من الصعب جداً على المناصر المبدئي للشعب الفلسطيني ومثيله العراقي والشيشاني أن يمرر على التزامه بهذه القضايا وعلى ضميره الأخلاقي مجزرة الأطفال في بيسلان مهما كان غضبه متعالياً وبالغاً حده مما تلحقه القوى الاستعمارية الغربية (متضمنة “إسرائيل”) بهذه الشعوب من إبادة بمحصلة قتل للأطفال لا تفترق في نتيجتها عن قتل أطفال بيسلان.
في الشيشان وفلسطين والعراق لا يجمع المحتلون الأطفال في مدرسة واحدة ويقتلونهم قصفاً دفعة واحدة، إنما القتل لهم بهذه الطريقة قائم يومياً والأعداد في النتيجة النهائية هي بالآلاف، قتل الأطفال في الجانب العربي أو المسلم هو محفز ومانع لرفض قتلهم في بيسلان في يوم مدرستهم الأول لا لقبوله كوسيلة للوصول بها الى انسحاب المحتلين. والمؤكد أن كثيراً من الآباء والأمهات في الجانب المسلم رأوا أنفسهم في الآباء والأمهات الأوستيين الذين لوعوا بفقد أولادهم بذلك الشكل.
لكن، هل تدرك القوى الغربية المغزى في تحول عمليات الخطف الى هذه الدرجة من القسوة والعنف بعدما لم تكن كذلك من قبل؟ هل عاد هناك من يتوقع أن عملية الخطف الأخيرة التي هي الأعنف والأكثر ضحايا في التاريخ ستكون الأخيرة أو الوحيدة في تسجيلها هذا أم أنها منبئة بما هو شبيه وأشد قسوة؟ ألا يعود هذا الى عالم يخرج منه الخاطفون وعلاقة القوة فيه هي اللاتكافؤ الفادح بين مستعمر هائل القوة والتسليح والقدرة على البطش وإيقاع المجازر والتدمير المدني وما بين مستعمَرين لا يقفون أمام حكومات بوش أو شارون أو بوتين، في تطبيقها للاستراتيجيات العسكرية والأمنية لإخضاعهم بذرائع “الأمن” أو محاربة “الارهاب” أو برسالة التقدم وإحلال الديمقراطية، قانون دولي أو منظمات عالمية.
العالم الذي يخرج منه الخاطفون هو عالم يحقق فيه قادة قمع الشعوب الأخرى وقتلها أعلى شرعية انتخابية على أساس من الاستراتيجيات العسكرية واستراتيجيات “الأمن”. يتقدم بوش اليوم على كيري لدى الرأي العام الأمريكي بسبب استراتيجيته “الأمنية”. أما بوتين فقد جاء الى الحكم واستمر فيه منذ 1999 على أساس من سياسة القبضة الحديدية في الشيشان. وشارون هو بطل قومي يهودي والسياسي الأكثر شعبية لدى الناخب “الإسرائيلي” بسبب تميزه ما بين الزعماء الآخرين السفاحين أصلاً في مؤهلات القتل الجماعي للفلسطينيين وإيصال مدنهم ومناحي حياتهم الى الحضيض وما يقارب درجة الصفر. العراقيون والشيشانيون يحاربون عدوهم الهائل القوة والتسليح بالسلاح اليدوي، وبما أنه لا يكفي فهم يحاربونه ب “المؤذي” و”الضاغط” من الوسائل. الاختطاف، كما يقول خبراء السياسة، هو احدى نتائج حرب فيها اختلال قوة كبير جداً. لكن، هل تلاحظ القوى الغربية في مثل هذا العالم الذي يقتحم فيه جزء مهم من العالم الاسلامي هذا الاقتحام العنيف بوسائل القوة العسكرية ورهبتها ويعتدى على الحياة المدنية، هذا العالم الذي يصبح فيه قتل سبعين فرداً عراقياً يومياً خبراً صغيراً يندس بين الأخبار الأخرى ولا يستحق تكراره مرة أخرى.. هل تلاحظ ما يجب أن يلاحظ فعلاً وهو ليس كبر عدد الذين يريدون الموت استشهاداً طلباً لإضعاف عدوهم القوي، وإنما انهم لم يعودوا يهتمون بكسب “تعاطف” العالم. لقد كان هذا وما زال هدفاً كبيراً للنضال الفلسطيني وهدفاً للخاطفين الأوائل في السبعينات والثمانينات. أما اليوم فإن المجموعة الخاطفة في بيسلان لم تهتم بتعاطف الآخرين مع قضية الشعب الشيشاني، كانت تريد فقط أن يترك موتها أكبر الصدمات الممكنة على الناخبين الروس الذين جاءوا ببوتين أكبر الخدوش الممكنة على ضمير غربي حساس بدرجة أعلى لما يحدث لمواطنين غربيين دون غيرهم. لقد قالوا للمئات الذين كانوا معهم في الملعب الرياضي: “صلوا صلاتكم ولنمت معاً نحن وأنتم في سبيل القضية”.
يلاحظ أيضاً أن من المنظمات العراقية المتبعة لأسلوب الخطف من تقتل الرهائن غير مهتمة من قريب أو بعيد بالتعاطف العالمي مع قضيتها.
هناك سؤال كبير وحساس طرحه معلقون غربيون كبار وهو: هل لم تحقق عملية الخطف الدموية في بيسلان هدفها في جذب الانتباه الى المسألة الشيشانية؟ وجوابهم المحرج عليها كان نعم. أما ما يضاف الى هذا الجواب في الغرب الأوروبي المنتقد لغرب آخر تمثله أمريكا وحليفتها ويمثله بوتين فهو أن هذه المجزرة تثبت أن السياسات الأمنية والعسكرية وسياسات سحق الشعوب لا تحقق السلام أو تقضي على العنف. بل على العكس فإنها تزيده شدة ودموية. وفي نظر هؤلاء فإن فرنسا حكيمة كل الحكمة في تلمسها لحلول هادئة ودبلوماسية (لا يستبعد منها الحل المالي) لقضية مخطوفيها. أما بوتين الذي تحكمه سياساته الأمنية الصارمة فقد علم المختطفون مسبقاً بأنه لن يفاوضهم وأنهم ذهبوا الى بيسلان ليموتوا ويموت معهم أكبر عدد ممكن من المخطوفين.
من سمع خطاب بوتين الأمني بعد المجزرة ومن يرى المجازر الأمريكية في العراق وما يحدث في فلسطين، سيعلم أن القوى الثلاث المحتلة ليست في وارد المراجعة لسياستها وإنما الإمعان فيها والتحالف أيضاً عليها كما صرح مسؤولون “إسرائيليون” عن روسيا.
إن العالم الذي يخرج منه المختطفون تزداد ملامحه حدة واتضاحاً.














التعليقات