محمد بلبشير: عبر أزيد من عشرين نقطة سرية على طول الشريط الحدودي المغربي الجزائري بعمالة وجدة أنكاد، تظهر للعيان عشرات الدراجات النارية والسيارات المجردة من ترقيماتها والبهائم كلها محملة بعبوات الوقود المهرب، تخترق تباعا المسالك المغبرة والوعرة نحو »نقاط البيع الممتدة على طول الطريق الوطنية رقم 27 وجدة الناظور...« ويختلف نشاط هؤلاء المهربين حسب ظروف الأمن وتشديد المراقبة على الحدود! فبجماعة أهل أنكاد يسلك المهربون منفذين هامين نحو الجزائر، كنقطة أولاد العباس ولغلاليس لفاقة، وبجماعة بني خالد يسلكون منافذ لعراعرة لفاقة والعالب وأولاد الطاهر ولكريرة، وبضواحي جماعة بني درار يعبرون لقيايسة والحويطة والشراكة! وتختلف وضعية هذه المسالك بتنوع السلع المهربة وكذا وسائل النقل المستعملة، وترتبط كل هذه المسالك بالطريق الوطنية السالف ذكرها، في حين تؤدي على الجانب الجزائري إلى مدينة باب العسة... وعادة أصبح مهربو الوقود يفضلون مسلك »الواد الأعوج« الذي يربط مدينة بني درار بنقط حدودية معروفة، وبكثرة الاقبال عليه واستعماله كمسلك أصبح اليوم صالحا للمرور بالنسبة لكل وسائل النقل البرية...
وقد أصبحت تجارة الوقود المهرب من القطاعات الحيوية بالمنطقة، وخاصة بمدن وجدة، أحفير، بركان، وبني ادرار المركز الرئيسي لهذه التجارة بحكم موقعها الاستراتيجي القريب من الحدود المغربية الجزائرية... وقد خلق التهريب بالمدينة دينامية اقتصادية غير مسبوقة خاصة بعد غلق الحدود البرية مع الجزائر سنة 1994، حيث أصبحت بني درار تشتهر بتصريفها لكميات هائلة من الوقود الجزائري، ويرجع تاريخ هذه التجارة السوداء بالمدينة الى سنة 1988، ليصبح مركزها عبارة عن سوق موسعة لتجارة الوقود بالمنطقة الشرقية... حيث تحولت بقدرة قادر فيه كل مآرب السيارات والطوابق السفلية للمنازل وحتى المحطات التي أصابها الإفلاس، إلى محطات لبيع الوقود المهرب، والذي يتم تخزينه بكميات هائلة لتلبية متطلبات الحافلات والشاحنات والسيارات الوافدة من مختلف أنحاء المملكة... وبلغ عدد المخازن السابق ذكرها حسب دراسة لغرفة الصناعة والتجارة والخدمات بوجدة أكثر من 60 مخزنا بمعدل الحجم المروّج في اليوم من 15000 الى 20000 ل، ويعمل بهذا القطاع مركز بني درار وحدها ما بين 200 و 300 شخص، منهم مجازون معطلون وغيرهم.. وتقول الدّراسة انه بلغ عدد المرتبطين بتجارة الوقود قرابة نصف المليون شخص.

ويبلغ عدد المنازل المعدّة كنقط للبيع أكثر من 80 منزلا، فيما تنتصب على جوانب الطريق الوطنية الرابطة وجدة بالناظور أكثر من 40 نقطة بما فيها منطقة »الكربوص« ويتراوح حجم مبيعات عشرة نقط رئيسية يوميا مابين 2000 و 3000 وحدة من حجم 30 ل للوحدة، وبنقطة الكربوص وحدها يبلغ حجم مبيعاتها مابين 80 و 200 وحدة من حجم 30 ل.. وهكذا يمكن القول أن الوقود المهرّب أصبح يمثل نسبة 47٪ من تجارة التهريب بمدينة بني درار.. ويرجع اتساع نشاط هذا القطاع الى عاملين أساسيين هما:

1 ـ انخفاض ثمن الوقود المهرّب مقارنة بنظيره الوطني (3 دراهم للكازوال المهرب مقابل 6 للكازوال الوطني). 2 ـ استعمال الوقود المهرب على نطاق واسع..

وإذا قارنا بين هذا الوقود المهرّب ونظيره الوطني من حيث ثمنه فنجد الفرق هنا جليا، حيث يصل ثمن الوحدة من البنزين المهرب الى 105 درهم في حين تبلغ الوحدة من نظيره مابين 275 و 300 درهم. أما الوحدة من الكازوال المهرب فيصل ثمنها الى 90 درهما، يُقابل ثمن الوحدة من الكازوال المغربي: 5،178 درهم. أما عن انعكاسات هذه الظاهرة على اقتصاد الجهة، فقد تمثلت في الانخفاض الملموس لاستهلاك الوقود الوطني، وبالتالي إفلاس أزيد من 75 محطة لبيع الوقود بالجهة الشرقية وبالتالي إغلاقها، وبوجدة وحدها وصل عدد المحطات التي أفلست وأصبحت منشآتها أطلالا حوالي 14 محطّة..

كما تسببت الظاهرة في إلحاق خسارة فادحة بشركات النفط الوطنية، حوالي 20 مليون درهم.. كما ألحقت خسارة بالخزينة العامة للدولة حددتها دراسة غرفة التجارة والصناعة بوجدة مابين 100 و 150 مليون درهم سنويا، وهو رقم قابل للارتفاع سنة بعد أخرى!

هذا بالإضافة الى كون عدد من المؤسسات الخدماتية كالشركات والنقل أصبحت تعتمد الوقود المهرّب على نطاق واسع مما سيعرض لا محالة الجهة لأزمة غير مسبوقة.. هذا ويعرف الوقود المهرّب رواجا مكثفا على مدار السنة، إلا أنه وفي فصل الصيف يزداد الطلب عليه خاصة عندما يدخل أفراد الجالية المغربية بالخارج، ويمكن القول أن أزيد من 160 ألف وسيلة نقل بالجهة من سيارات وشاحنات وحافلات وجرارات ودرّاجات نارية تعتمد استعمال هذه المادّة المهرّبة.

السلطات الأمنية تواجه الظاهرة وتعمل على حجز كميات هامة من الوقود المهرّب، حيث تقوم كل من مصالح الأمن الولائية بوجدة ورجال الدرك ورجال الجمارك كل من جانبه على مواجهة المهربين في هذا الباب، بدءاً من نقط الحدود المذكورة والمنافذ السّرية وصولا الى مراكز ترويج المادة المهرّبة، وذلك بوضع كمين لهؤلاء، وهكذا استطاع أمن وجدة منذ أواخر سنة 2003 وإلى يومنا هذا من إيقاف عدد من الأشخاص من مروّجي الوقود المهرب وحجز كميات جد هامة من البنزين والكازوال، وخلال شهر واحد حجزت أكثر من 10 طن وأوقفت 10 أشخاص كما حجزت سيارات كانت تستعمل في نقل الوقود.. ومن جهتهم استطاع دركيو بني درارة أن يحجزوا كميات أخرى هامة بعين المكان.