان) اب وأم ؟
انفجر الصف ضاحكا .. وقرع الجرس ايذانا بانتهاء الحصة، ولم نعرف للسؤال جوابا، حتى الآن !!