وجهت اللجنة الاولمبية الاميركية رسالة رسمية الى الرئيس جورج دبليو بوش طالبة منه عدم استغلال الالعاب الاولمبية الحالية في حملته الانتخابية ولأغراض سياسية. المشرفون على حملة الرئيس الاميركي اشادوا بمشاركة العراق وأفغانستان في الالعاب وأشادوا بفضل أميركا «بلد الحرية وحقوق الانسان» في تحقيق ذلك.
وأصبح أداء فريق كرة القدم العراقي من فضائل وخيرات «العم سام» على العراق والشعب العراقي، فبمنطق خبراء الحملة الانتخابية لجورج بوش فإن اميركا لم تخلص الشعب العراقي من ويلات الرئيس صدام حسين فقط وانما اعطت الفرصة للعراق للمشاركة في الاولمبياد وتقديم اداء رائع في كرة القدم. اسدل الستار على الالعاب الاولمبية بالعاصمة اليونانية اثينا بحضور شخصيات سياسية بارزة من رؤساء وملوك ومسئولين سياسيين كبار من عدة دول من جميع انحاء المعمورة.
الحضور في مدرجات الملعب في مراسم الافتتاح ومراسم الاختتام فاق الـ 70 ألف متفرج وأمام شاشات التلفزيون عبر القارات الخمس فاق الملياري نسمة هذا الحضور وهذا الاهتمام العالمي يعتبر فرصة ذهبية للساسة وللحكام وللدول لابراز العضلات والقوة ولاستغلال الاهتمام الجماهيري لتمرير الرسائل السياسية التي يريدها هذا الرئيس او ذاك الزعيم. الألعاب الاولمبية لم تصبح لعبة ورياضة فحسب وانما تخطت هذا البعد الرياضي لابعاد اخرى مثل الاقتصاد والسياسة.
الرياضة اذن في القرن الحادي والعشرين ليست بريئة مجرد رياضة بل هي تجارة ورعاية واعلانات وسياسة الخ. وصدق «هتلر» يوما عندما قال «ان ملايين الناس المدربين على الرياضة الشغوفين بحب الوطن، المتشبعين بالروح الهجومية يمكن ان يتحولوا في رمشة عين الى جيش». فالمنتخب البرازيلي الفائز بكأس العالم لكرة القدم سنة 2002 انسى 170 مليون برازيلي هموم القر والمشاكل اليومية وسوء الادارة والسير في عرس واحد وحفل واحد، الامر الذي تعجز عن تحقيقه أية مؤسسة اخرى داخل البرازيل بما فيها مؤسسة رئاسة الدولة.
ومن خلال الفوز بكأس العالم ادرك الرأي العام البرازيلي انه بألف خير وأنه الاحسن والأقوى عالمياً في ميدان كرة القدم وهذا انجاز عظيم يجب ان تشكر عليه وزارة الرياضة والشباب والاتحادية البرازيلية لكرة القدم والحكومة والرئيس البرازيلي. اكثر من هذا شعوب في دول عديدة رقصت السامبا وساندت الفريق البرازيلي وهنأت الرئيس البرازيلي والشعب البرازيلي بالانجاز العظيم. هذه هي اذن الرياضة التي تخترق الهموم والمشاكل وتبرز الانجازات والنجاحات.
في القرن التاسع عشر ربطت القوى الاستعمارية التطور والتفوق الرياضي بحركة الاستعمار وتفوق النظام الرأسمالي الغربي، وأصبح المتفوق في الرياضة هو المتفوق في الاقتصاد وفي السياسة وفي الحضارة وأصبح المنتصر في الرياضة هو المنتصر في الحرب. وهكذا دخلت الرياضة السياسية وكيف لا وهناك دول استثمرت مليارات الدولارات لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم او لاستضافة الألعاب الاولمبية او الالعاب الآسيوية او الافريقية او ألعاب البحر الابيض المتوسط الى غير ذلك.
وبذلك تم توظيف الرياضة في خدمة السياسة وأصبحت السياسة الرياضية جزءا لا يتجزأ من سياسة الدولة. وأصبح الابطال في مختلف الالعاب والرياضات وخاصة الالعاب الاكثر شعبية ككرة القدم يقلدون الاوسمة ويستقبلون استقبال المحررين المنتصرين من رئيس الدولة وتقدم لهم التهاني والتبريكات من قبل كبار السياسيين.
مع مطلع القرن العشرين تحولت الملاعب الى فضاءات للدعاية السياسية وللتجنيد ولغسل الادمغة وحتى للانقلابات العسكرية. فعبرت الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) عن حقها في تقرير مصيرها من خلال مشاركتها المختلفة في المحافل الرياضية الدولية وكان فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري ابان استعمار فرنسا للجزائر خير سفير للقضية الجزائرية، ونلاحظ اليوم المنتخبات الفلسطينية ودورها الريادي والاستراتيجي بالتعريف بالقضية الفلسطينية واسماع صوت اطفال الحجارة للعالم.
