يأتي مؤتمر مؤسسة آل البيت للفكر الاسلامي حول سنظام الحكم الاسلامي والديمقراطية، الظروف وامكانية التعايش» الذي عقد في عمان مؤخرا ليؤكد على الاهمية الكبيرة التي باتت تحظى بها قضية العلاقة بين الديمقراطية والاسلام، باعتبارها من اكثر القضايا اثارة وتداولا وحساسية في الوقت الحاضر، ويهدف المؤتمر الى توضيح موقف الاسلام من قضية الحكم والشورى والديمقراطية في مواجهة المحاولات الرامية الى تشويه صورة الاسلام والمسلمين، وهو ما يؤكد على ان قضية العلاقة بين الاسلام والديمقراطية على صلة بمستقبل التطور الديمقراطي والاصلاح السياسي في الدول العربية والاسلامية، وذلك في ظل تصاعد الدور السياسي للتنظيمات السياسية المسيسة في هذه الدول، حيث اتجهت بعض هذه التنظيمات الى التعايش مع النظم والاطر السياسية القائمة من خلال ممارسة العمل السياسي في ظل التعددية السياسية، في حين دخل البعض الاخر في مواجهات مسلحة مع النظم الحاكمة في عديد من الدول العربية والاسلامية، الامر الذي يجعلنا نتناول اهم التيارات والاتجاهات الرئيسة بين مفكري الحركات الاسلامية في الوطن العربي تجاه مسألة الديمقراطية والتي يمكن تصنيفها في اتجاهين هما:
الاتجاه الاول، يرفض الديمقراطية ويعتبرها مناقضة ومخالفة للعقيدة الاسلامية، ويؤكد على التعارض بين الاسلام والديمقراطية، بل ويكفر الديمقراطية كونها تجعل السيادة للشعب وليس لله، كما انها تخول البشر سلطة التشريع، ويلتقي انصار هذا الاتجاه مع انصار الاتجاه السلفي في رفض الديمقراطية وطرح الشورى كبديل لها، ويعتبرها اكثر اكتمالا من الديمقراطية، كذلك فان موقف هذا الاتجاه من الديمقراطية يقوم على اعتبارها مصطلحا غربيا مرتبطا بنشأة المجتمع الغربي، والموقف منه مشتق من العلاقة التصادمية بين الاسلام والغرب الذي يسعى الى تعميم نموذجه الثقافي والحضاري والسياسي على المسلمين رغم تناقضه مع الاسلام، فالديمقراطية عند هذا البعض ينظر اليها كرمز لمشروع غربي مارس القهر والذل بحق العرب والمسلمين، ويعكس خطابه الاعلامي على الاقل عداء ظاهرا للاسلام.
اما الاتجاه الثاني، فينظر الى الديمقراطية نظرة ايجابية كنظام او كفكرة، وان ما يميز كتابات هذا الاتجاه هو ان معظمها صدر في عقد الثمانينات مع تعاظم الحديث عن الديمقراطية، وانها تسعى الى التفاعل مع الوضع الدولي الجديد، وان كان من منطلق يسعى الى ارساء قواعد الحل الاسلامي، حتى ان المفكر الاسلامي يوسف القرضاوي الذي يعتبر من مفكري هذا الاتجاه قد اثنى على الادوات والضمانات التي وصلت اليها الديمقراطية، لانها اقرب ما تكون الى تحقيق المبادئ والاصول السياسية التي جاء بها الاسلام لكبح جماح الحكام، وهي الشوري والنصيحة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.
وهناك من يرى بان الاسلام يؤكد على قيم الحرية والعدل والمساواة والمشاركة واحترام حقوق الانسان والقبول بالتعدد والاختلاف، وكلها قيم تشكل البنية الاساسية لمفهوم الديمقراطية، اضافة الى ان الاساليب الديمقراطية، حسب هذا الاتجاه، تمثل في معظمها التطبيق المعاصر لجوهر الشورى الاسلامية، وان ليس هناك ما يمنع من تطبيق هذه الاساليب في الدول الاسلامية، كما انه ليس هناك ما يمنع من ابتكار اساليب تنظيمية واجرائية لتحقيق الديمقراطية، على اعتبار ان ما تحتويه الديمقراطية من عناصر وما تتميز به من صفات ايجابية يشتمل عليها الاسلام، وان المسلم الذي يدعو الى الديمقراطية، انما يدعو لها باعتبارها شكلا للحكم يجسد مبادئ الاسلام السياسية في اختيار الحاكم واقرار الشورى والنصيحة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ورفض المعصية، وان التعاليم الاسلامية تتوزع بين التشديد على قيمة العدالة في الحكم، والنص على وجوب العمل بالشورى في ادارة شؤون الولاية المدنية، ويستفاد من ذلك الاسلام رسم اطار للسياسة والسلطة، ووضع مبادئ للحكم تحث على احترام حق المشاركة في ادارة شؤون المجتمع.
وبشكل عام فان التصور الاكثر حضورا وشيوعا في الخطاب الاسلامي هوالتصور الذي لا يرفض الديمقراطية كلية، وان وتيرة هذا التصور في الخطاب الاسلامي المعاصر في تصاعد وارتفاع، مقابل هبوط وانخفاض التصور الرافض للديمقراطية.
- آخر تحديث :















التعليقات