كما عبرت الاقليات والاعراق عن حقوقها من خلال الرياضة وخير دليل على ذلك الزنوج الاميركيون ابتداء من العداء المشهور «جيسي اوينس» الى الملاكم العالمي محمد علي الذي رفض ان يلتحق بالجيش الاميركي في فيتنام. وهكذا بلغ استغلال الرياضة سياسيا ذروته مع صعود الانظمة الشمولية في ألمانيا الهتلرية النازية وايطاليا الموسولينية الفاشية والاتحاد السوفييتي من لينين الى ستالين الى خروتشوف وبريجنيف.. الخ.
ففي سنة 1934 استضافت ايطاليا بطولة العالم لكرة القدم واستغل الفاشيون الحدث وحولوا ملاعب كرة القدم الى حلبات للدعاية وغسل الادمغة وتجنيد الجماهير واستغلال حماسهم وروحهم الوطنية ومشاعرهم القومية. وفي سنة 1936 استقبلت ألمانيا النازية الألعاب الاولمبية وجمعت برلين الرياضيين من جميع انحاء العالم لكن بشرط ان يعلم الجميع ان العرق الآري هو احسن عرق فوق الارض وأنه ولد ليتفوق وليحكم العالم.
وهكذا زحفت ألمانيا من الملاعب المختلفة للرياضات الاولمبية الى غزو جيرانها واعلان الحرب على العالم. كما لا ننسى ان هتلر رفض ان يسلم الميدالية الذهبية للعداء الاميركي الاسود «جيسي اوينز» لا لشيء الا لانه اسود وفي منطق «هتلر» غير ممكن للأسود ان يتفوق على الابيض.
الايديولوجية الاشتراكية والشيوعية هي بدورها استغلت الرياضة لتأكيد تفوقها وقوتها، الاتحاد السوفييتي ومن كان يدور في فلكه وخاصة ألمانيا الديمقراطية ورومانيا وبلغاريا والمجر وتشيكوسلوفاكيا كانت هذه الدول كلها تستثمر استثمارا لا حدود له في مجال الرياضة وكانت تنفق مئات الملايين من الدولارات على رياضاتها وبعض الاحيان تستعمل المنشطات وكل الوسائل للتفوق على المعسكر الرأسمالي.
وكان الصراع يشتد دائما بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي في المحافل الرياضية الدولية وكانت دولة مثل المانيا الديمقراطية بحجمها الصغير وامكانياتها المحدودة آنذاك تهزم في المسابقات الرياضية العالمية دولا عريقة مثل فرنسا والولايات المتحدة الاميركية وايطاليا وبريطانيا واليابان... الخ.
وابتداء من السبعينيات من القرن الماضي ظهرت الحروب الخفية في المجال الرياضي باستعمال المقاطعة الرياضية، ففي سنة 1976 قاطعت معظم الدول الافريقية الالعاب الاولمبية احتجاجاً على مشاركة دولة كانت تقيم علاقات سياسية واقتصادية مع الابارتيد بجنوب افريقيا. وفي سنة 1980 قاطعت اكثر من 60 دولة الالعاب الاولمبية بموسكو احتجاجاً على غزو الاتحاد السوفييتي لافغانستان. وفي الالعاب الأولمبية في سنة 1984 رد المعسكر الاشتراكي الصاع صاعين وتعامل بالمثل وقاطعت 18 دولة الالعاب الاولمبية التي احتضنتها الولايات المتحدة الاميركية في لوس انجلوس متعذرة في ذلك بانعدام الامن.
المونديال والألعاب الاولمبية والرياضة بصفة عامة ليست فقط كما نظر لها بيير دي كوبرتان وغيره، مباديء ومثل عليا وترقية الخصال البدنية والاخلاقية وتربية الشباب بواسطة الرياضة وروح التفاهم المتبادل والصداقة من اجل بناء عالم افضل وأكثر سلما، عالم تسوده القيم الانسانية العليا، تسوده الاخلاق والمحبة والوئام، وانما هي كذلك مظهر من مظاهر الصراع السياسي بين دول تتنافس وتتصارع كلها من اجل اثبات انها هي الاقوى وهي الاحسن والاجدر بالفوز.
وأخيراً ماذا سيفعل البرازيليون بعد نشوة الفوز بكأس العالم مع مشاكلهم اليومية وأوضاعهم الاقتصادية المتدهورة وديونهم المتصاعدة؟ وهل بإمكان كرة القدم ان توحد الكوريتين؟ وهل مشاركة العراق وأفغانستان في اولمبياد اثينا ستقضي على اعمال التخريب والجرائم والقتل وعدم الامن والاستقرار في البلدين وهل الأداء الجيد لفريق كرة القدم العراقي في الاولمبياد سيحل هموم ومشاكل الشباب العراقي؟















التعليقات